قصة بارتام آغا

من كتاب “ضريبة اللباقة، من روائع الأدب الأرمني الساخر”

للكاتب هاكوب بارونيان ترجمة د. نورا أريسيان

التقيتم طبعاً برجال أو سيدات اعتادوا أن يرووا لكل من يلتقون بهم حادثة جديدة محزنة أو مبهجة تخصّهم. يشدّون من يد الذي يحييهم ويقولون: “تعال لنلتق قليلاً” ويأخذونه إلى المقهى في البداية ثم يكوون رأسه مطولاً [1]، وفي غالب الأحيان يزورون أصحابهم في بيوتهم فقط من أجل رواية الحادثة.

وهذه الصفة في الشخصية لا تلام، لأنه كما يقال المرء يرتاح عندما يروي أحزانه إلى الآخرين، وكذلك فهو يشعر بسعادة عندما ينقل السعادة إلى صديقه. لكن ما يُلام وربما لا يُغفر له، فهو أن هؤلاء الرجال أو النساء، كما لو أن الذاكرة غير موجودة، يروون لك الحادثة نفسها ألف مرة وكأنهم يروونها دائماً لأول مرة. والمؤسف في الموضوع أنهم يأتون كل مرة لرواية الحادثة ويستهلون حيث ينكمش لسانك وتجد أنه من غير اللباقة مقاطعة حديثهم فوراً لـتقول: “لقد رويت لي ذلك”.

وأحياناً، تعتقد أنهم سيتحدثون عن شيء آخر، فتسمح لهم كي يبدؤوا الكلام، وما إن يبدؤوا بالقصة، عليك بوجه من الجلد  كي تقول لهم “أعلم، رويت لي ذلك”.

خطّبت ماركاريد خانم ابنتها (طـاكوك) لابـن مـانوك آغـا (بارطام). طاكوك صبية متواضعة تعرف القليل من القراءة والكتابة وهي تملك كجهاز لها، عدا عن ثيابها، قسماً صغيراً من البيت.

أما بارطام فهو شاب مجتهد يعمل حداداً، لا يعرف الشرب ولا لعب الورق، لا يملك البيت ولا المال، وسوف يسكن في بيت زوجته المستقبلية. وقد لعب أنانيا آغا، قريب ماركريد خانم، دور الوسيط في هذه الخطبة.

وفي يوم من الأيام تأتي ماركريد خانم وهي تنزل إلى السوق إلى مكتبي بوجه باسم. وما إن جلست على الكرسي حتى اتكأت بيديها على ركبتيها وانحنت لتقول:

– ألا تعلم، أننا خطّبنا طاكوك لابن مانوك آغا بارطام أفندي، هذه هي قسمتها. فابنتي، أنا لا أقول هذا لأنها ابنتي، فتاة متواضعة تعرف القليل من القراءة والكتابة. وفي حصتها قسم صغير من البيت سوف نعطيها إياه، هذه هي قدرتنا، ماذا نفعل؟ وبارطام آغا شاب مجتهد يمكنه أن يدير شؤون زوجة. هو لا يعرف الشرب ولا لعب الورق، وهذه ثروة بالنسبة للرجل. لا يملك لا البيت ولا المال، وليكن كذلك فالعمل دائماً هو المال، وهو دائماً البيت. الله يوفق أنانيا آغا في أعماله، فقد دبّر هذا الأمر، أدعو إلى الله أن يحمل التراب فيتحول إلى ذهب. وماذا تقول أنت؟

–   أنا راض.

–   بخاطرك.

–   قهوة؟

–   لا وقت لدي، أشربها غير يوم، إلى اللقاء.

–   مع السلامة.

وفي يوم من الأيام، يأتي غازاروس آغا إلى مكتبي ووجهه كئيب، ويجلس على الكرسي حزيناً.

–   أهلاً بك غازاروس آغا.

فيجيب بصوت يكاد لا يُسمع:

–   أهلاً.

–   كيف حالك؟

فيقول وهو يطلق زفيراً طوله متر:

–   لا تسأل عن حالي.

–   ماذا بك؟

– وماذا سيكون، كنت مريضاً منذ شهر، اليوم خرجت من البيت لكني لا أقوى على المشي، أصابني الزحار وفقدت دماً غزيراً، وتخلفت عن عملي، لا أقوى على العمل، ومن جهة أخرى المصاريف.. لا أدري ماذا أفعل.

