أرمن بغداد بأقلام رحالة

يقيم أكثر من نصف أرمن العراق في مدينة بغداد، ويعود نمو الجالية الأرمنية فيها إلى أيام الغزو المغولي 1256، وفي القرن الرابع عشر الميلادي كانت لهم أبرشيتان في العراق إحداهما في السلطانية، والأخرى في بغداد، وتولى الأسقف سركيس مطرانيه الأرمن في بغداد عام 1354، إلا أن الجالية الأرمنية في بغداد تعرضت للانهيار مرة أخرى، فيذكر البعض أنه في عام 1604 كانت توجد في بغداد وضواحيها جالية أرمنية صغيرة، وتذكر المصادر الأرمنية أن بغداد في هذه الفترة كانت من أبرز مراكز نسخ المخطوطات الأرمنية في الشرق الأدنى[1].

وفي القرن السابع عشر وقعت ثلاث هجرات جماعية إلى بغداد، فنشطت الجالية الأرمنية فيها، جاءت الموجة الأولى سنة 1604/1605 من الأرمن الذين هجرهم الشاه عباس إلى أصفهان، فهاجرت جماعة منهم إلى بغداد. وقدمت الموجة الثانية سنة 1616 من الأناضول هربًا من ظلم الجلائريين، أما الموجة الثالثة فوقعت عام 1638 عندما دخل العثمانيون بغداد.

ولا توجد إحصائيات دقيقة عن الأرمن في بغداد في القرن الثامن عشر، ولا توجد معلومات مستفيضة عن حياتهم في العراق، إلا أنه خلال فترة الحكم العثماني للعراق تم التأكيد على حقوق البطريركية الأرمنية، وكذلك البطريركية اللاتينية واليونانية، وذلك في مؤتمر باريس للسلام عام 1856، ثم في مؤتمر برلين عام 1878، وفي مؤتمر فرساي عام 1919 حظيت تلك الحقوق بتأييد جميع المحافل الدولية.

إلا أن الجالية الأرمنية في العراق قد ازدادت في القرن التاسع عشر نتيجة للمجازر التي ارتكبها العثمانيون الطورانيون، ونتيجة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن من الحكومة العثمانية، فقد تم إيواء المئات من الأيتام في الحي الأرمني ببغداد، حيث درس العديد منهم في المدرسة اللاهوتية الأرمنية، وأصبح بعضهم من رجال الدين البارزين.

وفي أعقاب الاحتلال البريطاني لبغداد 1917 ازداد عدد الأرمن في العراق نتيجة للهجرة المنتظمة إليه بحثًا عن الأمن والأمان في ظل الرعاية الإنجليزية، فهاجر نحو 25 ألف أرمني من المناطق الجنوبية الشرقية لأرمينيه، ومن منطقة أورمية في إيران إلى العراق. وفي سنة 1924 أحصت مطرانيه الأرمن الأرثوذكس في العراق الأرمن فبلغ نحو 6539، ووفق إحصاء آخر بلغ الأرمن في العراق نحو 18 ألف أرمني[2].

وكانت الجالية الأرمنية في تلك الفترة تضم: الأطباء، والمهندسين، والمزارعين، والخياطين، وصناع الأحذية، والخبازين، وأصحاب المحلات، والتجار، والممرضين، وغيرها. وفي المجال الصناعي كانت أكبر ظاهرة صناعية في العراق امتلاك مؤسسة “جُلبينكيان” الأرمنية أسهمًا في استثمار البترول العراقي.

وتوجد للأرمن عدة كنائس في بغداد منها كنيسة القديس “كرابيت” في منطقة كمب سارة، وكنيسة القديس غريغور في منطقة الباب الشرقي، وكنيسة القلب الأقدس في الكرادة الشرقية، وكنيسة سيدة الزهور في حي الكرادة، وكنيسة الأرمن في حي الجادرية، وكنيسة مريم العذراء في منطقة الميدان، وهي أقدم كنائس الأرمن في بغداد، كما توجد أربع مراكز ثقافية ورياضية أرمينية في بغداد، ويتم تعليم اللغة الأرمنية للأطفال الأرمن في بعض هذه المراكز، ويجب ألا نتناسى وجود العديد من ضحايا التهجير الأرمني المنتشرون في أكثر من مدينة عراقية، لأسباب شخصية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. ومنهم من أعتنق الديانة الإسلامية، ممن نجى من مجازر العثمانيين ليجد نفسه وسط القبائل البدوية العربية، حيث لم يكن لديهم خيار آخر، إلا أن الكثير منهم ظلوا متمسكين بقوميتهم الأرمنية بغض النظر عن الديانة.

