أزمة التعديلات الدستورية التركية ومستقبل العلاقات مع أرمينيا

تعيش الساحة السياسية التركية حاليا مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وكما هو واضح فإن حكومة حزب العدالة والتنمية التركية الحالية، سوف تواجه صيفاً ساخناً مليئاً بالخيارات الصعبة، وذلك بسبب نشوء مشكلتين. الأولى محلية –داخلية، والثانية إقليمية – دولية.

فما هي هذه المشاكل، وما مدى قدرة أنقرا على الحلحلة والانتقال بتركيا خطوة جديدة نحو الاستقرار السياسي الداخلي والخارجي؟

المشكلة الأولى: مفاعيل أزمة التعديلات الدستورية: تقول المعلومات، بأن الكتل التركية السياسية الثلاثة (حزب العدالة armturوالتنمية – حزب الشعب الجمهوري- الحزب القومي التركي) ما تزال أكثر اختلافاً وتبايناً في وجهات النظر والمواقف إزاء 30 تعديلاً دستورياً يسعى حزب العدالة والتنمية من أجل تمريرها في البرلمان، وهي تعديلات تتضمن حسم القضايا الآتية:

• وضع المؤسسة العسكرية التركية تحت السيطرة المدنية.

• وضع المزيد من القيود أمام عمليات حل الأحزاب السياسية بواسطة المحكمة الدستورية.

• تحقيق المزيد من الانفتاح في قضايا الحريات وحقوق الإنسان.

هذا، وتشير التحليلات إلى أن حزب الشعب الجمهوري والحزب القومي التركي مازالا أكثر تشددا في رفض هذه التعديلات, وذلك لأنهما يفسرانها على النحو الآتي:

• وضع المؤسسة العسكرية التركية تحت السيطرة المدنية، سوف يترتب عليه إلغاء مبدأ أتاتورك الذي أكد على ضرورة أن تعمل المؤسسة العسكرية التركية ضمن دور الحامي لعلمانية الدولة التركية.

• وضع المزيد من القيود أمام عملية حل الأحزاب السياسية بواسطة المحكمة الدستورية سوف يفسح المجال أمام ظهور وصعود الأحزاب المعادية لمبدأ علمانية الدولة التركية.

• تحقيق المزيد من الانفتاح في قضايا الحريات وحقوق الإنسان سوف يفسح المجال أمام تزايد النزاعات الدينية واتساع نطاق الظواهر الدينية مثل ارتداء الحجاب وغيره, إضافة إلى إفساح المجال أمام صعود الأقليات الثقافية التركية مثل الحركات الكردية الانفصالية بما يهدد وحدة الأمة التركية.

تقول التقارير والتسريبات، بأن حزب العدالة والتنمية، قد دخل في مفاوضات عميقة مع حزب الشعب الجمهوري، من أجل التوصل إلى صيغة موحدة لهذه التعديلات. واهتمام حزب العدالة بالتفاوض مع حزب الشعب الجمهوري وليس التفاوض مع الحزب القومي التركي، هو اهتمام سببه، الروابط الوثيقة التي تجمع بين مذهبية المؤسسة العسكرية التركية، ومذهبية حزب الشعب الجمهوري.

المشكلة الثانية: مفاعيل أزمة العلاقات التركية-الأرمينية.

تقول التقارير بأن الرئيس الأرميني سركيسيان، قد اتخذ قراراً في 10 نيسان (أبريل) 2010 يوقف إقرار اتفاقيات تطبيع العلاقات الأرمينية-التركية، وذلك بما يشمل الآتي:

•وقف إقرار بروتوكول إقامة العلاقات الدبلوماسية بين أرمينيا وتركيا.

•وقف إقرار بروتوكول فتح الجدود بين أرمينيا وتركيا.

هذا، وقد برر الرئيس الأرميني قراره، بسبب التطورات الأخيرة التي جرت على خط علاقات أنقرا – ييريفان، وقد تضمن البيان الرئاسي الذي أعلنه الرئيس الأرميني سركيسيان، الإشارة إلى النقاط الآتية:

•إن غاية أرمينيا السياسية إزاء تطبيع العلاقات مع تركيا سوف تظل كما هي.

•إن أرمينيا سوف تلتزم بالمضي قدما في بناء وتعزيز الروابط مع تركيا، متى ما اقتنعت أرمينيا بأن البيئة السياسية التركية، والقيادة السياسية التركية قد أصبحتا جاهزتين للعمل من أجل تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا.

•إن أرمينيا ترفض بشكل قاطع مطالبة تركيا لأرمينيا بسحب القوات الأرمينية من الأراضي الأذربيجانية، كشرط مسبق وضعته أنقرا، وحددت ضرورة أن يتم تنفيذه – أي سحب القوات الأرمينية – قبل أن تتم عملية تقديم البروتوكولات لإقرارها بواسطة البرلمان الأرميني.

•إن أرمينيا تنظر إلى الطلب التركي بسحب القوات الأرمينية, باعتباره يشكل ليس شرطاً مسبقاً مرفوضاً وحسب، وإنما يشكل انتهاكا وكسرا لروح عملية تطبيع العلاقات الأرمينية – التركية.

هذا، وإضافة لذلك تقول التقارير والمعلومات, بأن القرار الرئاسي الأرميني القاضي بوقف عملية إقرار البروتوكولات الأرمينية-التركية، قد تزامن مع التطورات السياسية الأرمينية التالية:

•احتفال أرمينيا رسميا في يوم 24 نيسان (أبريل) 2010، بذكرى المذبحة الأرمينية

•قيام الأرمن بتسيير المواكب والمظاهرات الحاشدة التي نددت بعمليات القتل الجماعي والمذبحة التي تعرض لها الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية.