–   هذا لا شيء، سيمضي.

يخرج غازاروس آغا بعد أن يلقي كلمته عن أدويته وزيارته للطبيب وآلامه.

وبعد أسبوعين التقيت بماركريد خانم في الباخرة، التي كانت تتحدث وهي تجلس بقرب سيدة. فذهبت وجلست أمامهما. فقالت:

–   أين أنت، لا تظهر؟

–   ولم لا أظهر؟

–   تعال بقربي عندي شيء أقوله لك، سوف تكون راضياً.

–   لا يوجد مكان لأجلس بقربك.

–   سأفسح لك المجال، تعال، تفضل.

وبدأت تفسح لي المكان. انحصرت بعض السيدات والسادة قليلاً،

ولتفسير ذلك بشكل أوسع، انكمشوا على بعض، فذهبتُ لأجلس بقرب ماركريد خانم واعتذرتُ منها ومن الذين بقربها لما سبّبت لهم من إحراج.

فقالت ماركريد خانم:

– أنت رجل ذكي، وتتحدث بالحق، الذي في قلبك على لسانك، أنا معجبة بطبعك هذا. يا أفندينا، خطبنا ابنتنا طاكوك لابن مانوك آغا بارطام أفندي، هذه قسمتها. فابنتي، أنا لا أقول هذا لأنها ابنتي، فتاة متواضعة تعرف القليل من القراءة والكتابة، وفي حصتها قسم صغير من البيت سوف نعطيها إياه، بالرغم من قدرتنا سنعطيها إياه، ماذا نفعل؟ وبارطام أفندي شاب مجتهد يمكنه أن يدير شؤون زوجة. لا يشرب ولا يلعب الورق، وهذه ثروة بالنسبة للرجل. لا يملك لا البيت ولا المال، وليكن كذلك فالعمل دائماً هو المال، وهو دائماً البيت. الله يوفق أنانيا آغا في أعماله، فقد دبّر هذا الأمر، أدعو إلى الله أن يحمل التراب فيتحول إلى ذهب. وما رأيك أنت؟

–   أنا راض، حسناً فعلتم، حسناً.

–   ماذا نفعل؟ كلٌ حسب قدرته.

–   أنا راض، حسناً فعلتم.

–   سيكون بارطام أفندي سعيداً جداً.

–   نعم، نعم.

وتابعنا حديثنا قليلاً، فأطلقت الباخرة صفارتها، وخرجتُ منها.

كان بمقدوري مقاطعة حديث السيدة التي رجتني كي أجلس بقربها وأزعجت نفسها ومَن بقربها كي تفسح لي مكاناً، وأقول لها: (لقد أخبرتني بهذا الخبر السعيد مسبقاً)، خاصة وأنه كان بمقدوري مقاطعتها عندما بدأت مقدمتها بتملق وقالت: (أنت رجل ذكي، وتتحدث بالحق، الذي في قلبك على لسانك وأنا معجبة بطبعك هذا). كيف لي أن أقاطع حديث سيدة تتحدث بكل هذا المديح عني هكذا.

في اليوم التالي، ظهر غازاروس آغا أمامي، فقال:

–   تعال، لأقدم لك القهوة.

–   لا وقت لدي.

–   أرجوك، قهوة.

–   عندي شغل يا حبيب.

–   مشان خاطري.

–   حسن.

ودخلنا المقهى.

–   احضر لنا فنجانين قهوة.

–   ما الجديد غازاروس آغا؟

– وماذا سيكون هنالك، بقي العمل بيد الله. لم أرك كي أتحدث إليك، لم أرك منذ ذلك اليوم كي أروي لك… هل قلت لك.. لا لا، لم أقل، الحمد لله ما زال عقلي برأسي. وهل رويت لك؟ أظن أنني لم أرو لك. لا لم أرو لك، لقد خرفت. يا أفندينا، قبل شهر، قبل أكثر من شهر، أصابني زحار قوي ولازمت السرير، والدم يسيل، فقلت إنه سيتوقف ولم يتوقف، فالماء من الأسفل والدواء من الأعلى. وأخيراً توقف، دواء من الأسفل ودواء من الأعلى، وكأنه كان نبعاً، كان يسيل ويسيل، سيلان على الفاضي.. وأخيراً نفذ دمي وتوقف النزيف. والآن لا أقوى على شيء، لا على المشي ولا على على العمل، والبيت يحتاج إلى مصاريف، أنا حائر. هذه هي البلوى التي أتتني، هل سبق ورويتها لك؟

