وثائق مصرية تفضح مذابح الأتراك ضد الأرمن..

د.محمد رفعت: جرائم الاغتصاب والإبادة الجماعية موثقة.. وعلى مصر الاعتراف بها

نسي «النظام التركي» أنه «نظام من زجاج»، وأن تاريخه الدموى قديما وحديثا يجعله من أكثر أنظمة العالم فاشية وإجراما، ويكفى صفحة واحدة من التاريخ الدموى للأتراك، وهى صفحة المذابح الأرمينية، لتجعل نظام الأتراك وصمة عار على الإنسانية والإسلام معا، إن الوقائع والوثائق التى تملكها مصر فى مراكزها البحثية والتاريخية والقانونية وخاصة أرشيف مؤسسة الأهرام، والتى توثق لحظة بلحظة مذابح الإبادة التركية ضد الأرمن، من شأنها أن تكشف للعالم كله حقيقة نظام أردوغان، وتفضح دموية نظامه، والأهم سر تمسكه بدعم نظام الإخوان الإرهابى فى مصر، و يرى الخبراء ومنهم الدكتور محمد رفعت، الأستاذ بمركز الدراسات الأرمينية بكلية الآداب جامعة القاهرة، فى حوارنا معه أنه حان الوقت لتعترف مصر بمذابح الأرمن، وتفتح الباب واسعا للشعوب التى قهرها الأتراك، واغتصب أراضيها وحقوقها وانتهك آدمية أبنائها، مثل اليونانيين والأكراد والسريان والبلغار والعرب وغيرهم ليطالبوا باستعادة أراضيهم، وبالتعويضات المادية والأدبية.

-هل هناك وثائق تحدثت عن مذابح الأرمن؟

توجد ملايين الوثائق أرسلها الدبلوماسيون الغربيون بالأستانة والولايات العثمانية إلى وزراء الخارجية التابعين لها: بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، النمسا، روسيا وغيرها. وهذه الوثائق توثق لحظة بلحظة ما جرى للأرمن من انتهاكات واضطهادات وملاحقات وتعذيب واغتصابات. باختصار، توثق كل المآسى التى ألحقها الأتراك والأكراد بالشعب الأرمنى الأعزل. وفى العالم العربى عمومًا ومصر خصوصًا، آلاف الشواهد الدالة على فظاعة الجرم التركى بحق الأرمن والإنسانية. بداية، يوجد سيل من الصحف العربية التى سجلت يومًا بيوم آلام الأرمن والمذابح التى تعرضوا لها حتى انتهت بالإبادة فى عام 1915. ويكفى تصفح جريدة “الأهرام” منذ أن صدرت فى 5 أغسطس 1876 حتى نهاية مؤتمر لوزان 1923 ليدرك بنفسه حجم الكوارث التى أصابت الأرمن، هناك الكتاب الأحرار والشرفاء الذين رفضوا انتهاك الإنسانية بهذه الصورة النكراء. نذكر من هؤلاء مصطفى لطفى المنفلوطى الذى كتب فى النظرات “لا همجية فى الإسلام”، ولى الدين يكن التركي الجنس العربى الهوية الذى كتب المجهول والمعلوم، فكرى أباظة الضاحك الباكي .
وتفتخر بمصر بريادتها بمسألة توثيق المذابح والإبادة التى لحقت بالأرمن. ففي إبريل 1909 أصدر شيخ الإسلام الأمام الأكبر الشيخ “سليم البشري” شيخ الجامع الأزهر الشريف فتوى بتحريم قتل الأرمن لأن هذا يلحق العار بالإسلام والمسلمين، والدين الإسلامى الحنيف ليس به أى نص يحض على قتل المخالفين فى الدين. وفى نوفمبر 1916، أصدرت جريدة المقطم القاهرية كتاب المحامى السورى فايز الغصين وعنوانه المذابح فى أرمينيا، وهو أول كتاب فى العالم بتحدث عن هذه المذابح ويفضح الانتهاكات التركية، ويبرئ الإسلام من الحض على ارتكاب المذابح والإبادات فى حق البشر الأبرياء، كما تناولت الصحف الغربية موضوع الإبادة نقلًا عن هذا الكتاب وخير شاهد على ذلك صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1916.