وهدفنا هنا هو رسم صورة لأرمن بغداد بأقلام مجموعة من الرحالة الأوروبيون في العراق، من خلال كتاب معنون “بغداد بأقلام رحالة” صادر عن دار الوراق للنشر المحدودة بلندن عام 2007، يتضمن مجموعة ترجمات للأجزاء التي تصف مدينة بغداد في رحلات فئة من الرحالة، مختلفي الجنسيات، والتوجهات، والمدارس الفكرية، عكف على ترجمتها مجموعة من المترجمين.

كارستن نيبور

أول رحالة كتب عن أرمن بغداد، هو الرحالة الشهير كارستن نيبور Karsten Niebuhr، وهو عالم دانمركي من أصل ألماني، ولد بمدينة لدينغورث Ludingworthe من مقاطعة لاونبرغ Lauenberg، في 17 مارس 1733، لأب فلاح من سيليزيا، وبدأ حياته فلاحًا يساعد والده في الحقل، ثم بدأ تعليمه في سن الثانية والعشرين، حينما التحق بجامعة جوتنجن Gottingen، لدراسة الرياضيات وعلم الفلك.

وفي عام 1760 قرر ملك الدنمرك، فريدريك الخامس، بناء على مشورة يوهان ديفيد ميخائيلس أستاذ اللاهوت المسيحي، وفقه اللغة العبرية بجامعة جوتنجن Gottingen، إرسال بعثة علمية مشتركة إلى بلدان الشرق الأدنى، وجنوب الجزيرة العربية، لتقصي الأخبار والمعلومات العلمية عنها، فاستدعى نيبور للانضمام إليها.

وفي صباح اليوم الرابع من يناير 1761 ركب الباخرة الدنمركية جرينلند Greenland خمسة علماء متخصصون في مختلف فروع المعرفة، مع خادمهم الدنمركي، وقد جمعهم أمر واحد، وحفزهم هدف صمموا على تحقيقه مهما كانت الظروف والأحوال، مدفوعين بالأسطورة التي تحدثهم عن بلاد العرب السعيدة Arabia Felix، فاتجهوا نحو عالم ملئ بالمجاهيل والمخاطر. وقد وزعت أعمال وواجبات البعثة على أعضائها، فقد تألفت من خليط من الجنسيات، فضمت عالمين دانمركيين، وألمانيين، وسويديًا واحدًا، وجميع هؤلاء من الشبان اليافعين، إذ لم يبلغ أكبرهم سنًا الرابعة والثلاثين، بينما لم يتجاوز أصغرهم الثامنة والعشرين.

وهؤلاء العلماء الخمسة الذين تكونت منهم البعثة هم: البروفسور بيتر فردريك كريستيان فون هافن Prof. Peter Friedrich Christian van Haven (دنمركي) متخصص في فقه اللغات القديمة والدراسات الشرقية، والدكتور كريستيان كارل كرامرDr. Cristian Carl Kramer (دنمركي) متخصص في الجراحة وعلم الحيوان، والمهندس كارستن نيبور Carsten Niebuhr (ألماني) وقد أنيطت به مسؤولية الدراسات الجغرافية والفلكية والرياضيات، والهر جورج ويلهلم بورينفند Herr Georg Wilhelm Baurenfeind (ألماني) وهو رسام أنيطت به مهمة الرسوم الفنية وحفرها على النحاس، والبروفسور بيتر فورسكال Prof. Peter Forsskal (سويدي) طبيبًا للبعثة، ومتخصصًا في علم النبات.

ولم يكن لأحد من هؤلاء الرئاسة على الآخرين، فكلهم له مؤهلاته ومكانته، وإذا كان لأحد منهم الفضل فهو لفورسكال وفون هافن لإجادتهما اللغة العربية، وبهذا قضت تعليمات الملك، الذي طلب من كل منهم أن يعاون زملائه، ولكن على أن يظل له ميدان عمله الخاص الذي سيقدم عنه تقريرًا عند عودته.

