كفن السيد المسيح برهان على الأمه و موته و قيامته: المطران كريكور اوغسطينوس كوسا أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك

ماذا عن كفن السيد المسيح؟ نقرأ في الإنجيل المقدس” فأخذ يوسف الجثمان ووضعه في قبر له جديد كان قد حفره في الصخر ( متى 27 : 59 – 60 ).

وفي صباح الفصح، أحد القيامة، أسرع يوحنا وبطرس إلى قبر يسوع فدخل (بطرس) إلى القبر فأبصر اللفائف ممدودة، والمنديل الذي كان حول رأسه ممدودٍ مع اللفائف بل على شكل طوقٍ خلافاً لها وكان كل ذلك في مكانه. حينئذٍ دخل التلميذ الأخر وقد وصل قبله إلى القبر، فرأى وامن “، ( يوحنا 20 : 6 – 8 )

من هنا بدأت قصة الكفن .

كفن قديم شوّهته النيران: لقد أتلف حريق عام 1533 ناحية من نسيج الكفن. وفي اثناء هذا الحريق كان الكفن مطوياً على 48 ثنية. وقد خاطت الراهبات الكلاريّات Clarisses قماشاً فاتح اللون تحت الحروق العام 1534 . ثم اضيفت لاحقاً خيوط للتقوية على يد الطوباوي سباستيان فالفري Sebastien Valrė عام 1694. وكان الكفن قد تعرّض لحريق حصل عام 1394 في مدينة بيزنسون.  كما أُنقذ الكفن مؤخرا من النيران في اخر لحظة من ليل 11- 12 نيسان / أبريل 1977 في تورينو.

صنع هذا الكفن من الكتّان بطول 4,36 م وعرض 1,10 م وهو ذو نسج غير منتظم ،شبيه بما كان يُستعمل في الجنازات القديمة.

يمكننا ان نرى عليه الآثار الخلفيّة والأماميّة لجسد رجل عُذِّبَ حتى الموت فجاءت طبقاً للأصل.  تبدو هذه الاثار بلونٍ غامق وثابت،  على قماش فاتح اللون ، نتيجة الاصفرار السطحي للخيوط . هناك خطان واضحان وغامقا اللون  ،تتخلّلهما ثماني بقع متوازية: إنّها الحروق التي احدثها 3 كانون الاول / دسمبر 1532 في كنيسة شامبيري Chmbéry . كان الكفن محفوظ في خزنة طُليت بالفضة : ولقد أُنقذ من النيران لما بدأ المعدن بالذوبان، ولحقت به اضرار فادحة على طول الثنيات التي تفحّمت نهائياً. إنّ المياه التي استعملت لإخماد الحريق بلّلت الكفن، محدثةًً هالات معيًّنيّة الشكل، يمكن رؤيتها على طول القماش في الوسط وعلى جانبيه. إن المثلثات الثمانية الفاتحة اللون على الجهتين ،  هي قطع نسيج خيطت مكان الاجزاء المحروقة.

سر يكشف صدفة: حدث ذلك منذ قرابة مائة عام، يوم 28 مايو / ايار 1898 مساءً عندما كشف الكفن ، بطريقة مفاجئة وغير متوقعة، عن سر الآثار التي عليه. خلال العرض العلني المنظّم لمناسبة حفلة زفاف الملك فيتوريو إيمانويل الثالث، حاول مصوّر هاوٍ شغوف هو المحامي سيكوندو بيا  Secondo Pia ، تصوير الكفن مرّتين استغرقت الأولى 14دقيقة والثانية 20 دقيقة.

وبغية حماية الكفن من دخان الشموع، وخاصة من مصباح آلة التصوير الذي كانت تنبعث منه حرارة شديدة، قامت الأميرة كلوتيلد بوضع زجاجة سميكة من الببلور سبّبت انعكاسات ضوئية مزعجة. لم يتمكن المصور السعيد الحظ من جمع معداته والعودة إلى المنزل والمباشرة بتطهير الصور إلاّ حوالي منتصف الليل.

