جاك جوزيف أوسي: الإبادة الجماعية للأرمن… 24 نيسان… وصمة عار على جبين الإنسانية

أثناء محاكمات زعماء حزب (تركيا الفتاة) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في تركيا تقدم الضابط مصطفى كمال بشهادته قائلاً: (لقد ارتكب مواطنونا جرائم لا يصدّقها عقل، ولجؤوا إلى كل أشكال الاستبداد التي لا يمكن تصورها، ونظّموا أعمال النفي والمجازر، وأحرقوا أطفالاً رُضَّعاً وهم أحياء بعد أن صبّوا عليهم النفط، واغتصبوا النساء والفتيات أمام ذويهم المقيدي الأرجل والأيدي، واستولوا على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة للشعب الأرمني، وطردوا إلى بلاد ما بين النهرين والصحراء السورية أناساً في حالة من البؤس والشقاء وأهانوهم واضطهدوهم بوحشية لا توصف… لقد وضعوا الشعب الأرمني في ظروف لا تطاق لم يعرفها أي شعب طوال حياته).

الطريق إلى المذبحة

في كانون الثاني ،1915 مُنيَ إسماعيل أنور باشا، أحد زعماء حزب (تركيا الفتاة)، بهزيمةٍ نكراء على أيدي القوات الروسية عند اجتياحها الجزء الشرقي من تركيا، الذي كان يُعد المركز الرئيسي لوجود الأرمن الذين سُحب سلاحهم وسُرّحوا من الجيش، واستُخدموا في أعمال السُّخّرة أو (كحيوانات جرّ)، بتهمة التواطؤ والعمالة للروس ومساعدتهم على تحقيق أهدافهم التوسّعية في الإمبراطورية العثمانية.. الأمر الذي أدى إلى تحريك المشاعر القومية وتحّريك العصبيات الدينية. وعند هذه النقطة المفصلية في الصراع  رأى قادة (تركيا الفتاة) أن الوقت قد حان لإعادة تأسيس الدولة التركية بهوية قومية ذات بعد ديني وبدؤوا بالعمل على الانتقال من مفهوم الخلافة العثمانية إلى مبدأ (الدولة – الأمة التركية). ومن أجل تنفيذ هذا المخطط قرر قادة (تركيا الفتاة) تصفية أي وجود غير تركي في منطقة آسيا الصغرى كشرط أساسي لبناء الدولة التركية. وبناءً عليه قامت الحكومة التركية بتطبيق برنامج واسع النطاق لترحيل الشعوب غير التركية، إسلامية ومسيحية. وقد خُصّت كل مجموعة من المجموعات المسّتهدفة بمعاملة خاصة تبعاً لقدراتها الجماعية المفترضة على الاندماج في برنامج الحكومة التركية الرامي إلى تتريك آسيا الصغرى وجعلها القاعدة الأساسية لبناء إمبراطورية طوران حلم القوميين الأتراك.

وبدأت المذبحة

مساء يوم 24 نيسان 1915 أُلقي القبض على 300 شخص من الزعامات الدينية والسياسية الأرمنية في إسطنبول، وأعدموا، وتوالت بعد ذلك الاعتقالات الجماعية في جميع أنحاء تركيا على يد القوات العسكرية التركية ورجال الشرطة وفرق متطوعين من الأتراك وبعض العشائر الكردية. وقيد الرجال إلى مشارف بلداتهم وقُتلوا رمياً بالرصاص أو طعناً بالحراب، من قِبل فرق الموت المحلية، المكوّنة أساساً من الأتراك وبعض الأكراد، الذين تسلحوا بالسكاكين والعصي وانضموا للمشاركة بعمليات القتل.

أما النساء والأطفال والمسنّون، فقد صدرت لهم الأوامر لحزم بعض الأمتعة الشخصية في  غضون فترة زمنية قصيرة ليكونوا جاهزين لمغادرة منازلهم كي يُنقلوا إلى مناطق آمنة حفاظاً على سلامتهم، والذي حدث أنهم اقتيدوا في مسيرات الموت البطيء باتجاه الصحراء السورية.

خلال هذه الأحداث تحرك الأتراك ليستولوا على القرى والمنازل التي تركها أصحابها، وفي بعض الأحيان سُرق الأطفال من عائلاتهم قبل إبعاده هذه العائلات، وأرغموا على الارتداد عن المسيحية ليصبحوا مسلمين، وأعطوا أسماء تركية جديدة. أما بالنسبة لقوافل المهجّرين فقد سمحت قوات الدرك للوحدات المتنقِّلة المؤلفة من المجرمين المعروفة باسم (التشكيلات المخصوصة) بالهجوم على المدنيين العُزل وقتل من يُريدون وسرقة ما بقي معهم، إضافة إلى السماح لهم باغتصاب الفتيات والنساء وخطف بعضهن لينتهي مصيرهم في الحريم التركي.