وأبحرت السفينة الدنمركية من ميناء كوبنهاجن، فمرت بميناء مرسيليا، ومنه إلى اسطنبول حيث وصلتها في 30 يوليو 1761، فالإسكندرية في 26 من الشهر نفسه، وأمضت البعثة حوالي السنة في مصر لدراسة أحوالها وآثارها، ثم بعد ذلك أبحرت من الإسكندرية عبر النيل متوجهة إلى السويس، وفي 5 أكتوبر 1762 أبحرت البعثة من السويس إلى جدة، ومنها إلى مخا في بلاد اليمن.

وقد أصيبت البعثة بصدمة بموت رئيسها فون هافن في مارس 1763، وفي 13 يوليو من العام نفسه لحق به العالم الطبيعي بيتر فورسكال في مدينة جرم Jerim، وقد زار نيبور مع من بقي من أعضاء البعثة صنعاء، وقابلوا أميرها، ثم عادوا إلى مخا لقضاء الصيف فيها.

ومن مخا أبحروا إلى بومباي في الهند، وهناك توفي رسام البعثة بوربنفند، ثم لحق به فون كريمر في 10 فبراير 1764، فبقي نيبور العضو الوحيد الذي وقع على عاتقه مهام البعثة وواجباتها، إلا أن همته العالية، وثقافته الواسعة، ودأبه المتواصل، وإرادته الحازمة، كل ذلك دفعه إلى إتمام الرحلة، وإنجاز ما يترتب عليها من أعمال واسعة المقاصد متشعبة الأغراض.

وفي 24 مارس غادر بومباي إلى سورات Surat فدرس أحوالها وتجارتها، ثم قفل عائدًا إلى بومباي، وكانت لديه الرغبة في زيارة الصين، لكنه بينما كان بانتظار السفينة التي ستقله إليها، عاودته الحمى والمرض مما جعله يغير خطته في السفر إليها.

وبعد أن مكث في الهند أربعة عشر شهرًا، قرر العودة إلى بلاده، فمر بمسقط، ثم توجه عن طريق الخليج العربي إلى جمبرون (بندر عباس) ومنها إلى شيراز، فخرائب برسيبوليس، وبعد أن قضى بها أربعة وعشرين يومًا توفي فيها خادمه، غادرها في 7 أبريل 1765 إلى بوشهر، ومنها إلى البصرة، فسافر بسفينة هولندية صغيرة إلى جزيرة خارج Kharg فوصلها 31 مايو، على أمل أن تنقله سفينة إنجليزية إلى البصرة، في أوائل شهر يونيو.

لقد انقطعت أخبار كارستن نيبور منذ وصوله إلى البصرة، وقد ارتدى نيبور الملابس العربية منذ أن وطئت أقدامه مدينة البصرة، وانتحل اسم عبد الله، وغادر بغداد في 3 مارس 1766، متوجهًا إلى حلب فوصل الموصل فماردين، ثم إلى حلب، وذهب مع قافلة إلى إنطاكية ومنها إلى الإسكندرونه، حتى وصوله كوبنهاجن في 20 نوفمبر 1767.

وفي عام 1773 تزوج بكريستيان صوفي بلومنبرغ Cristiane Sophie Blumenberg، وهي فتاة تبلغ من العمر 33 عامًا، وكانت ابنة طبيب كان في خدمة الملك فردريك، وفي السنة التالية لزواجه نشر المجلد الأول من مذكراته.

تبتدئ حياة كارستن نيبور بالتدهور والاضمحلال عند مطالبته بوظيفة كتابية في ملدورف التي سافر إليها مع زوجة وطفليه في صيف 1778، وبالرغم من أن نيبور كان ألماني الأصل والثقافة إلا أنه كان يحمل جواز سفر دنمركي، وكان شعوره بدنمركيته قويًا منذ دخوله في خدمة الملك فريدريك الخامس.

عين عضوًا في المجمع العلمي الفرنسي، وفي أواخر أيامه اشترى أرضًا لفلاحتها، فعاد فلاحًا كما بدأ، ثم توالت عليه النكبات فأصيب بالعمى، وفي عام 1807 توفيت زوجته، ولم يكتف القدر بسلب بصره، بل فاجأه بإصابته بكسر ساقه، فأصبح هذا الرحالة الجسور والسائح الجريء أعرج، وفي 26 أبريل 1815 انتهت حياة هذا العالم، في ملدورف من مقاطعة ديتماركن Dithmarchen عن عمر ناهز الاثنين والثمانين عامًا مكللة بالأعمال العظيمة.