لقد جاء هذا السؤال الأخير من عدم مبالاتي بالاستماع لأقواله. كان يعتقد بأنني كنت سأحزن لقصته وعندما لم ير أي إشارة للحزن خلال روايته لقصته، كان له الحق بأن يشكك قليلاً بذاكرته الحادة، ولذلك سأل عند نهاية قصته: هل سبق ورويتها لك؟

فأجبت: لا.

– أظن أنني رأيتك يوماً ونسيت أن أروي لك، أظن ذلك.. ما علينا، رويت لك أو لم أرو لك هذا ليس بصميم المسألة، ماذا تقول لهذا الشقاء؟

–   شيء مؤسف.. عليك بالصبر.

–   لا أريد أن أشغلك عن عملك.. أشكرك، بخاطرك.

–   مع السلامة.

بعد أحد عشر يوماً وفي مساء يوم الجمعة، رأيت ماركريد خانم من بعيد أمام باب محل في سوق القماش. ضحكت لي عندما رأتني، وأومأت كي أقترب منها. فشعرتُ فوراً أنها ستبدأ بالطبعة الثالثة لروايتها، ومن سيستمع إليها؟ فبحثتُ عن مخرج كي لا تؤلمني رأسي، ووجدته. يقال إن الحاجة تجعل الانسان مخترعاً. اقتربتُ منها وشددتُ على يدها وقلت:

–   علمت، علمت، أنا راض جداً حسناً فعلتم.

–   وكيف علمت؟

–   الخطبة الخطبة .. الله يبارك ويتمم على خير.

–   ومن أين علمت؟

–   علمت.

–   تقبرني، من قال لك؟

–   لا عليك.. سعدت كثيراً، بخاطرك.

–   تسلملي، من روى لك؟

–   روى لي أحدهم.. سلّمي.

–   أنت تكذب.

–   ولم أكذب؟ تبقينِ بخير.

–   ومن سيقول لك؟

–   الذي قال لي قال وانتهى.. سلمي على بارطام أفندي.

–   أشكرك.. لم تقل لي اسم القائل..

–   أقول لك يوماً ما، بخاطرك.

– هذه خيانة.. من سيكون القائل.. ربما هي مريم دودو [2] أو أسدوك دودو أو سوغومي دودو أو كاتيك دودو.. هل أعرف القائل؟

–   تعرفين تعرفين.. تبقين بخير.

وأكملتُ طريقي.

وفي صبيحة يوم الأحد، كنت عائداً من الكنيسة إلى منزلي، ناداني صوت من خلفي، فأدرت ظهري، وإذ غازاروس آغا يقترب وهو يتكئ على عكازته بخطوات ثقيلة. لم أعطه وقتاً للحديث.

–  علمتُ يا أخي علمت.. ما هذه البواسير التي أضعفتك هكذا؟… لماذا خرجت؟ استرح قليلاً، إلى اللقاء!

–   هل الطبيب قال لك؟

–   لا.

–   الصيدلي؟

–   لا.

–   الممرض؟

–   لا.

–   من قال لك إذاً؟

-علمت من شخص مثلك ، ما عليك.. لا تخرج من البيت لفترة بعض الأسابيع كي ترتاح.

وابتعدت بخطوات كبيرة وسريعة.

ومضت أشهر، التقيت مرة بماركريد خانم أيضاً، والتقيت في يوم آخر بغازاروس آغا، فعبّرت عن تعازي لهذا وتهاني لتلك، ونجوت بنفسي واستطعتُ أن أتنفس الصعداء وأنا أحمد الوقاية التي ألهمتني بحيلة قصيرة وفعالة لكي أنجو من ألم رأسي.

وفي مرة أخرى، رأيت ماركريد خانم، سأقول لكم كيف تعاملتْ معي هذه المرة في نهاية القصة.

