قصة حنا الأرمني


حنّا …. والخابور …. والعنب المرّ

الصُّوَر قرية صغيرة على الشطّ الغربي لنهر الخابور على طريق دير الزّور الحسكة .. تبعد 53 كيلومتراً عن مدينة دير الزّور يربطها بشرق النّهر جسر قديم تعبر عليه السيّارات ….

تُعرَف المنطقة شرق الجّسر محليّاً الشّرقي وغرب الجّسر  الغربي في بدايات القرن العشرين.. كان سكّان قرية الصُّوَر من الأرمن .. وكذلك بعض القرى المجاورة…..

كانت حَنِّة فلاّحة تعمل مع زوجها همبرصوم في أرضهم على ضفّةِ الخابور .. كانا شابّان قويّان وجميلان كما يُقال ..

وقد رُزِقا طفلاً أسمَياه ً حنّا على إسمِ أمِّه … كان همبرصوم سعيداً مع زوجتهِ حَنّة ويحبّها كثيراً .. وتقول ذكريات المكان .. أنّ همبرصوم كان يملكُ صوتاً عذباً ويغنّي للفلاّخين أثناء مواسم العمل خاصّةً بعد قدوم المولود حنّا .

لم تدُم فرحةُ الزّوجين الحبيبين فقد بدأ الأتراك العثمانيّون حملاتِ الإبادة العرقيّة ضدّ الأرمن عام 1913 ..

وذات صَباح فوجئ سكّان القرية بالتطويق من قبل الجندرمة والعسكر الأتراك .. وبدأت المذبحة وقامت حَنّة بإيداع إبنها حَنّا لدى أسرة من جيرانها البدو المتواجدين على أطراف القرية خوفاً عليه من الذّبح ………..

ماتت حَنّة وهمبرصوم في المذبحة .. وبقي حنا لدى الأسرة البدوية وقد أطلقوا عليه اسماً جديداً .. فسمَّوهُ غريب .

لم يكن غريب فد تجاوز بضعة أشهرٍ من عمره .. ونشأ لدى تلك الأسرة كأحدِ أولادهم .. وقد عانى غريب كلّ المرارات .. فقد عمل راعي غنم منذ نعومة أظفاره .

في بدايةِ شبابه عرف غريب القصّةَ .. المأساة بتفاصيلها .. وكان الأوباش العثمانيّون قد رحلوا …..

التحق غريب بالكنيسة الأرمنيّة في دير الزّور .. استعادَ اسمَهُ حنّا وتعلّمَ اللّغةَ الأرمنيّة وأجادها ….

عادَ حنّا إلى قريتهِ الصُّوَر …. ولم يكن قد بقيَ بها أحدٌ من سكّانها الأرمن …. اشترى حنّا أرضَ والديه على الضفّة الغربيّة للنّهر الملاصقة للجّسرِ جنوباً ….

بنى حنّا بيتاً ريفيّاً جميلاً .. مكانَ بيتِ والديه وتزوّجَ فتاةً أرمنيّة من القامشلي .. لم يكن يعرفُ اسمها أحدٌ .. وكانَ يناديها حَنّة …. وأنجبا عدداً من الصّبيان والبنات .. كان من أسمائهم حَنّة وهمبرصوم ……….

كبُرَ الأولاد .. وغادروا للدّراسة والعمل في حلبَ وبيروت .. وبقيَ حنّا في أرضهِ مع زوجته ……

لم يعُد حنّا قادراً على العمل الزّراعي الشّاق … افتتح مطعماً في بيتهِ على ضفّةِ النّهر … كان هذا المطعم نقطةً حضاريّةً في تلك المنطقة النائية على الخابور .. وبين كثبان الرّمل الّتي تتشكّل في تلك المنطقة صيفاّ .. كان لديه جميع أصناف المشروبات .. وأجود أنواع الأطعمة … وكان يقصده الوافدون من دير الزّور والحسكة و مختلف المناطق رغم بعد المسافات ……

سمعتُ حنّا يغنّي بلغتهِ الأرمنيّة لحناً جميلاّ حزيناً وغالباً ما كان يفعلُ ذلك في اللّيالي .. أو عندما يكون خالياً من النّاس ….

عام 1981 وبعد مرضٍ قصير ماتَ حنّا .. ماتَ حنّا وكان يدندنُ لحنه الحزين ..

حضرتُ مراسم الوفاة …. بكتهُ زوجتهُ بكاءً مُرّاً ….حضرَ الأولادُ بسيّاراتهم .. وكانت تبدو عليهم علائمُ النّعمة ….

تمَّ دفنُ حنّا في أرضِ والديه حسب َ وصيّته …. رسمَ الأولاد الصليبَ على القبر …. وغادروا مع والدتهم …..

بقي حنّا قريباً من حَنّة و همبرصوم ……..

بقلم حسن بن هاني

صفحة العنب المر

Leave a Reply

Your email address will not be published.