سقوط أسطورة أردوغان الذي لا يقهر

نشرت “أنباء أسيا” مقالاً بعنوان “سقوط أسطورة أردوغان الذي لا يقهر” حيث تساءلت عن موجة الاحتجاجات التي افتعلت الأعاجيب، فمن كان يتوقع أن تتحدى ثلة من الشبان طاغية اسطنبول، بل وأن يخر هو راضخاً للواقع الذي تفرضه؟ وحتى أن الأمريكيين بدأوا يعيدون تقييم علاقتهم به.

وقالت أنه عندما كان رجب طيب أردوغان حديث العهد بالسلطة، وكان الجيش العلماني لا زال يشكل خطراً عليه، أرسل، بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٠٢، رسالة إلى معاون وزير الدفاع الأمريكي السابق وأحد أركان تيار المحافظين الجدد “بول وولفويتز”، طالباً منه التدخل لحمايته من الجيش. وبالفعل لم تنقضي إلا مدة يسيرة حتى قبل قائد الجيش آنذاك “حلمي أوزكوك”، ورئيس الجمهورية السابق “أحمد نجدت سيزر” اللقاء به.

لم يفكر “أردوغان” حينها بأن “وولفويتز” يتدخل بالشؤون الداخلية لبلده. كان المهم له حينها أن يتوطد حكمه. وهو ما حصل؛ فعقد المحاكم، وقمع الصحافة، وزج بأغلب معارضيه في السجون، واشترى بالمال، الذي انهمر على أعوانه فجأة، المزيد من المحطات والصحف. حتى وصل عام ٢٠١٢، أي بعد عشرة سنوات من استلامه الحكم، إلى ما سماه هو نفسه بـ”عهد المعلمية”. وكانت ثقته بنفسه وبقوته وسطوته وصلت ذروتها، وبرهن على ذلك من خلال أسلوبه المميز له كشخص، وهو عدم تورعه عن خوض الملاسنات وحملات التشاتم مع غربيين كان قبل عشرة أعوام يسعى إليهم لمعاونته في توطيد حكمه.

وهنا تزايدت حساسيته للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لبلده؛ فحين ينتقد الاتحاد الأوربي قمعه للمظاهرات يتهمه بالتدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، وحين تنتقد مؤسسة إعلامية أمريكية وضع حرية الصحافة لديه يتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، وحين تنتقد دول الجوار إقامته نظام الدرع الصاروخية المعد لحماية “إسرائيل” يتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، وحين تنتقد منظمات حقوقية وضع الأقليات في بلده يتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية لتركيا. حتى ليظن المرء أن الشؤون الداخلية لتركيا لا تشمل إلا القمع والاعتقال والظلم والقهر.

وحين سئل “أردوغان” نفسه عن تدخله السافر في الشؤون الداخلية السورية أجاب بأن سورية هي “قضية داخلية لتركيا”.

ما غير الموازين، وقلب الأحكام، وأسقط فرعون من شاهق عرشه، هو موجة الاحتجاجات التي انبثقت فجأة من حيث لم ينتظر أحد. ومهما حاول جاهداً إيقافها فإنها استمرت رغم كل القتلى الذين سقطوا فارضة واقعاً جديداً لا ينفرد فيه “أردوغان” بالسلطة، مثبتة وجود قوة رقابية قادرة عند الضرورة على رسم خطوطها الحمراء.

في عهد معلميته ظهر أمام “أردوغان” واقع جديد لم يستطع إلى إعادته إلى نصبه سبيلاً. والواقع الجديد صنعه شبان بسطاء كانوا يدافعون عن حدائق وأشجار وزهور، ولم يدر بخلدهم أنهم من حيث لا يدرون يغيرون موازين السياسة العالمية عبر إسقاط هيبة من قدمته وسائل إعلام كثيرة أنه النموذج للإسلام الحديث المعتدل. وهو في اللغة الرمزية للغرب الإسلام المتصالح مع المصالح الاستعمارية الغربية.

في حوارات طويلة مع قادة ونشطاء الاحتجاجات المندلعة ضد “أردوغان” لم يكن لدى المحتجين وعي واضح لمدى ما فعلوه. بل كان كل منهم واقفاً عند حد القضية التي خرج من أجلها. وقد وحدهم الظلم أكثر من أي شيء آخر.

منهم من خرج لأهداف بيئية محض، ومنهم من خرج مدافعاً عن السلم الأهلي، ومنهم من خرج دفاعاً عن سورية، ومنهم من خرج رافضاً للفساد، ومنهم من خرج دعماً للنضال العمالي، ومنهم من خرج رفضاً لاعتداء “العدالة والتنمية” على الحريات العامة.

ما قبل الاحتجاجات ليس هو نفسه ما بعدها. وها هم الأمريكيون أنفسهم يقرون بالواقع. فقد أعد سفيران أمريكيان سابقان في “أنقرة” تقريراً عن تركيا نشرته مؤسسة بحثية هامة، اسمها “Bipartisan Policy Center” تقف على مسافة متساوية من كلا الحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية.