ربما يمكن تبرير ماركريد خانم وغازاروس آغا لحديثهم بالفطرة أو بدافع نفسي، لكن من الواضح أن تبريرهم لن يحّد من ألم رأسي، فألم الرأس غير محتمل بغض النظر عن المسبب إن كانت الشمس أو الضائقة أو الفطرة أو الدافع النفسي.

لكني ومنذ فترة، وجدت طريقة جريئة أكثر وقصيرة وصادقة كي لا أستمع إلى ما أعرفه أصلاً. فعندما يكون الراوي شخصاً لا مصلحة لي معه أقول ببساطة:

–   أعرف تلك القصة، يا أخي، لا تتعب نفسك على الفاضي.

فيبتعد المسكين محمرّاً. وما شأني كي أتعامل بضمير.. أنا أيضاً حرام.. قليلاً من الرحمة.

لكن عندما يكون المتحدث شخصاً ذا نفوذ أو غنياً، عندها تتغير المسألة وتدخل فيما يسمى بالتملق حول ” علـّتنا الأخلاقية “.

لكن عندما أكون في جلسة مجتمع ويبدأ أحدهم برواية أعرفها ويمكن أن تنتهي في غضون ساعتين على الأقل ، يبدأ بطني بالتألم وأخرج. أما عندما يتقدم إليك رجل، وعلى الرغم من إقرارك أنك تعرف روايته، ويستمر في رواية القصة تصيبني خيبة أمل وأسمح له أن يرويها وأقول بين الفينة والأخرى:

–   تجاوز التفاصيل.

وفي كثير من الأحيان، أبذل كل جهدي كي تكون القصة قصيرة قدر المستطاع.

وها هو لقائي الأخير بماركريد خانم الذي أشرت إليه آنفاً.

–   لم تقل لي كيف علمت؟

–   يكفي أنني علمت.

–  هكذا حصل، ماذا نفعل؟ لقد خطبنا طاكوك لابن مانوك آغا بارطام أفندي.

–  أنا راض جداً، راض جداً.

–  أنا لا أقول هذا لأنها ابنتي، أنت تعرف طاكوك.

–  طبعاً أعرفها، حسناً فعلتم، حسناً، وماذا هناك بعد؟

–  لا شيء… إنها فتاة متواضعة تعرف القليل من القراءة والكتابة… وماذا يمكن لابنة ناس مثلنا أن تتعلم؟

–  تجاوزي هذا، أنا لا أدري.. وماذا تفعل جارتك؟

–  وماذا ستفعل؟.. قسم صغير من البيت سنعطيه لطاكوك، هل تعلم بهذا؟

–  أعلم يا روحي أعلم، لا تتعبي على الفاضي. نراك مرة أخرى.

– نراك؟.. وهل عندك عمل مستعجل؟… سنعطيها ثياباً حسب قدرتنا.. ألن نعطيها؟ وهل لأنها تملك قسماً من البيت أعطي ابنتي دون جهاز؟ حرام بارطام أفندي.

–   هل ستكونون في البيت يوم الأحد؟

–   نعم.. بارطام آغا شاب مجتهد، تعرفونه.

–   إلى اللقاء.

–   وأنانيا آغا؟ أدعو إلى الله أن يحمل التراب فيتحول إلى ذهب.

–   سلّمي.

– لم تدعني كي أروي لك… أنت مستعجل، إن كان الأمر كذلك اذهب، اذهب، لن أعيق عملك. تفضل إلى بيتنا يوماً ما، واشرب القهوة كي أروي لك الحادثة وكيف حصلت واحدة واحدة…

–   سوف آتي، سوف آتي.

أوف، أوف..

الرحمة، الرحمة، سيدة ماركاريد… ومن يدري كم عدد الذين عذّبتِهم وتعذبينهم..!

وهل هذه فطرة؟… ببساطة الحديث بالفطرة قلة أدب.

لنستعجل وننهي المقالة، لأنني أسمع صوتاً يقول:

–   إنه لا يسأل عني ولا يبحث عني..

إنه صوت غازاروس آغا. لنغلق المكتب ونهرب.



[1] عبارة ( يكوي رأسه) تعني يحّدثه مطولاً / المترجمة.

[2] وتقال احتراماً للسيدات المتقدمات في السن / المترجمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.