وقد التقى نيبور بكثير من الأرمن خلال رحلته البرية عبر العراق من البصرة إلى حلب على البحر المتوسط، فأول ما التقى في البصرة كان الأرمن، مميزًا إياهم من لغتهم وملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم، مشيرًا إلى هجرة الكثير منهم من إيران إلى العراق بسبب الفتن والثورات المنتشرة فيها، وأن هؤلاء عملوا في الأعمال التجارية والصناعية في بغداد والبصرة فكانوا من عوامل نهوضهما اقتصاديًا، فيقول: “والأرض الخصبة الواسعة بالبصرة وبغداد لا تغل إلا التمر والأرز والحنطة، ولا تنتج إلا الحيوانات القرنة، أي ذوات القرون، والخيل، ولا تغل ولا تنتج ما يرغب فيه الغربيون، غير أن لمدينتي القطر العظيمتين هاتين مقامًا حسنًا، فإنهما موصل واصل بين الهند وإيران وتركيا، فالتجارة فيهما لا تزال عظيمة، وقد هاجر من إيران إلى بغداد والبصرة جماعات من الأرمن بسبب الفتن التي فيها، وقد أنشأوا في المدينتين معامل”[3] للصناعات المختلفة.

الفرنسي أوليفييه

قام الرحالة الفرنسي أوليفييه G. A. Olivier عام 1791 بإيعاز من حكومة الجمهورية الفرنسية الأولى بجولة تفقدية في الدولة العثمانية، وبلاد فارس، فزار سوريا والعراق وإيران ومصر، وفي العراق مر بكل من الموصل وبغداد والبصرة وغيرها من مدن العراق، وسجل انطباعاته في ثلاث مجلدات، طبعها في باريس عام 1804.

اتسمت مذكرات أوليفييه بوصف دقيق للحالة الطبيعية، الجغرافية، الزراعية، الاقتصادية، والتجارية للمنطقة التي زارها، حاول فيها رصد طرق المواصلات والحالة العسكرية للبلاد المذكورة، فكان موفقًا في الكثير من ذلك، وتطرق إلى أحوال السكان وعادات الأهالي ومعتقداتهم، فكان أقل توفيقًا.

ومنذ أن بدأ يطأ بقدمه أرض العراق، ومخر عُباب الرافدين، اعتقد أن نهر دجلة ينبع من أرمينيا فقال: “يعين نيبور لدجلة من ستمائة إلى ستمائة وعشرين قدمًا عرضًا، لكننا نظن بأنه أكثر من ذلك إبان شدة المياه التي تكون في أواخر الخريف، وبخاصة في الربيع، إذ تختلط مياه الأمطار في هذا الفصل الأخير في جزء من كردستان وبلاد ما بين النهرين مع المياه الصادرة عن ذوبان الثلوج في بلاد فارس وكردستان الأعلى وأرمينيا، وأعالي بلاد ما بين النهرين”[4].

ويذكر رواية أهل بغداد عن أن تعداد سكانها يبلغ أكثر من مائة ألف نسمة، ولكنه يفند هذه الرواية بأن العدد الحقيقي بناء على رواية القنصل الفرنسي فيها، ورجل أعمال إيطالي، لا يزيد عن ثمانين ألف، يشكل العرب غالبيتهم، ويليهم الأتراك، فالأكراد، ثم المسيحيين: الكلدان والأرمن، وفي نهاية هذا التدرج يأتي اليهود الأقل عددًا بين طوائف بغداد، فيقول: “يعتبر أهالي بغداد عدد سكان مدينتهم أكثر من مائة ألف نسمة، غير أن روسو الذي هو منذ زمن وكيل العلاقات التجارية (الفرنسية)، وليوني رجل الأعمال الإيطالي، الذي يسكن منذ أكثر من أربعين سنة في هذه الربوع، ورئيس دير الكرمليين الذين تحدثنا إليهم، لا يقدرونها بأكثر من ثمانين ألفًا، ويوزعونهم هكذا: خمسون ألف عربي (مسلم)، عشرون ألف تركي، بما في ذلك الحامية (الإنكشارية) وحرس الباشا، وحوالي ألف كردي، وخمسمائة مسيحي من الكلدان والأرمن، وألفان وخمسمائة يهودي”[5].