كيف قامت الحكومة العثمانية والإدارات التركية اللاحقة بإخفاء جريمة الإبادة الأرمنية؟

فى البداية لابد من الإشارة إلى أن الحكومة العثمانية قد اعترفت رسميًا عام 1919 باقتراف النظام الحاكم (الاتحاد والترقى) جريمة تصفية الأرمن من شرقى الأناضول، وذلك أثناء محاكمة رموز هذا النظام الذين أغرقوا الدولة العثمانية بدخولهم الحرب العالمية الأولى إلى جوار ألمانيا، وهذا الاعتراف منشور فى الجريدة الرسمية العثمانية (تقويمه وقائعى) عدد 3604 (الملحق) 22 يوليو.

ومنذ عام 1915 تبذل الحكومات التركية المتعاقبة جهودًا جبارة لإخفاء آثار الجريمة وتتريك الأراضى والمنقولات والأصول الأرمينية قانونيًا . وبالإضافة إلى الإنكار الذى يعد سمة من سمات الإدارات التركية اتخذت السلطات التركية سلسلة قوانين لإضفاء الشرعية على جريمتها ونتائجها من عام 1915 وحتى الآن.

كيف أسهمت مصر فى إنقاذ الأرمن الناجين من المذابح والإبادة؟

قبل منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، وجدت جالية أرمنية مميزة أسهمت بامتياز فى خدمة الإدارة المصرية. ولكن منذ عام 1894، استقبلت مصر آلاف اللاجئين الأرمن من المذابح الحميدية وعاشوا فى رحاب الشعب المصرى الكريم والمضياف. وفى 15 سبتمبر 1915 استقبلت مدينة بور سعيد 4500 أرمنى رفضوا تنفيذ قرار الترحيل واعتصموا بجبل موسى فى أنطاكية يقاومون السلطات العثمانية لمدة “45” يومًا حتى أنقذهم الأسطول الفرنسى فى البحر المتوسط ونقلهم إلى بورسعيد وقد عاشوا هناك أربع سنوات حتى انتهت الحرب وعادوا إلى ديارهم سالمين آمنين وأثناء حكومة الشعب ورئيسها سعد زغلول 1924 سمح بدخول 1000 بينهم أرمن من القدس واليونان إلى مصر كى يتربوا بين أحضان الأسر الأرمنية فى مصر كأبناء لهم.

هل إثارة مصر الآن مسألة الإبادة الأرمينية رد فعل للممارسات التركية المشينة ضد ثورة 30 يونيو المجيدة التى قام بها الشعب المصرى لإزاحة حكم جماعة الإخوان المحظورة؟

لاريب أن الشعب المصرى العريق قد انتفض على قلب رجل واحد فى 30 يونيو عندما شعر بأن مصر تضيع من بين يديه لحساب مشروع أمريكى- تركى – صهيونى لميلاد مشروع “شرق أوسط إسلامي” بقيادة أردوغان ونظامه، وكانت الجماعة المحظورة بمثابة الأيدى المنفذة لهذا المشروع نظير تمكينهم من السلطة الذين ظلوا يحلمون بها 80 عاما. ولكن عبقرية الشعب المصرى وفطنته الذكية قد تنبهت إلى كارثية هذا المخطط . ولهذا زأر الأسد المصرى محافظًا على عرينه. وسجل المصريون صفحة فى التاريخ الإنسانى لا مثيل لها.
فى هذا السياق جاءت أقذر ردود الفعل من أردوغان ونظامه الحاكم، فقد كان الرجل غارقًا فى أحلام قيادة العالم الإسلامى وتأسيس “الدولة الأردوغانية” فى 2024 لإعادة الوصل مع “الدولة العثمانية” التى أسقطها الأتراك القوميون وألغوا الخلافة الإسلامية فى عام 1924 ويبدو أن تركيا أردوغان قد ضحت بالنفيس والغالى من أجل تحقيق الحلم – ولهذا أُصيب أردوغان بهستيريا مرضية جعلته يهذى فى آناء الليل وأطراف النهار ضد “مصر المحروسة” وشعبها العريق الضارب فى عمق التاريخ إلى أكثر من 7 آلاف سنة.والحضارة والدين المعتدل والوسط – قد اعترفت بالإبادة الأرمنية عمليًا وأدانتها فعليًا، ولهذا فإن فتح هذا الملف الآن ليس بجديد ولكنه مجرد تذكير للأتراك بتاريخهم الدموي.
وبعيدًا عن المؤرخين الذين باعوا أنفسهم لتركيا ومشروع العثمانية الجديدة، فتغليب صفحات التاريخ تؤكد آلاف الشواهد على دموية الأتراك وعنفهم . هل نسى المصريون ذبح طومان باى الرجل المسلم الورع وتعليقه على باب زويلة، لأنه دافع عن مصر والمصريين؟ هل نسى المصريون آخر خدمة الغز – الأتراك – علقة؟ هل نسى المصريون أنهم كرهوا دولة الاستبداد العثمانية ودعو عليها (يارب يا متجلى اهزم العثمانلى) . هل نسى المصريون أن الأتراك كانوا يسمونهم “فلاح خرسيس”، أى لا خير فيه . هل نسى المصريون أن تركيا أول دولة إسلامية اعترفت بإسرائيل هل نسى المصريون شماتة الأتراك فى مصر إثر هزيمة 1967؟ هل نسى المصريون مؤازرة تركيا لحليفها الإستراتيجى إسرائيل أثناء حرب أكتوبر 1973؟ هل نسى المصريون محاولات تركيا لاستهداف دور مصر الإقليمي؟
ورغم أن المحسوبين على مدرسة التاريخ المصرى يحاولون تلميع صورة العلاقات العثمانية (التركية) المصرية ويتقاضون تمويلات، لاريب أن أجهزة الأمن المصرى على علم بها ويُسخرون موقعهم لخدمة هذا الغرض، فإنهم لم ولن يتمكنوا من هذا لأن حجم الأحقاد التركية يتخطى حدود المعقول واللا معقول.

