لقاء مجلة “الكواليس” مع مدير مركز البحوث للشتات الأرمني، في جامعة هايكازيان الدكتور انترانيك داكسيان في العدد الخاص عن لذكرى الـ99 للإبادة الأرمنية

أعادة الثقة في الأرواح الأرمنية كانت بطيئة واخذت نصف قرن: مدير مركز البحوث للشتات الأرمني، في جامعة هايكازيان (2012) الدكتور انترانيك داكسيان.

تحولت الإبادة من فكرة قتل وتهجير إلى سلب وطن وأرض من قبل الأترك
الدولة التركية تصف الإبادة ولكنها لا تقبلها كإبادة!

يملك الكثير من الفضول، تبرق عيناه بإشعاع غريب يستكشف ما خلف السطور وما بين النقاط، وما يضمره القلب والفكر معاً، باحث عن شيء ما وهو الأت من صفحات التاريخ الأكثر دموية في القرن العشرين، بحيث تعرض أجداده لإبادة هي الأقسى، لكنه كما أجداده وكما أولاده، وكما الوطن الذي أحتضنه، نهض الفينيق من بين حنايا وحلق في فضاءات العطاء.

هذا هو الدكتور أنترانيك داكسيان مدير مركز البحوث للشتات الأرمني في جامعة هايكازيان، الذي تحسب ألف حساب وأنت متوجه للقاء به، ولكن لمجرد أن تلتقيه، تجده متميزاً باستقباله، محطماً جدران أية غربة بينه وبين مضيفه ويدخل في صلب الموضوع بسرعة وكأنه كان ينتظرك ليكمل حديثاً بدأ الأمس أو قبله من دون يضيع الوقت، ليكمل إبحاره ودقة مثابرته في خدمة قضيته الأم…

*كيف لك أن تعرف عن نفسك لقراء “كواليس”؟

الدكتور انترانيك داكسيان، ماجيستير في الأدب الأرمني (جامعة يريفان)، ماجيستير في العلوم السياسية (الجامعة الامريكية في بيروت)، ماجيستير في البحوث العلمية (جامعة ابيردين، اسكتلندا)، دكتورا في العلوم السياسية (جامعة صوانصي، ويلز، المملكة المتحدة). امين سر مجلة هايكازيان للبحوث الأرمنية (منذ عام 1993)، مدير مركز البحوث للشتات الأرمني، في جامعة هايكازيان (2012). استاذ في العلوم السياسية ومحاضر عن تاريخ الأرمن في لبنان.

*ماذا فعلتم لإعادة الثقة والفرح للإنسان الأرمني ولترميم ما ترتب عليه من آثار للإبادة الأرمنية؟
أعادة الثقة في الأرواح الأرمنية كانت بطيئة واخذت نصف قرن. فالعقود الأولى بعد الإبادة لم تكن مناسبة لنهضة الأرمن من جروحها. اذا القينا نظرة بسيطة عن تاريخ الشرق الاوسط بين عامي 1920 و 1965 نرى أن الاوضاع السياسية في العالم لم تكن هادئة. فبدأً بالكارثة الاقتصادية العالمية (1928)، والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة كلها أثرت سلباً ولم تنفع على تطور المجتمعات المحلية في الشرق الاوسط. ناهيك على التطورات السياسية في الشرق الاوسط والانحطاط في العلاقات بين الدول والشعوب في المنطقة كلها اثرت سلباً على تطور العلاقات بين شعوب ودول المنطقة. غير أن الأرمن في دول المنطقة استطاعوا إلى حدٍ ما أن يعيدوا بناء مجتمعاتهم ويتجذروا في الدول التي اخذوها موطناً لهم.