ثم يوضح أن الأرمن يسكنون بغداد لأغراض تجارية، فيقول: “كذلك سكن فيها العديد من اليهود والأرمن لأغراض تجارية مع تركيا والهند، فإن الباشا يشجع التجارة بكل ما في وسعه”[6].

الإنجليزي بكنكهام

ولد جي. اس بكنكهام J. S. Buckingham سنة 1786، ومات سنة 1855، وقد أمضى سنوات عدة من عمره في أقطار الشرق فزار العراق وسوريا وتركيا وإيران والهند وغير ذلك من البلدان التي عني بوصف شعوبها وأحوالها في المؤلفات التي كتبها.

الجزء المترجم في هذا الكتاب من كتابه Travels in Mesopotamia، وقد زار العراق في أوائل القرن التاسع عشر. ولم يكن بكنكهام أول من زار بلاد الرافدين وكتب عنها، بل سبقه إلى ذلك جماعة من الرحالين، دونوا مشاهداتهم وانطباعاتهم في مؤلفات يعد بعضها مراجع نفيسة عن أحوال العراق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ويشير بكنكهام إلى قيام تبادل تجاري بين بغداد وأرمينيا “وتجارة بغداد تشتمل في الغالب على البضائع والمنتجات الهندية التي تصل عن طريق البصرة من البنغال، وتحمل منها إلى سوريا ونجد وكردستان وأرمينيا وآسيا الصغرى”[7].

وإلى قيام العراق وبغداد بدور الوسيط بين المنتجات الفارسية والأرمنية، فيقوم التجار بنقل البضائع الفارسية إلى بغداد لتحمل منها إلى أرمينيا، “وكانت بغداد، حتى زمن قريب، المخزن الرئيسي للمصنوعات والمنتجات الفارسية التي تحمل إلى الأسواق السورية والأرمنية والتركية، ولقد وجد الفرس طريقًا أمينًا عبر أرضروم وتوقات يفضي إلى استانبول، وأصبحت البضائع التي كانت تودع هنا تحمل رأسًا إلى العاصمة التركية فتؤتي بذلك ربحًا كثيرًا للتجار الفرس وخسارة بعكس ذلك الربح لتجار بغداد”[8].

إلا أن هناك أمر لفت انتباهه وهو أن رئيس الكنيسة الأرمنية في بغداد من أصل فارسي، فيشير إلى أن “الحر الشديد حال دون إقامة الاحتفال بمناسبة ميلاد الأمير ولي العهد، ولكن حرس المقيم العام الهنود أقاموا استعراضًا، وأخذ الزوار والمهنئون بملابسهم الرسمية يتوافدون إلى الديوان حسب المراسيم المعتادة، وكان من بين هؤلاء الجماعة اثنان غريبان فقط، أحدهما طبيب جراح شاب جاء إلى هنا من دمشق سعيًا وراء عمله، والآخر سكرتير القنصلية الفرنسية المسيو M. Vigoroux وكان منحرف الصحة آنذاك، وراهب كبير السن هو رئيس الكنيسة الكاثوليكية، ورجل فارسي معمر يتذكر حصار نادر شاه لمدينة بغداد فقد ولد عام 1720، ودرس في روما وجاء هنا بصفة رئيس الكنيسة الأرمنية في هذه المدينة، وإلى هؤلاء فقد جاء عدد من المسيحيين واليهود وأفراد من الدراويش”[9].