لقد وقعت فى تاريخ الدبلوماسية المصرية العريق خمس حالات طرد للسفراء الأجانب منهم ثلاث حالات طرد للسفير التركى، أولاها عام 1952 إثر هجومه على ثورة يوليو 1952 والثانية بسبب شماتته لانفصال مصر عن سوريا فى عام 1961، والثالثة بسبب البذاءات والانتهاكات التى يرتكبها أردوغان وسفيره بالقاهرة فى حق مصر شعبًا وحكومة.

ما تأثير اعتراف مصر بمذابح الأرمن على تركيا؟

سوف تُثبت مصر للعالم بأنها تساند بقوة كل الشعوب المقهورة . وربما تتجه دول أخرى للاعتراف بالإبادة تيمنًا بـ”الشقيقة الكبرى” ودينيًا برغم أن مصر دولة إسلامة فإنها من هذا المنطلق حريصة على ألا يلصق العار بالإسلام والمسلمين بتهمة إبادة المسيحيين. وكما أدان الأزهر هذه الإبادة 1909، فإن اعتراف مصر بعد ثورة 30 يونيه بهذه الإبادة، يُكمل الموقف المصرى ويتوج عظمته.

لا شك أن تركيا سوف تُصاب بأضرار جسيمة إذ أنها ستكون دولة لها سوابق ثابتة فى جريمة إبادة الجنس الجماعية، وهى أعلى وأخطر جريمة دولية والاعتراف المصرى بهذه الإبادة سوف يفتح أبواب جهنم على أردوغان ونظامه ولن يتمكن من صد الملاحقات الأرمينية والكردية والسريانية واليونانية والعربية وسوف يؤدى هذا الاعتراف إلى تعزيز الموقف الأرمنى المطالب بالتعويضات المادية، واسترداد الأراضى الأرمنية التى تحتلها تركيا من شرق الأناضول، علاوة على هذا سيزداد الموقف حرجًا وتأزمًا فى المحاولات المستميتة لتركيا من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى.

ولهذا أناشد الحكومة المصرية الإسراع باعتراف مصر ليس بالإبادة الأرمينية فقط، ولكن الاعتراف بكل الإبادات والانتهاكات التى اقترفتها الحكومات التركية المتعاقبة. وأدعوا المؤرخين الشرفاء إلى تشكيل لجنة لتوثيق جميع الانتهاكات التركية ضد الأتراك الشرفاء، وضد الشعوب التى كانت تحتلها الدولة العثمانية، والعلاقات التركية – الإسرائيلية، مؤامرات تركيا ضد مصر. وأطالب جامعة القاهرة بأن تعيد مركز الدراسات الأرمينية بكلية الآداب وهو المركز الذى تم تجميده أثناء حكم الإخوان لمصر بإملاءات تركية. إلا أنه لا يليق بأقدم جامعة فى الشرق الأوسط.

حوار ـ محمد الليثي

الأهرام

Leave a Reply

Your email address will not be published.