أردوغان وداوود أغلو، تتكلمون كثيراً والمطلوب واحد… حدود ويلسون

بقلم أنترانيك ببجيان

لتقييم البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء اردوغان علينا أولاً أن نعي أن البيان من ترتيب وزير الخارجية التركي داوود أغلو، إذ نلاحظ أن صياغة النص كلياً من بنات أفكاره وتصاريحه المتعددة حول القضية الأرمنية وخاصة تصريحه في كانون الأول ديسمبر من العام الماضي بارمينيا في اجتماع دول حوض البحر الأسود.

لا شك أن الحديث عن الإبادة الأرمنية سيختلف بعد التعزية والمواساة “الحنونة” لرئيس الوزراء اردوغان الموجهة لأحفاد الضحايا من الشعب الأرمني بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى (حسب زعمه) والترحيل القسري للأرمن الذي أدى إلى عواقب مأساوية كما أدّعى، أما اللافت في البيان والموقف الجديد لاردوغان اعتباره بأن ذكرى 24 نيسان يوم لها أهمية في وجدان المواطنين الأرمن في الدولة التركية وكذلك لدى الشعب الأرمني في باقي أنحاء العالم. لكن لم يشرح لنا لماذا هذا اليوم تحديداً له أهمية قصوى لدى الشعب الأرمني…؟؟؟ وماذا حدث في هذا اليوم بالذات كي يكتسب هذه الأهمية…؟؟؟ هل لأنه تم اعدام مئات المفكرين والأدباء والشعراء الأرمن مثلاً…؟؟؟ أم لأنه جرى تطهير عرقي لمدن وبلدات الشعب الأرمني…؟؟؟

من جهة أخرى وبموقف “إنساني” آخر تمنى أردوغان الراحة لنفس جميع الضحايا في تلك الحقبة من أرمن وأتراك وأكراد …إلخ، مساوياً بذلك بين الضحية والجلاد، بين شعب حُرم من أراضي أجداده ومن ممتلكاته وبيوته وحقوله، وآخرين استوطنوا قرى ومدن الأرمن، سرقوا ونهبوا ممتلكاتهم وبالتالي حرموا الشعب الأرمني من ثرواته المكونة من آلاف السنين، بين شعب سعى وشقى سنين عديدة بالعمل في الزراعة والصناعة والمهن المتنوعة (من فنية وحرفية) التي يمتازون بها، لكي يعيش حياة كريمة عزيزة على موطنه، وآخرين استولوا بشكل هيّن (على البارد المستريح) على تعب وجهد الشعب الأرمني المتراكم على مر العصور، بين شعب هم أصحاب الأرض من آلاف السنين يعيشون على موطنهم الأصلي ولديهم موروث ثقافي وحضاري عظيم وبين همج ووحوش دمروا وشوهوا الإرث الثقافي والحضاري للشعب الأرمني من أوابد وآثار تاريخية، من كنائس وأديرة ومدارس وقلاع منتشرة على كامل موطنه، بين شعب ذُبح وقتل ثلثا سكانه على أرضه المسماة “السلطنة العثمانية” والثلث الباقي تشتت وتعذب في أنحاء العالم محروماً من وطن أجداده، وبين شعب سطى على أراضي الغير ويعيش في وطن مغتصب، بين شعب بدون الإبادة والترحيل كان سيكون عدده بالحد الأدنى 25 مليون أرمني (بكل ما كان سيعنيه من ثقل سياسي واقتصادي وثقافي) فقط في القسم الغربي من أرمينيا التاريخية التي تعرضت للتطهير العرقي، وبين شعب يعيش مرتاحاً على أراضي الغير ويعد 80 مليون نسمة. والقائمة تطول، فعلى ماذا سيواسي “الظاهرة” أردوغان الشعب الأرمني (شو بدو يلّحق ليلّحق)…؟؟؟ نذكر هنا أن كل ما ورد سابقاً يعد إبادة جماعية حسب القانون الدولي وللمزيد أقرأ هنا http://www.aztagarabic.com/archives/12290

لنعد إلى البيان ومهندسه ثعلب الدبلوماسية التركية داوود أغلو وطرحه حول القضية الأرمنية ومراوغاته الدبلوماسية للتملص من عبء الإبادة الجماعية الأرمنية، فهو يعرف جيداً أن في ذكرى مئوية الإبادة الأرمنية ستزداد الضغوطات الدولية على الدولة التركية معتبراً اياها صاحبة المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية بشأن الإبادة الأرمنية، لذلك كان من الضروري للدولة التركية إبداء نوع من المرونة حتى لو بالشكل إن كانت بالبيانات الدبلوماسية واللعب بالألفاظ أو بتصريحات تكون مضامينه حمالة أوجه، وذلك لتخفيف الضغوطات عليها قدر المستطاع، أيضاً داوود أغلو على يقين بأن الشعب الأرمني سيواصل نضاله في قضيته وسيبقى مطالباً لنيل جميع حقوقه (خاصة الشعب الأرمني في الشتات) وفق نهج ومسار معين اتبعهما منذ عام 1965 أي في ذكرى الخمسين للإبادة الأرمنية وحتماً سيستمر بذلك بدون تلكؤ للوصول إلى أهدافه المشروعة، لذلك لجأ داوود أغلو إلى اساليب وسياسة جديدة للحد من شبح مسألة الإبادة الأرمنية المؤرق لدولته، فسياسة الإنكار المتبعة لوحدها لم تعد مجدية في وقت بات المجتمع الدولي بمعظمه يطالب الدولة التركية باعتراف الإبادة الأرمنية، فعمد على إيجاد نهج ومسار مضاد أو معاكس لذلك الذي يتبعهما الشعب الأرمني، وما “بيان التعزية” بعباراته الفضفاضة إلا خطوة أولى في النهج والمسار الجديدين، لذلك علينا أن نعي ونتوقع بأن هنالك خطوات أخرى ومتلاحقة من الآن وصاعداً من قبل الدولة التركية بتوقيع ثعلب الدبلوماسية التركية داوود أغلو…