المسؤولون عن الإبادة الجماعية للأرمن وباقي الأقليات الدينية والقومية

أعطى الباحثون عدة أسباب لعمليات الإبادة التي نفذها العثمانيون بحق الأقليات المسيحية بالأناضول، ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر. غير أن معظمهم يتفق على أن يقين القادة العسكريين الأتراك بأن أي ثورة أو حرب ستؤدي إلى انفصال أجزاء واسعة من الإمبراطورية، مثلما حدث في دول البلقان في منتصف القرن التاسع عشر، حين نالت معظم تلك الدول استقلالها. كما أدت محاولات تتريك الشعوب القاطنة ضمن الدولة إلى ردود فعل معارضة أدت إلى انتشار الفكر القومي المعارض لهذه السياسة، كالعربي والأرمني والآشوري، ما أدى إلى استعمال العثمانيين للعنف في محاولة لدمج تلك الشعوب في بوتق تركي. بدأت أولى عمليات الإبادة على نطاق واسع سنة 1895 أثناء ما سمي بالمجازر الحميدية عندما قُتِل مئات الآلاف من الأرمن والآشوريين في مدن جنوب تركيا وخاصة بأضنة وآمد، وذلك بعد اتهام الأرمن بمحاولة اغتيال السلطان عبد الحميد الثاني. غير أن السبب الرئيسي للمجازر التي حلت بالآشوريين/السريان هي خشية العثمانيين من انضمامهم إلى الروس والثوار الأرمن، وخصوصاً بعد فشل حملة القوقاز الأولى في شتاء 1914.

قرار الإبادة هذا اتخذته ثلاث شخصيات من حزب (تركيا الفتاة) كانوا قد سيطروا على المفاصل الرئيسية في الحكومة وهم: محمد طلعت وزير الداخلية عام ،1915 والصدر الأعظم رئيس الوزراء عام ،1917 وإسماعيل أنور وزير الحربية، إضافة إلى أحمد جمال المشهور بجمال باشا السفاح وزير البحرية وقائد الجيش الرابع في سورية.

اعتمد هذا الثلاثي على أعضاء آخرين في حزب (تركيا الفتاة)، جرى تعيينهم في وظائف حكومية رفيعة المستوى وفي القيادات العسكرية الميدانية، التي كانت مسؤولة عن تنفيذ المذابح. وإضافة إلى القوات النظامية اعتمد قادة حزب (تركيا الفتاة) على قوات غير نظامية تمتلك تجهيزات عسكرية متطورة وتستخدم معدات سرّية تدعى (التشكيلات المخصوصة)، التي كانت وظيفتها الرئيسية تنفيذ عمليات القتل الجماعي بحق الأرمن وباقي الأقليات. وكان المسؤول عن هذه المنظمة الطبيب بهاء الدين شاكر، يعاونه بعض الأيديولوجيين كضيا غوقاب، الذي كان مسؤولاً عن نشر أفكار التنظيم وتنظيم الدعاية السياسية من أجل تشجيع ونشر النزعة الطورانية، التي تهدف إلى خلق إمبراطورية جديدة تمتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى، ويكون سكانها حصراً من الأتراك.

والملاحظ أن عمليات الإبادة التي تعرض لها الأرمن عام 1915 شهدت أضراراً قليلة في الممتلكات الشخصية والأوقاف الكنسية، خلافاً لما حدث في المجازر التي ارتكبتها قوات السلطان عبد الحميد التي رافقها دمار كبير ونهب على نطاق واسع. وهكذا انتقلت منازل الأرمن ومزارعهم وعقاراتهم وثرواتهم المادية إلى الأتراك. فما إن أحكم حزب (تركيا الفتاة) السيطرة على الحكومة حتى حجزت الدولة التركية على ممتلكات الأرمن، الأمر الذي شجّع موظفي الحكومة على المضي في سياسات التطّهير العرقي. وفي عام 1917 انتهت (المشكلة الأرمنية) كما وصفها قادة حزب (تركيا الفتاة) بجلب العائلات التركية لتسكن في القرى الأرمنية الخالية.

وبعد تأسيس الجمهورية التركية جرى تكريم من قام بهذه المجازر، بدعوى أنها (حدثت من أجل ضمان أمن ومستقبل أرض الأتراك التي هي أطهر وأعظم من أي شيء، وحتى من حياة الأتراك أنفسهم)، حسب تصريح النائب عن الحزب الجمهوري التركي حسن فهمي. هذا الخطاب وردود الفعل الدولية المائعة في ذلك الحين شجعت أدولف هتلر على تنفيذ سياسة التطهير العرقي في أوربا الشرقية، إبان الحرب العالمية الثانية، عندما أصدر أوامره بقتل البولنديين دون أي شفقة أو رحمة، لأنه فقط بهذه الطريقة سوف تربح ألمانيا النازية الفضاء الحيوي الذي تحتاجه، مدللاً على وجهة نظره بالقول، هل بقي أحد يتحدث عن الأرمن هذه الأيام؟

النور

Leave a Reply

Your email address will not be published.