بدأت تظهر على الفور بصمة الجسم بوضوح وعمق غير منتظرين. وبعد ان حدق مليا شاهد الوجه ، وأخذت يداه ترتجفان فجأة ، وكادت الصور تسقط منهما: إن هذا الوجه بعينيه المنفتحتين قليلاً في رقاد الموت ، هو حقيقي فعلاً ! كان هذا وجه السيد. وسيكوندو بيا هو أوّل رجل تسنّى له ان يتأمّله بعد اكثر من تسعة عشر قرناً.

وهكذا انكشف سرّ الكفن: لقد ظهرت على الصفيحة السلبية صورته العجيبة والغريبة، بطريقة يتعذّر شرحها، إذ اصبحت المساحات الغامقة فاتحة، والفاتحة غامقة. لا يستطيع ايّ فنان ان يرسمها على هذا النحو.  واخيراً،  بفضل التصوير الفوتوغرافي ، بدأ تناسق ملامحها الأصيل في الصورة الإيجابية.

مع هذا الاكتشاف الذي تمّ صدفة، بدأ قرن من الابحاث والاختبارات الفوتوغرافية والمضوائية والشعاعية والكيميائية والطبّية الشرعية حول الكفن.

لقد أخذ جوسيبّه إنريه Giuseppe Enrie صوراً فوتوغرافيا أكثر جودة في العام 1931. كما أخذ ج.ب. جوديكا كورديليا اولى الصور الملوّنة في عام 1969.

الكفن إنجيل خامس: لا يزال الكفن غامضاً بالنسبة إلى العلماء. ظهرت بصمة الرجل سلبية على الكفن ً، وفيها مواصفات الأبعاد الثلاثة، في حين ظهرت بقع الدم ( دم بشري حقيقي ) كما هى في الواقع. من المؤكد انه لم ترسمها يد،  ولم تنتج من ملامسة الجسم للقماش ، ولا من خطوط وطيّات تتعلق بالقماش ، بل من شكلٍ من اشكال الإشعاع الصادر من الداخل.

ومن المؤكد ايضاً ان الكفن قد احتوى جسم رجل عُذّب حتى الموت، وجُلد،  وكُلّل بالشوك،  وصُلب ( على الطريقة الرومانية ) بواسطة مسامير،  وطعن في جنبه، وعلى ركبته اليسرى خدوش ناتجة من السقطات، بالإضافة إلى جروح ورضوض وكدمات على الوجه، وانف مهشّم. كما عثر في الغبار القديم العهد الذي في الكفن ، على لقاحات ممّيزة تؤكد المصدر الشرق اوسطي للكفن .

تتطابق رواية الإنجيل مع الآثار التي على الكفن.

لن يستطيع العلم أبداً ان يبرهن أنّ رجل الكفن هو يسوع المسيح، لأنه لا توجد ايّ وثيقة محفوظة يمكنها إثبات هذه الهويّة ، كل ما يقوله العلم، إن ذلك محتمل جداً ، نظراً إلى وجود عدد مذهلٍ من المطابقات والاثباتات. يؤكد البروفسور لويجى جونيلا Luigi Gonellaالمستشار العلمي للكردينال باليستريرو Ballestroأانه لو كان الكفن مزيّفاً ، لوجبت إعادة كتابة تايخ التكنولوجيا، إذ، بغية صنعه كما هو،  كان عليهم ان يعرفوا منذ اكثر من الف عام تكنولوجيا نجهلها اليوم.

يذكّرنا الكفن بقولٍ  لباسكال: “يبقى يسوع في إحتضار مستمر حتى نهاية العالم ، وإلى ذلك الحين، لن يستطيع العالم أن يرقد بسلام”.

محطات تاريخية في تاريخ الكفن: 7 ابريل / نيسان – العام 30 بعد الميلاد. أُنزل يسوع عن الصليب وادخل في القبر فكّفّنا بكتان نقي (متى 27 : 59 ). صباح القيامة وجد الكفن فارغاً. وبما انه لامس جثة ميت، و اعتبر بحسب الشريعة اليهودية نجساً . هذا يفسر إخفاءه عن الأنظار.

