ماذا كتبت “القبس” السورية قبل 99 عاماً على الإبادة الأرمنية؟

بقلم د. نورا أريسيان

من الوثائق التاريخية التي حملت أخبار الأرمن وإبادتهم تقارير الصحفيين والمراسلين الذين كانوا يجولون المنطقة وينقلون الأحداث من خلال صحفِ بلادهم. حيث ظهرت أصداء تهجير الأرمن وإبادتهم في صحف معروفة في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبلغاريا وتركيا وروسيا وبريطانيا وكندا الخ. ولا تقل الصحافة السورية أهمية عن تلك الأجنبية، لما نشرته من معلومات دقيقة تبين موقف السوريين من الأحداث.

من المهم معرفة ما سجلته الصحف السورية قبل 99 عاماً حول موضوع حاز على اهتمام والشخصيات الفكرية البارزة والصحفيين السوريين.

وسنستعرض هنا ما نشرته (القبس) السورية قبل 99 عاماً، لأهمية تطرقها إلى موضوع الأرمن في العديد من مقالاتها، خاصة في مسألة الإصلاحات. وهي اليومية التي كانت مصدر إشكال للأتراك في حينه. فقد كان شكري العسلي قد أصدر (القبس) السياسية عام 1912 لكنها أقفلت مباشرة من قبل الاتحاديين. لكن أعيدت بعد أن ظهر محمد كرد علي من جديد في ساحة التحرير، وهذه المرة ليؤسس مع شكري العسلي في عام 1913 جريدة (القبس) بدمشق، وأصبح شكري العسلي صاحب (القبس) وتولى محمد كرد علي رئاسة تحريرها.

بدأت (القبس) بالصدور في 30 أيلول 1913 وكانت جريدة سياسية اقتصادية اجتماعية. كان صحفيو الجريدة يملكون أقلاماً حرة وينتقدون سياسة الاتحاديين مما أدى إلى إغلاقها من جديد في 29 كانون الثاني 1914. وقد دفع شكري العسلي ورفاقه ثمن ذلك عندما علقوا على المشنقة عام 1916.

وحسب ما نشرته الجريدة على التوالي في أعدادها لعام 1913 نلاحظ أن (القبس) كانت تولي اهتمامها بأمورِ إصلاح أرمينيا، فقد قامت في عددها الأول تاريخ 30 /9/1913 بشرح الظروف المحيطة بالمسألة الأرمنية وأن مساعي الأرمن قد انتقلت من صيغتها الثورية السامية إلى صيغة التعقل والسكينة والسعي المتواصل بواسطة كبار الزعماء ورجال الدين، وفضَّل صاحب المقالة التفاهم والاتفاق بين الأرمن وروسيا.

أما تحت عنوان (مستقبل أرمينيا) العدد 18 تاريخ 20/10/1913 كتبت (القبس) عن روسيا التي تهتم بأرمينيا وأنها تتراءى للباب العالي كشبحٍ كبير يخيفها في مسألة الأرمن. وتوضح الجريدة مطالب الأرمن من الأستانة بطلب “أمانات فعلية تدرأ عنهم حملات الأكراد ومنحِ اللامركزية لبلادهم أو استقلالهم محلياً “.

وهكذا يتجلى موقف (القبس) من أرمينيا في عدد من المقالات التي تورد فيها أنباء عن الدول العظمى وكيفية تآمرهم على أرمينيا. فتشدد الجريدة في عددها 28 تاريخ 1/11/1913 على أن المفاوضات بين روسيا وألمانيا صارت على وشك النهاية حيث ظهرت بعدها على المسرحِ مسألة الإصلاحات الضرورية لاسيما في أرمينيا. وأن السياسة الروسية التي تدعي حماية أرمينيا بقيت تَشكو من عدمِ اهتمام العثمانية بأحوال أرمينيا وطلبت أن تتخذ التدابير الفعّالة للعمل بمقتضى المادة 61 من معاهدة برلين. وما تم بعد ذلك من اقتراحات من قبل روسيا وألمانيا بشأن تقسيم أرمينيا ووضعِ مفتشين أجانب انتهى برفض العثمانية اقتراح ألمانيا واعتبار المادة 61 من معاهدة برلين لا تقضي على الباب العالي بمبدأ المراقبة الأجنبية.

وتختتم المقالة باستنتاج (القبس) أن الدولة العثمانية تعمل لحل المسألة الأرمنية على طريقة عثمانية مرضية لا على الطريقة الأوروبية أو الروسية.

