سقوط “السلطان أردوغان الأول”

نشر نسيب أبو ضرغم مقالاً في “البناء” بعنوان “سقوط السلطان أردوغان الأول” حيث أوضح الكاتب مكامن سر السياسة التي تبعها أردوغان، وأشار الى أنه عندما نفّذ رجا الطيب أردوغان انقلابه على معلّمه ورئيس حزبه نجم الدين أربكان قال له الأخير: أنت عميل للحلف الأطلسي. فأردوغان ومنذ أن تسلم مقاليد الحكم في تركيا أخذ يُضخّم أحلامه ويحمّل المهمة التي أولاه إيّاها الحلف الأطلسي أدواراً لا تحتملها بل هي من خارج اللعبة. وفي هذا يكمن سرّ سقوطه المرتّب وسرّ فشله القائم.

أراد بداية أن يُعطي لنفسه فترة هدوء وتمكينه أكثر تسمح له داخلياً بتثبيت سلطته وتمكينه أكثر من مفاصل الحراك السياسي ومن مكامن الإدارة في تركيا فلجأ إلى سياسة «صفر مشاكل» مع الجيران! السياسة التي عادت عليه بفوائد كبيرة سواء على مستوى الوضع الداخلي أو على مستوى المردود الاقتصادي والسياسي خارجياً. إن المثل السوري هو الأكثر وضوحاً في هذا الشأن إذ كانت الصادرات التركية إلى سورية تفوق بكثير صادرات سورية إلى تركيا والأكثر من ذلك أن هذه الصادرات التركية أضرّت كثيراً بالصناعة السورية ورغم ذلك كانت القيادة السورية تؤكد على تعاطيها الإيجابي مع سياسة «صفر مشاكل» وذلك انسجاماً مع انكبابها على أولويات استراتيجية لديها ولحرصها على سلامة العلاقة بين الشعبين التركي والسوري.

كانت الفترة التي سبقت انقلاب أردوغان على جيرانه خاصة سورية فترة نموّ اقتصاديّ في تركيا واللافت في الأمر أنه كان ثمة تلازم حصل بين صعود الاقتصاد التركي وظهور المشروع الطوراني الجديد الذي أظهر نفسه كليّاً يوم اعتقدت الإدارة الأميركية أن بتسليم السلطة لـ»الإخوان المسلمين» في العالم العربي يمكنها أن تنهي مشاكل عديدة أوّلها الإرهاب «الإسلامي» والتخلّص من أنظمة عميلة لها صارت تشكل عبئاً عليها إضافة إلى جهوزية تنظيمات «الإخوان المسلمين» لموادعة إسرائيل.

بدأ «السلطان أردوغان الأول» يشحذ سكاكينه وينتظر دوره في المذبحة التي أعدّتها أميركا مع الصهيونية العالمية ودول الخليج في حق العالم العربي وبخاصة سورية والمشرق بعامة.

نجحوا في تونس وكان الجيش أداة الأميركان في طرد بن علي ونجحوا في مصر وكان الجيش أداة الأميركان ليس في طرد مبارك فحسب بل في إيصال «الإخوان» إلى الحكم لأن طرد مبارك لم يكن أكثر من وسيلة لتحقيق الهدف الجوهري وهو إيصال «الإخوان» إلى حكم مصر. في ليبيا اختلفت اللعبة لاختلاف المعطيات فجاء الأصيل وصار الوكيل مساعداً له. هكذا كان الدور التركي والدور القطري… كل ما حدث على عظم اتساعه لم يكن إلاّ مقدمات للمهمة الأساس المهمة الجوهرية ألا وهي إسقاط الدولة في سورية واستطراداً تمزيق المجتمع السوري وجعل سورية فسيفسائية التركيب قاعدية الملجأ.
في هذه اللحظة ومنذ آذار 2011 استلّ أردوغان سكاكينه وأخذ يقوم بالدور الذي رسم له. قام بدوره خير قيام وكان يلعب دوراً مزدوجاً فهو ينفّذ تعليمات الدوائر الأميركية واليهودية بفتح حدود للمسلحين ومدّهم بالسلاح واحتضان قياداتهم إضافة إلى الدور الخاص به أن يهيئ الظروف اللازمة لإخضاع المشرق أولاً والعالم العربي لسلطة “الباب العالي”.
سرق بشكل مباشر مصانع حلب وشجعت مخابراته على تدمير البنية التحتية للاقتصاد السوري في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون وشكل رأس حربة في الهجوم على الدولة السورية…

ذلك كلّه في سياق تحقيق الحلم فأنظمة «الإخوان» قامت في مصر وتونس وليبيا وها هو الخليج المهووس كيداً يضعف له لدعمه الإرهابيين بجميع أشكال الدعم ولم يبقَ أمام السلطان ليعلن نفسه سلطاناً على تركيا وسائر العرب إلاّ سورية إلاّ القلب إلاّ القلعة القومية. غير أن الحلم تهاوى بقبضة الشعب المصري وسيتهاوى بقبضة الشعب التونسي. ولكنّ سقوطه الأكيد كان بفعل صمود سورية شعباً وجيشاً وقيادة الصمود الذي غيّر المعادلات وجعل الدول التي تدعم الإرهاب تعيد حساباتها وفق مصالحها. فالطيّب أردوغان وهو في الأساس حارس المصالح الأطلسية في تركيا لم يعد في نزوته يخدم هذه المصالح أما طموحه إلى السلطنة والهيمنة والطورانية الجديدة فهي أمور ليست في حساب أسياده في الأساس ولن تكون في حسابهم على طاولة المفاوضات. عُزل أردوغان. لم يكن على خط التفاوضات ولم يكن ولن يكون على خط الاتفاقات. وعزل عن حلفائه وجيرانه وهو في طريقه إلى أن يعزل عن شعبه.  هو يدرك كيف تتبدّل عدّة الشغل بتبدّل المهمات كيف بُدّل الحمدان القطريان بآخر يوم استنفدت قطر دورها المرسوم وكيف سيستبدل الطريق البندري من العائلة السعودية الحاكمة حين يستنفد دوره. وكذلك سيصيب «السلطان أردوغان الأول» لأن طموحه الخاص تجاوز دوره المرسوم وفي تعبير آخر ليس مسموحاً بالنسبة إلى راسم الدور أن يتجاوز هذا الدور مشروع مستبطن لا يحمل مصالح صاحب القرار والمعلّم الراسم.

سقط «الإخوان المسلمون» سقطتهم التاريخية ليس لأنهم فشلوا في الإمساك بالسلطة أو لأنهم كانوا أضعف من الشعوب التي حكموها بل لسبب جوهري هو أنهم أفرغوا تجربتهم ورؤيتهم من المضمون الأساس العداء لـ”إسرائيل” وحلّ مكان قضية تحرير فلسطين انتصار الإيديولوجيا في وصولها إلى الحكم فخسروا الحكم وخسروا الدور التاريخي وخسروا حضورهم الفاعل في صيرورة الشعب. قد يكون أردوغان هو أول «سلطان» يخسر لقبه قبل أن يصبح سلطاناً.

لربما أعماه جموحه عن قراءة ما أنتجته الحرب الكونية على سورية. ولم يرَ بعد أن ثمة عملاقاً على مدى هذا المشرق أخذ يقف على قدميه وسيكون بذلك قضاء الأمة وقدرها في امتلاكها الحياة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.