في بداية الستينات من القرن العشرين، وبعد مرور خمسين عاماً على الابادة الارمنية من قبل الدولة العثمانية وجد الأرمن انفسهم امام تحولات عميقة: فالاجيال قد تغيرت، والعوائق الاقتصادية قد خفت، والمواطنة تحصنت والمجتمع الأرمني في داخله انتظم بشكل كبير وبات قادراً على إدارة مدارسه وكنائسه واحزابه وفرقه الرياضية وعاش تطوراُ هائلاً في الثقافة والعلم. وفي الوقت نفسه انفتاح دولة أرمينيا السوفياتية على الشتات الأرمني فرض نظرة جديدة على المساحة الأرمنية العالمية مما جعل الأرمن ينظرون إلى تاريخهم القديم وخاصة الجديد من منظار مختلف. فتحولت الإبادة من فكرة قتل وتهجير إلى سلب وطن وأرض. فراح الارمن يطالبون الأتراك بحقوقهم وبأرضهم المسلوبة. فاذاً نجاح المجتمع الأرمني ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وتطوره ما بين 1920 و1965 كله ساهم في نجاحه معنوياً واعادة تكوينه في المشرق العربي.

*نجاح أي قضية مرهون بإستمراريتها، ما رأيك؟

الإستمرارية لا تكفي. الإستمرارية ضرورة تاريخية لابقاء القضية على الحياة.
كلمة أو فكرة “قضية” تجر معها ان هناك طرفين. فنجاح اية قضية يفرض اذاً مشاركة طرفي النزاع في انجاحها، أي حلها. الفريق الأرمني يطالب ويعمل من أجل انجاح القضية الأرمنية من خلال استعادة الأرض. ولكن الفريق الثاني أي الدولة التركية لا تعمل إلى انجاح القضية بل افشالها, وذلك من خلال رفضها ارتكاب الدولة العثمانية اي جريمة ابادة بحق الأرمن. فالدولة التركية تعترف بأنه حصل إبان الحرب العالمية الاولى “اخطاء واعمال اجرامية. وتهجير لكن لم تكن هناك إبادة للأرمن”. غير أن تعريف الإبادة مبني أيضاً على تلك المصطلحات التي تستعملها الدولة التركية في وصف تلك الاحداث. وبكلمة اخرى فهي تصف الابادة ولكنها لا تقبلها كإبادة!

أذاً نجاح القضية مرهون على اعادة نظر الدولة التركية في تاريخها (والعالم العربي ولبنان خاصة خير شاهد على ذلك) واعادة حساباتها لأجل علاقات سليمة وبناءة مع جيرانها الارمن. فالارمن أمة سالمة ومسالمة تحب الحياة والتطور والازدهار ليس على حساب أي شعب اخر. أما القضية… إذا كان هناك شعب سلبت أرضه وحقوقه وهو لا يعمل لاسترجاعها، فالشعب أولاً ،فالشعب قبل القضية يكون قد مات.

*هل تعتقدون أنكم بذلتم جهوداً كافية ليتعرف العالم العربي إلى ما تعرض له الشعب الأرمني عام 1915، خلال الحرب العالمية الأولى، وتشردكم في جميع أنحاء العالم؟
لا أظن اننا بذلنا جهوداً كافية لكي نُعرف العالم العربي على تاريخ الأرمن قبل أن يعترف بالابادة الأرمنية، لا بل اقول أن العالم العربي, ومع أن بعض مفكريه جاهدوا من أجل معرفة الإبادة الأرمنية، غير أن العالم العربي لم يبذل جهداً كافياً لكي يعرفوا ويعترفوا بالإبادة الأرمنية من منطلق إنساني، وجداني وديني.

*الكلمة الأخيرة؟

ألامة الارمنية تكونت بين جنوب منطقة القوقاز وشمال الشرق الاوسط، ففي تلك المنطقة
ترعرع الأرمن وأسسوا علاقات تاريخية أخوية عميقة لآلاف السنين مع دول وشعوب الجوار. ونحن نفتخر بتاريخنا وبعلاقاتنا وبعطاءنا. نحن امة مسالمة نبني تطورنا وازدهارنا وتطور وازدهار جوارنا على اسس علاقات سلمية وودية.

فريال دبوق

مجلة “كواليس” اللبنانية، عدد خاص عن الذكرى الـ99 للإبادة الأرمنية

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.