24 نيسان بقلم مارال كسباريان

إذا جُرد الإنسان من إنسانيته، ماذا يتبقى له؟

تسعة ُوتسعون عاماً مضت ولم يبق شاهدُ على الجريمة سوى كومةٌ من العظام والأضرحة، وقليل ٌ جداً من الناجين.

عهودٌ من الإنكار، لا شيء تغير، والمضحك أن الجلاد التركي لا يزال يصر على أن تلك الجريمة لم تحدث، لم تكن منظمة. لا لم تحدث، إنها نسج خيالات آلاف الناجين، كسيناريوهات هوليوودية متقنة، ولكن السؤال: ما الذي كان ينقصنا حتى نختار التشرد في معظم أصقاع الأرض والبعد عن الديار؟

هل صراع البقاء سهل ٌ حتى يكون اختيارياً، سؤال لا يزال ينتظر الجواب.

هل تتطابق شهادات الآلاف من الضحايا عبثاً ؟ أم فقط للافتراء على الأتراك.

لم يكن الشعب الأرمني يوماً عدواً لأحد، فقد دفع على امتداد تاريخه أثماناً باهظة لكونه شعباً مسالماً، مثقفاً، متفانياً، وطنياً، منتمياً للأرض التي وصل إليها وأصبحت له فيها جذور. هل الإنكارُ سيمحي حقيقة ما حدث، لا أعتقد ذلك.

قد يتساءل كثيرون، ماذا نقدم او نؤخر حين نصر على حقوقنا، حين نصر على انتزاع هذا الاعتراف من القاتل، ومن المجتمع الدولي.

إنّها الحقيقة، إنّها العدالة التي يجب أن تبقى مرتبطة بإنسانيتنا، فهل من الطبيعي والمقبول ان نعترف بأننا بلا إنسانية، بلا ضمير، بلا تعاطف لان الزمن مضى، نعم مضى لكن من عانوا الويلات وتحملوا المشقات، هم أجدادُنا، آباؤنا، كانوا إخوةً، بناتٍ، أبناءً، خالاتٍ، أخوات، أحبة لشخص ما، فهل موتهم بتلك الطرق القاسية والوحشية مقبول حين لم يكونوا سوى ُعزلٍ آمنين في بيوتهم وقيدوا إلى مصيرهم المجهول والدموي.

عارٌ على الإنسانية أن تنسى أو لا تعترف بم حدث فقط لأن الجرائم تسقط بالتقادم، أجل قد تسقط عند البعض، لكنها تبقى عند المتألمين والمجروحين ومن عانوا ومروا درب الآلام، تاريخاً لا يملك احدٌ حق طمسه.

تركيا اليوم تدعي أنّها دولةٌ متمدنةٌ ديمقراطية ، لكن الأمس ليس بعيداً جداً عن اليوم. حين نريد الارتقاء إلى التمدن، علينا الاعتراف أولاً بأخطاء الماضي والتصالح معه، من هنا تبدأ الحكاية وهنا تنتهي، ليس التمدن شعاراً جاهزاً نلصقه ونسوقه عبر الإعلام، إنّه تصرفٌ وموقف، فهل هذا ما فعلته تركيا حين اتخذت سياسة التصفير التي اشتهر بها وزير خارجيتها داوود اوغلو شعارا لها، إنهم يصفرون علاقاتهم حين يناسبهم الوضع و يخدم مصالحهم، لكن شعباً عظيما كشعبي، أسس ممالكاً، وعلّم، ونشر فكراً وثقافة ًومهناً وسلاما ً وحباً يستحق من الإنسانية جمعاء الاعتراف ليس فقط بإسهاماته بل بأكبر مآسيه . 24 نيسان تاريخٌ لوجعٍٍ لن يشفى حتى ُيعترف بحق كل الضحايا.

كل عامٍ وأنت أيتها الإنسانية موجودةٌ على الورق، وفي الإعلام، ولكن ليس في ضمائر الشعوب.

نحن شعبٌ كما لم ننسى يوماً قضيتنا، كذلك لم ننسى يوماً من اعترفوا بها وساندونا، من استقبلونا واحتضنونا على أرضهم، وهنا اخص بالشكر الشعب السوري العظيم، شعب وطني الذي فتحت عيني على هذا العالم لأجده، وأحبه ،وأعتز به، وأنتمي إليه، فتحيةً من القلب لسوريا العظيمة والحبيبة، لك حبيتبي ان تجتازي هذه المحنة وتعودي أنت وشعبك كما كنتِ وكان العهد بكِ، أبيةً، شامخةً، عزيزةً، وحبيبة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.