تركيا والإبادة الأرمنية: الثقب الأسود

تحل اليوم الذكرى التاسعة والتسعون على حصول الإبادة ضد الأرمن في العام 1915 على يد السلطة الحاكمة في الدولة العثمانية والتي كانت تحت سيطرة “جمعية الاتحاد والترقي”. وبرغم الانشغال بهذه المناسبة خلال العام الحالي في تركيا، والعالم، فإنّ كل الأنظار بدأت تتحضر منذ الآن للذكرى المئوية في السنة المقبلة، حيث ستواجه تركيا تحديات عالية خصوصاً مع تنامي موجة القمع والتسلط على حساب الحريات الأساسية في الأشهر والسنوات الأخيرة.

ومع مرور السنوات بات مصطلح الإبادة ينتشر على نطاق واسع في الأدبيات التركية. وبعدما كانت الأيديولوجيا الرسمية التركية ترفض استخدام هذا المصطلح ولا تزال تنكر وقوع الحادثة في الأساس، فإنّ المصطلح بات يمر في التسميات حتى بين الرسميين ولو بين مزدوجين أو بإضافة عبارة “ما يسمى” لتصبح “ما يسمى بالإبادة الأرمنية”.

ولاح في الأفق بعض الأمل في بداية عهد “حزب العدالة والتنمية” بشأن تغيير ما في طريقة التعاطي مع المسألة الأرمنية في سياق تعزيز الحريات وفقا لـ”معايير كوبنهاغن”، التي تحدد شروط الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، غير أنّ حكومة رجب طيب اردوغان انقلبت لاحقا على بعض المكتسبات الديموقراطية لتدخل في مرحلة خطاب قومي ومذهبي متشدد أطاح بإمكان إعادة النظر في المقاربة التركية للقضية الأرمنية ولكل قضايا الأقليات الاتنية والدينية والمذهبية. ومن نتائج ذلك اغتيال رئيس تحرير صحيفة “آغوس” الأرمنية الناطقة باللغة التركية هرانت دينك في اسطنبول في مطلع العام 2007.

ولم يستطع الاتفاق بين تركيا والحكومة الأرمنية في يريفان في العام 2010 أن يجد طريقه للتنفيذ بسبب اشتراط رئيس الوزراء التركي اردوغان تنفيذه بحل النزاع في ناغورني قره باخ في ظل ضغوط أذربيجانية. كما أن الشتات الأرمني رفض التنازلات التي قدمها الرئيس الأرميني سرج سركيسيان في الاتفاق الذي بات في حكم الميت.

ولعل رئيس “حزب السلام والديموقراطية” الكردي صلاح الدين ديميرطاش كان الأعلى صوتا بدعوته النظام التركي إلى المصالحة مع كل الآلام التي عانت منها تركيا ولا سيما مع الأرمن. وقال إنّ أحداث العام 1915 كانت بداية لنهج الإبادة الشامل الذي اختطته “جمعية الاتحاد والترقي” ولا يزال ساريا. وقال انه من المقلق ألا يقدم اعتذار حتى اليوم للأرمن وللمجموعات الأخرى التي تعرضت للاضطهاد مثل الأكراد والسريان واليونانيين وغيرهم.
ومع ذلك لن تمر الذكرى في تركيا هذه السنة بصمت إذ ستقام نشاطات متعددة منها المهرجان الذي تقيمه “جمعية مناهضة العنصرية في أوروبا” اليوم في اسطنبول وفي ساحة تقسيم بالذات. كما نظم مؤتمر في “جامعة باهتشه شهر” حول التهجير الأرمني.
وفي هذه المناسبة وجه 16 مثقفا أرمنيا في العالم هجّر أجدادهم من الأناضول رسائل عبر صحيفة “آغوس” إلى الأتراك يتحدثون فيها عن آلامهم وآمالهم.
وبخلاف الآمال التي عقدت سابقا على تقدم تركي في مجال التصالح مع الماضي، فإنّ الكاتبة التركية بيريهان ماغدين عبرت عن خيبة أمل كبيرة جدا عندما ذكرت، في حوار أجرته معها صحيفة “آغوس”، أنّ تركيا تمضي إلى الخلف. وقالت “إننا نذهب إلى الأسوأ. حزب العدالة والتنمية، كما الكماليون، أخرجوا من داخلهم الجانب الأكثر سوءا وذهبوا إلى نقطة أسوأ مما كانت عليه الأمور. لدى الطرفين يكبر خطاب الحقد والكراهية”، مضيفة أنه “لذا فإن المصالحة مع الماضي غير ممكنة. وما لم يحدث زلزال لدى العدالة والتنمية والكماليين فلن يكون من تقدم”. ووصفت ماغدين الإبادة الأرمنية بأنها “ثقب أسود في حياتنا وما دمنا لم نغلقه فلن نتلمس طريقنا. ما هو أمامنا حفرة روحية”.

وفي صحيفة “راديكال” كتب احمد اينسيل أن الاعتراف بالإبادة هو موقف حضاري. واستذكر تناقضات اردوغان، حيث ذكّر الكاتب بوصف اردوغان لمقتل 184 شخصا في حركات احتجاج في منطقة تشينغ يانغ الصينية، حيث يعيش الملايين من الأويغور الأتراك، في العام 2009 بـ”الإبادة”، كما ذكّر بقول اردوغان حرفيا إنّ “حادثة يقتل فيها مئات الأشخاص هي إبادة ولا يمكن التعبير عنها بمفردة أخرى”. ومع حدوث مجازر في دارفور في السودان رفض اردوغان اعتبار ذلك إبادة على قاعدة أن “المسلم لا يرتكب إبادة”ّ. وفي العام 2008 قال اردوغان “ليس في ثقافتنا وحضارتنا شيء اسمه إبادة. ولا يمكن القبول بذلك”، في حين اعتبر ما يجري في قره باخ ضد الأذريين بأنه إبادة. وقال اينسيل انه في كل حضارة يوجد “إباديون” والحل ليس في إنكار الإبادة والتمييز بين “نحن” و”هم” كما يفعل اردوغان بل في احترام ضحايا سياسة الإبادة والتصالح معهم.

محمد نور الدين

السفير

Leave a Reply

Your email address will not be published.