وكانت (القبس) قد رأت أن المسألة الأرمنية قد فوض أمرها إلى الدول العظمى لتجد لها حلاً يتفق مع مصالحها ومصالح الأرمن في الولايات الشرقية العدد 35 تاريخ 15/11/1913.

ومن ناحية أخرى أكدت الجريدة أن الدولة العثمانية ستقدم مشروعاً يقضي بتَعيين حاكمٍ مسلم عام لأرمينيا يعاونه مفتشون أجانب لكنها تتساءل إن كان الأرمن سيرضون بمثل هذا الحل العدد 39 تاريخ 19/11/1913.

ونفهم مما أتى أن مسألة الإصلاح في أرمينيا كانت تحاك خيوط مؤامرتها بين روسيا وألمانيا والباب العالي. ومن وجهة نظر (القبس) فإن الباب العالي رفض ما عرضته عليه الدول العظمى من مشروعات إصلاح أرمينيا، وأن الحكومة العثمانية تنوي المباشرة في إصلاح الولايات الأرمنية بنفسِها و”هي تأبى قبول مشروع الدول العظمى لئلا يؤدي ذلك إلى تدخل الدول في الشؤون العثمانية وتضعف بذلك سلطة الباب العالي ويفتح باب الدسائس والمشاكل” (العدد 47 تاريخ 29/11/1913).

وفي مكان آخر، في العدد 76 تاريخ 1/1/1914 تحت عنوان “المسألة الأرمنية مشروع جديد” يتبين من برقية أرسلت من القسطنطينية أن القضية الأرمنية تسجل تقدماً نحو مرحلة جديدة. ويشار إلى أن الحكومة العثمانية تصر على رفضِ مشاركة المراقبين الأجانب في الحياة الداخلية لتركيا لأن وجود المراقبين الأجانب سوف يضعف سلطة الباب العالي. “تمعن الحكومة العثمانية الآن في أفضل طريقة لإعادة الأراضي التي انتزعت من الأرمن أثناء فرارهم من مذابح سنة 1895”.

وفي العدد 80 تاريخ 7 /1/ 1914 تحت عنوان “الإصلاح في أرمينيا” أفادت الصحيفة أن سفير روسيا وألمانيا خاطبا الصدر الأعظم معاً مستفهمين عن سير الإصلاحات وتقدمها في آسيا الصغرى. وأن الدوائر الرسمية العثمانية متفائلة خيراً وهي تأمل الوصول إلى تسوية مرضية في بضعة أيام وتطن أن الباب العالي يحل المشكلة بتعيين مفتشين عاملين أوربيين في الولايات الستة الشرقية، ليحول دون وقوع المنازعات التي يمكن أن تنتج عن تعيين مستشار أجنبي واحد مع مفتشين عثمانيين في تلك العثمانية. وأن الصدر الأعظم أبلغ سفيري روسيا وألمانيا رسميا عزم الحكومة على إنقاذ الإصلاحات قريباً في أرمينيا.

ففي عددها 86 تاريخ 13/1/1914 وتحت عنوان (إصلاح الأناضول الشرقي) تسجل (القبس) موقفها حول القضية الأرمنية فتكتب: “إذا نظرنا إلى أن مسألة رد الأملاك التي اضطر الأرمن إلى التخلي عنها يوم هجروا البلاد خوفاً من المذابح التي حلَّت بهم في عهد عبد الحميد سائرة سيراً مُرضياً وهي على وشك التسوية”، وتؤكد الصحيفة أن المسألة الأرمنية خطت خطوة إلى الأمام بل إنه لم يبق سوى خطوة أو خطوتين لإدراك ذلك الحل الذي يتوق إليه الجميع شفقة على الإنسانية وحباً بمصلحة الدولة ورغبة في صيانة السلم العام.

وهكذا تبيِّن الجريدة أن القضيةَ الأرمنية ستخطو خطوة إلى الأمام نحو الحل، وبذلك نخلص الى أن العرب السوريين لم يكونوا حياديين فقط في القضية الأرمنية بل كان لهم موقفهم في أن تسوى الأمور سلمياً لأن القضية الأرمنية هي قضية الإنسـانية. وبرأي الصحافة السورية فإن القضية الأرمنية تحصل على حقها المشروع إذا أعيد للأرمن أراضيهم المسلوبة.

هذا وفي نهاية الأمر، نلمس في الصحف السورية أن أصحاب الفكر والرأي السوريين كانوا يعبرون عن ارتياحهم لسماع أي خبر يُطمئنهم أن المسألة الأرمنية في طريقها إلى الحل السلمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.