•قيام الحشود الجماهيرية الأرمينية، بالتنديد بتركيا، ومطالبة أنقرا بالاعتراف رسميا بالمذبحة الأرمينية.

•قيام الحشود الجماهيرية الأرمينية بعمليات حرق صور الرئيس التركي عبد الله غول، ورئيس الوزراء التركي أردوغان, ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو, إضافة إلى حرق العلم التركي.

أدت التطورات السياسية الأرمينية الأخيرة إلى جعل أنقرا تلتقط المزيد من الإشارات السالبة القادمة من أرمينيا، هذا، وبرغم عدم صدور رد فعل رسمي من السلطات التركية حول الإجراءات الرئاسية الأرمينية، فإن الإعلام التركي ظل يشهد خلال الأيام الماضية سيلا من التحليلات ومقالات الرأي، التي لم تنقطع لجهة التذكير بمدى أهمية تعزيز العلاقات مع أرمينيا، والمطالبة لأنقرا بضرورة التحلي بالصبر أكثر فأكثر، من أجل احتواء المظاهرات الأرمينية المعادية.

تعقيدات سيناريو الأزمة السياسية التركية:

حتى الآن، تبدو الأزمة السياسية التركية، بأنها تتضمن مكونين رئيسيين لا يربط بينهما رابط، فالتعديلات الدستورية تشكل أزمة داخلية منفصلة عن أزمة العلاقات التركية الأرمينية، ولكن، وعند التدقيق أكثر فأكثر، يمكن ملاحظة الخطوط الآتية:

•توجد علاقة تحالفية وثيقة بين حزب الشعب الجمهوري التركي، وأطراف محور واشنطن-تل أبيب.

•توجد علاقة وثيقة بين حزب الشعب الجمهوري التركي، وجنرالات المؤسسة العسكرية المعادين لحكومة حزب العدالة والتنمية.

•جرت العديد من المحاولات الفاشلة للإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية.

•تزايدت وتائر العداء بين تركيا وإسرائيل بما أدى إلى تزايد وتائر العداء بين تركيا وأميركا، بما أدى بدوره إلى تزايد وتائر التقارب بين اللوبي الإسرائيلي واللوبي الأرمني في واشنطن.

•توجد علاقة وثيقة بين أذربيجان وتركيا، بسبب التقارب الثقافي والاجتماعي وأيضا بسبب مرور خط أنابيب صادرات النفط الأذربيجاني عبر الأراضي التركية.

•توجد علاقة وثيقة بين أذربيجان وأميركا وإسرائيل، بسبب الاتفاقيات الموقعة بين هذه الأطراف خلال فترات حكم حكومة حزب الشعب الجمهوري السابقة.

وعلى خلفية هذه الخيوط، فقد سعت أطراف محور واشنطن- تل أبيب، إلى الضغط على أنقرا ضمن ثلاثة محاور، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي:

•المحور الأول: الضغط على أذربيجان من أجل أن تطالب تركيا بضرورة عدم الدخول في أي تطبيع للعلاقات مع أرمينيا إلا إذا انسحبت القوات الأرمينية من الأراضي الأذربيجانية، وإذا لم تفعل أنقرا ذلك فإن أذربيجان سوف لن تلتزم بتمرير صادراتها النفطية عبر الأراضي التركية.

•المحور الثاني: الضغط على أرمينيا بضرورة رفض أي شرط تركي مسبق، يؤدي إلى إلزام أرمينيا بسحب قواتها من أذربيجان، إضافة إلى التمسك بحق إرغام أنقرا على ضرورة الاعتراف بالمذبحة.

•المحور الثالث: قيام جماعات اللوبي الإسرائيلي واللوبي الأرمني بالضغط على الكونغرس الأميركي، من أجل إصدار قانون الاعتراف بالمذبحة الأرمينية.

هذا وتقول التسريبات والمعلومات, بأن أنقرا أصبحت أكثر اهتماما بالتركيز على تطوير علاقاتها مع أذربيجان، طالما أن مصالح تركيا الاقتصادية الأكثر أهمية هي مع أذربيجان وليست مع أرمينيا، وإضافة لذلك، فقد أصبحت أنقرا أكثر وعيا وإدراكا لحقيقة أن الضغوط المفروضة عليها تمثل في أحد جوانبها الرئيسية المساعي الإسرائيلية-الأميركية الرامية إلى معاقبة أنقرا بسبب دعمها لسوريا والفلسطينيين، وأيضا بسبب موقف أنقرا الداعم لطهران في أزمة الملف النووي الإيراني، ولكن وبرغم كل ذلك، فمن الصعب جدا أن يتراجع حزب العدالة والتنمية عن توجهاته السياسية الداخلية والسياسية الخارجية الرامية إلى إدماج تركيا ضمن بيئتها الشرق أوسطية. ومن المؤكد أن نجاح الصفقة الدستورية مع حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل حصان طروادة الأميركي- الإسرائيلي في تركيا، هو نفسه سوف يواجه مشكلة تآكل نفوذه في أوساط الرأي العام التركي، إذا تجرأ وغامر برفض عقد الصفقة الدستورية مع حزب العدالة والتنمية، خاصة وأن هذه الصفقة تتضمن التعديلات الدستورية المطلوبة بواسطة المفوضية الأوروبية واللازمة لتأهيل تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، وهي العضوية التي ظلت تمثل ردحا من الزمان حلما للشعب التركي.

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

الجمل 28/4/2010

Leave a Reply

Your email address will not be published.