في العام 944، نقل الكفن إلى القسطنطينة. وهناك استوحى راسمو الايقونات البيزنطيون بعض التفاصيل التي نفّذوها في طريقة رسمهم للمصلوب. ومنه استوحى الروس تفاصيل أُخرى.

في العالم 1147، لويس السابع ،  ملك فرنسا ، يُكرّم الكفن  في القسطنطينية.

في العالم 1506، وافق البابا يوليوس الثانى على رتبة القداس الخاص بالكفن.

في العالم 1532، حريق في شاميرى في ليل  3 – 4 دسمبر/ كانون الاول: اشتدت حرارة الصندوق الخشبي الذي حُفظ فيه الكفن, وكان مُرصعاً ببعض المعادن الثمينة، فنفذت بعض قطرات المعدن الذائب عبر طبقات الكفن المطوي, محدثة بعض الخروق في القماش. وقامت الراهبات الكلاريّات, بعد سنتين بوضع الرقع التي نراها اليوم .

 في العام 1578،  نقل عمانوئيل  فيليبير الكفن إلى تورينو ثم توالى العرض العلني، في مناسبة الاحتفالات الخاصة بالاسرة المالكة او في بعض اليوبيلات،  كل ثلاثين عاماً تقريباً.

في العام 1898، اخذ المحامى سيكوندو بيا Secondo Pia الصور الفوتغرافيا الاولى للكفن.

في العام 1933، عرض علني للكفن في مناسبة اليوبيل السنوي التاسع عشر للفداء.

في العام 1973، (23 نوفمبر / تشرين الثاني) عرضت بعض مشاهد للكفن على شاشة التلفزيون.

فى العام 1978، (26  اغسطس/ اب – 8  اكتوبر/ تشرين الاول) عرض علني في الذكرى المئوية الرابعة لنقل الكفن إلى تورينو،  ومؤتمر ابحاث دولى.

وفي العام 1983،  ( 18 مارس/ آذار ) توفّي اومبرتو الثاني دي سافوا , و قد وهب الكفن في وصيتة إلى الكرسي الرسولي،  الذي ابقاه في تورينو بقرار بابويّ

في العام 1998،  ( 18 ابريل/ نيسان – 14 يونيو/ حزيران)، عرض علني فىي الذكرى المئويّة للصورة الفوتوغرافية الأولى للكفن.

في عام 2000، ( 26 أغسطس/ 22 اكتوبر) عرض علني في مناسبة اليوبيل الكبير لميلاد السيد المسيح

تحديد تاريخ الكفن بواسطة الكربون 14 المشع: في العام 1988 أُجريت محاولة تحديد تاريخ للكفن بواسطة الكربون 14 المُشع.  أتت النتيجة مثيرة للشك: قد يعود هذا النسيج إلى ما بين  ١٢٦٠ و١٢٩٠ بعد الميلاد. يعتبر عدة علماء أنّ الطريقة المعتمدة في إجراء اختبار الكربون ١٤،  لا تُعطي نتائج دقيقة, نظراً إلى الظروف التي مر ّبها هذا الكفن:  تعرضه للحريق، وتلوثه لكثرة ما تناقلتة الايادي. برهن العالم  الروسىي ديمترى كوزنتسوف, بعد عدة اختبارات، ان حريق شامبيري غيّر كمية الكربون 14 المشع، ما رد ٌ عمر النسيج إلى زمن غير بعيد.

رجل الكفن: إن هذا البطل, الداعي إلى الغرابة في موته ودفنه, كما يبيّن لنا الكفن ذلك, بوجهه اللطيف و الهادي, في مهابة  الموت، يشكل ايقونة للمسيح المصلوب, لمناسبة زيارة البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني معرض الكفن  العام 1978، كتب ما يالي: “ما اوفر نصيبنا،  اذ أتاحت لنا هذة الصورة التي صمدت عبر الزمن،  أن نتأمل في بعض الملامح الأصيلة لوجه سيدنا الرائع … مهما كان  حكم التاريخ والعلم الذي سيصدر عن الباحثين, نتمنى  أن يؤدي هذا الكفن، ليس إلى التأمل العميق في الملامح الخارجية لإنسان مائت وحسب، بل ايضا إلى الدخول في رؤية تسبر سرّه الخفي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.