الأمريكي وليم بيري فوك

وليم بيري فوك  Wm. Perry Fogg أول سائح أميركي يزور العراق، فقد غادر أميركا في أوائل سنة 1847 قاصدًا مصر ببعثة استكشافية اختارها الخديوي في مصر برئاسة الدكتور جيرارد رولفس للبحث عن الواحات في صحراء مصر الغربية، وجاء إلى مصر فوجد أن البعثة قد سبقته بأشهر، وعرض عليه السيد فينيس، وهو شاب إنجليزي من (بيت لنج) تعارف معه على ظهر الباخرة التي أقلتهما إلى مصر، أن يسافر معه إلى بغداد، فسافرا معًا إلى بيت المقدس، ثم عادا فعبرا قناة السويس ونزلا في جدة، ثم في عدن، فمسقط فبوشهر حتى وصلا البصرة، ثم بارحاها إلى بغداد، وأقام هذا السائح الأميركي في بغداد ردحًا من الزمن قام خلاله بزيارة كربلاء وأطلال بابل والمسيب، ولقي من والي بغداد رديف باشا (خلف مدحت باشا) عناية تامة، وبعث معه بأحد مرافقيه، فزار المؤسسات العامة في بغداد، كما زار الكنائس، ولكي يطلع على الحياة الاعتيادية، وكان يلبس الطربوش، ويسير منفردًا في الشوارع والأسواق، وقد وصف جميع ما شاهده وصفًا دقيقًا تغلب عليه مسحة من الفكاهة واللطف، ويحدثنا هذا السائح أنه وجد في بغداد انجليزيًا يهوى التصوير الفوتوغرافي فاصطحبه إلى عدة مواضع في بغداد وصورها، فأضاف إلى وصفه الدقيق صورًا جميلا لجامع مرجان، وسور بغداد، وإيوان كسرى، فجاء كتابه من أنفس ما كتبه السائحون، وقد سماه “عربستان، أو بلاد ألف ليلة وليلة Arabistan: or the land of “the Arabian Nights”، وتم طبعه في لندن سنة 1875.

وقد قام وليم فوك بزيارة كنيسة الأرمن في بغداد، وقدم وصفًا لها قائلا: “ثم ذهبنا منها (كنيسة اللاتين الكاثوليك) إلى كنيسة الكلدان، وكنيسة الأرمن، وهما فرقتان مختلفتان، وكنيسة الأرمن الأرثوذكس، تشمل عددًا من أقدم العائلات المسيحية وأغناها. وهذه الكنيسة واسعة أنيقة، وبجانبها مسكن المطران، حيث زرناه أنا والدكتور (سي) صديقه الخاص، فاستقبلنا باحترام عظيم، والمطران رجل جميل الصورة، ذو لحية طويلة سوداء، ووجه أبيض لامع رقيق، وأخلاقه حسنة جدًا، وكان مرتديًا رداء أرجواني اللون من الحرير، وطاقية وحذاء من نفس اللون، وكان قد زار روما قبل خمس سنوات، وقت انعقاد المجمع المسكوني، وهناك انخرط في سلك الكرادلة، وهو رئيس كافة الكنائس العائدة لملته في البلاد العربية، وقد قدمت لنا السجائر والقهوة العربية إتباعا للتقاليد السائدة، وقام الطبيب بوظيفة المترجم، وكانت بيننا محاورة ذات أهمية، فقد قدمني الطبيب بصفتي أميركيًا، فأبدى المطران رغبته الشديدة في زيارة أميركا، ولكن الذي يمنعه خوفه من عواصف الأطلنطيك وخلال المحاورة كنت ألحظ أن كلمة (ينكي دنيا) تتكرر، وعلمت أن هذه الكلمة هي الكلمة العربية الخاصة التي تعني (الدنيا الجديدة)”[10].

[1] هوري عزازيان: الجاليات الأرمنية في البلاد العربية (لبنان ، العراق، فلسطين، الأردن، مصر)، ( اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1993)، ص 6.

[2] هوري عزازيان: مرجع سابق، ص 6.

[3] كارستن نيبور: “بغداد في رحلة نيبور”، مصطفى جواد (ترجمة)، بغداد بأقلام رحالة، (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2007)، ص 34.

[4] أوليفييه: “الرحالة الفرنسي أوليفييه يصف بغداد عام 1791″، يوسف حبي (ترجمة)، بغداد بأقلام رحالة، (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2007)، ص 85.

[5] أوليفييه: مرجع سابق، ص 86، 87.

[6] المرجع السابق، ص 87.

[7] بكنكهام:  “رحلة بكنكهام، وصف بغداد”، محمد علي حلاوي (ترجمة)، بغداد بأقلام رحالة، (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2007)، ص 119.

[8] بكنكهام: مرجع سابق، ص 121، 122.

[9] المرجع السابق، ص 132.

[10] وليم بيري فوك: “رحلة وليم بيري فوك إلى بغداد، أحوال بغداد في القرن التاسع عشر”، السيد عبود الشالجي (ترجمة)، بغداد بأقلام رحالة، (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2007)، ص 163، 164.

علي عفيفي علي غازي

شفق نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published.