التقرير، الذي أعده السفيران “مورتون أبراموفيتش” و”إريك إدلمان”، يعكس نظرة أصحاب القرار في أمريكا إلى السياسة الخارجية لـ”أردوغان”، وفيه بعض التوقعات الهامة، أهمها أن “أردوغان” لن ينتقل إلى منصب رئاسة الجمهورية من موقع القوة.

واعتبر التقرير أن أحداث ميدان “تقسيم” أظهرت امكانية هزيمة حزب العدالة والتنمية وأنه حزب يمكن تعويضه، وأن احتمال وصول “أردوغان” إلى الحكم كرئيس قوي بات معدوماً، مرجعاً السبب في ذلك إلى احتجاجات “تقسيم” “التي أنهت طموح أردوغان بأن يصبح رئيس جمهورية قوياً” على حد تعبير كاتبي التقرير.

ولفت التقرير إلى أن “أردوغان” إذ ربط صلاحيات قوية جداً برئيس الجمهورية (وفق الدستور الجديد الذي يحاول إقراره)، فإن صلاحيات رئاسة الجمهورية لا تشمل الرقابة المالية على الحركة النقدية على الحكومة والحزب الحاكم وعموم البلاد.

واعتبر التقرير أن الانتخابات القادمة قد تكون شاهداً على أكبر انفجار سياسي داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، عازياً ذلك إلى علاقة “أردوغان” برئيس الجمهورية الحالي “عبد الله غول”، وعلاقة الأخير القوية برجل الدين النافذ “فتح الله غولن”، حيث خلص التقرير إلى أنه إذا اختار “أردوغان” الانتقال إلى قصر “تشانكايا” الرئاسي وانتقل “غول” بدلاً عنه إلى الحكومة فإن ذلك يعني حكماً إنهاء هيمنة “أردوغان” على الحكومة والحزب الحاكم.

وفي فقرة بعنوان “شخصية أردوغان” رأى كاتبا التقرير أنه ليس من المتوقع أن يغير “أردوغان” أسلوبه العدائي المتهجم، حيث أنه يقوم بذلك للحفاظ على قاعدته الجماهيرية. ويرى التقرير أن وراء أسلوب “أردوغان” تقف درجة كبيرة من الريبة والأنانية، وأعلى معدلات الغرور والنرجسية من الناحية المرضية، ويضيف قوله “قبل كل انتخاب كانت هناك توقعات بأن يصلح أردوغان أسلوبه. ولكن كل نصر انتخابي لم يزده إلا إقداماً. ولذا فإن المتغير الوحيد المتوقع بعد الانتخابات القادمة هو مدى تأثر قوة أردوغان نفسه”

ويشير التقرير إلى أن من أهم أسباب الدعم الشعبي الذي حصل عليه “أردوغان” يأتي الاقتصاد، الذي استطاعت الحكومة رفعه مؤقتاً، وعلى المدى القصير، عبر تأمين دخول الاستثمارات الأجنبية. في حين أن أحداث “جيزي” (الحديقة الشهيرة الملاصقة لميدان “تقسيم”) ستقلل ثقة المستثمرين بالاستقرار في تركيا، وهو ما بدا واضحاً من خلال انخفاض قيمة الليرة التركية بمعدل ١٠% من قيمتها خلال عام ٢٠١٣.

وكتأكيد على محتوى التقرير، الذي يلمح ضمناً إلى عدم جدوى المراهنة اللامحدودة على قوة “أردوغان”، فقد رأت صحيفة “واشنطن بوست” أن إدارة “باراك أوباما” لم تعد قادرة على حماية حلفائها في المنطقة، وهي “إسرائيل”، والسعودية وتركيا والأردن.

وانتقد محرر الشؤون السياسية في الصحيفة “جاكسون دايهل” السياسة الخاطئة لإدارة “أوباما” في موضوع السلاح الكيميائي السوري وإهمالها الخطر الإيراني، مؤكداً أن هذه الإدارة اعتبرت ما يجري في سورية وغيرها من النزاعات في المنطقة غير ذا تأثير على مصالحها. ولكنه يشير إلى أنه كان الأجدر بها حماية مصالح حلفائها، خالصاً إلى أنها غير قادرة على ذلك.

بنفس الوقت رأت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية أن الإعلام الأمريكي إذ يهاجم مدير الاستخبارات القومية التركية “هاكان فيدان”، فإن ذلك يشير برأيها إلى محاولة البيت البيض تبييض صفحته وغسل يديه من نتائج التحالف مع إدارة “أردوغان”، خاتمة بالقول: “حين تلعب لعبة غيرك فستتحمل كامل مسؤولية الأخطء التي ارتكبها الطرف المحرض”

جملة واحدة تظهر مدى السقوط الذي بلغته هيبة “أردوغان”، فبحسب أحد المراقبين الحياديين كان دخول الشرطة الأردوغانية إلى حي “أرموتلو” في “هاتاي” (لواء اسكندرون)، الذي كان في عنفوانه، هذا الدخول كان أشبه بدخول قوات الاحتلال الصهيوني إلى مخيم جنين. لله طريقة لا يسبر غورها في إنفاذ مشيئته، فأن يعاقب حاكماً ما هو أمر طبيعي لكن أن يعاقبه عبر إرضاخه لثلة شبان بسطاء لهو عبرة حقيقية لكل ولاة أمور الناس.

Leave a Reply

Your email address will not be published.