ومن أهم المنطلقات التي سيتبعها داوود أغلو في النهج والمسار الجديدين هي تشديده على مسألة الترحيل القسري للشعب الأرمني من قبل السلطنة العثمانية وبأن الترحيل كان غير إنساني وبأن عواقبه كان كارثياً وأيضاً بأنه يقدر حجم المآسي التي تحملها مواطني الدولة العثمانية من الشعب الأرمني ولكن فقط بسبب الترحيل القسري (إبادة مافي يا جماعة)، لذلك سيلجأ داوود أغلو إلى الاعتراف بمسئولية الدولة التركية تجاه مواطنيه السابقين المرحلين قسراً، وسيبدي حرصه بأن دولته مستعدة لتقديم التعويض لهم في حال عادوا إلى تركيا وفي حال كانت لديهم الثبوتية الملكية واعداً أيضاً بأنهم سيحصلون على الجنسية التركية فور عودتهم. هناك جزء من هذا السيناريو قد بدأ بالتنفيذ فعلاً، فداوود أغلو وجه دعوات مباشرة لأرمن الشتات إلى الرجوع لتركيا مبدياً رغبته بفتح علاقات مباشرة معهم أو الذين لا يكنون العداء لتركيا (لا شك بأن تتواجد هكذا نماذج وهم قلة قليلة في الأرمن)، ولكن ما هي أهداف وغايات داوود أغلو الكامنة والخبيثة لهذا المخطط…؟؟؟

أ – إحداث شرخ داخل الصف الأرمني بين من هم مؤيدون لطروحات داوود أغلو والتطبيع مع تركيا بأي ثمن وبين من هم معارضون وواعون لزيف طروحاته ومتشبثون لنيل جميع حقوقهم قبل التطبيع.

ب – تشتيت الجهود المبذولة من قبل الشتات الأرمني الرامية إلى المطالبة بالاعتراف بالإبادة الأرمنية ومن ثم التعويض وأيضاً بأحقية القضية الأرمنية.

ج – طمث القضية الأرمنية المحقة والمطالب الجماعية المشروعة للشعب الأرمني ككل ومنها الاعتراف بالإبادة الأرمنية والتعويض لها بشكل جماعي وكشعب كامل، ذبح وهجر من أراضي أجداده التاريخية وموطنه تعرض للتطهير العرقي، وبدلاً من ذلك التعامل مع الأرمن كأفراد على أنهم مواطنين سابقين للدولة العثمانية وإعطائهم في حال العودة إلى تركيا الجنسية والتعويض لهم ببعض الفتات (طبعاً بشرط الإثبات التعجيزي للملكية)، وبذلك تصفي الدولة التركية القضية الأرمنية الشاملة والمتكاملة بلجوء العمل مع الأرمن بالمفرق بدون قضية شعب وطن تراث وحضارة.

د – النفاق امام الأسرة الدولية والتظاهر بأن تركيا دولة “مسالمة” ولا مشكلة لديها مع الشعب الأرمني وهي مستعدة لفتح صفحة جديدة معهم بكل “محبة وسلام”.

هناك قول عربي مأثور “المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين”، هل يعتقد داوود أغلو وساسة دولته بأن الشعب الأرمني ينخدع بهذه الألاعيب الماكرة بعد أن خبروا سلوك السياسة التركية مئات الأعوام…؟؟؟ والدليل على عدم تغيير السلوك التركي هو التدخل المباشر والسافر للدولة التركية في بلدة كسب وتهجير سكانها الأرمن من موطنهم وأراضي أجدادهم وذلك بدعمهم وتشجيعهم لجحافل الإرهاب القاعدي الغازي لكسب في الحادي والعشرين من آذار العام 2014. والمفارقة هنا يقول داوود أغلو بأن الترحيل القسري للشعب الأرمني من قبل السلطنة العثمانية أمر مرفوض وغير إنساني، ولكن مهلاً سيد داوود أغلو ماذا عن تسبب دولتك بترحيل الأرمن من كسب قبل شهر ونيف…؟؟؟ هل هو مقبول وإنساني بنظرك أنت ودولتك…؟؟؟ فعلاً ما أفصح …..داوود أغلو وبوقه اردوغان عندما يتحدثون عن العفة…:

في النهاية نقول لساسة الدولة التركية تتكلمون كثيراً والمطلوب واحد، الاعتراف بالإبادة الأرمنية وإعادة الحقوق لأصحابها، وقد يكون أفضل جواب على اردوغان وأزلامه عند الرئيس ويلسون الوسيط والحكم لمعاهدة “سيفر” في عام 1920 الموقعة من عشرين دولة ومن بينها الدولة التركية، ولعل تنفيذ بنود معاهدة “سيفر” والالتزام بما يعرف “حدود ويلسون”، هي أفضل الحلول لتحقيق العدالة للقضية الأرمنية قانونياً وسياسياً وانسانياً وتاريخياً…:

للاطلاع على معاهدة سيفر أقرأ هنا http://www.aztagarabic.com/archives/2695

Leave a Reply

Your email address will not be published.