لقاء مجلة “الكواليس” مع المايسترو باركيف تسلاكيان في العدد الخاص عن لذكرى الـ99 للإبادة الأرمنية

مثلي الأعلى الموسيقي الراهب كوميتاس، الذي لم يُذبح، لكن مناظر الإبادة قتلت مشاعره: المايسترو باركيف تسلاكيان.

عشقت الموسيقى العربية لأصالتها، وأحملها سلاحاً لإظهار الوجه الحضاري للعالم العربي

سأبقى أعمل على الإرتقاء إلى الكمال الذي لن أبلغه أبداً

الحفاظ على اللغة هو أساس الحفاظ على التراث والوطن والأرض

يحمل رؤى وعبق صباحات أيام واعدة، وشراع يتوارى ليطوي الرياح على موعد لمرسى قريب، تتأهب الأقدار بتباشير الوصول ويمضي العزم ليحطم شباك المستحيل، شاب من عطر جبل موسى عنجر، عام 1939م لجأ والده من جبل موسى في لواء الإسكندرون إلى عنجر، هرباً من بطش الحكم التركي الظالم بحق الأرمن، تربي في بيت فقير، لوالدٌ مريض ووالدة مكافحة، يعتز بلبنانيته ويفتخر بأصله الأرمني، تذوق الموسيقى وأغرم بها منذ طفولته، تعمق بها وبعالمها الخاص، رغم محاولة والدته إبعاده عنها بكافة الطرق، إلا أنه عن طريق الصدفة قام بإدارة الفرق الغنائية الأرمنية في عنجر، درس الموسيقى وإدارة الفرق على أيادي أساتذة محترفين من أرمينيا في بيروت، لم تمنعه الحرب ولا الطرقات المقطوعة بالثلوج من النزول إلى بيروت يومياً، كي يشبع ذاته بالموسيقى التي أحبها حتى الثمالة، منذ البداية كانت قضيته الأم هي القضية الأرمنية، وكان هدفه نشر الموسيقى الأرمنية في العالم، إيماناً منه بأن الموسيقى هي أم الفنون، والفن هو أكثر ما يمكن أن يعرف عن الحضارة والهوية الأرمنية، ولكن شعوره كمواطن لبناني أيضاً كان يحتم عليه العمل على تطوير ونشر تراث الموسيقى العربية، إنه المايسترو باركيف تسلاكيان، الذي كان لنا معه هذا اللقاء الشيق والغني….

*هل باركيف تسلاكيان ملحن أم مايسترو أم كليهما معاً؟

دراستي هي الموسيقى وبالطبع تشمل التلحين والتوزيع. ولكن اختصاصي هو إدارة الفرق الغنائية. وأنا إلى اليوم، أزور أرمينيا وأوروبا دائماً لتطوير نفسي والتعمّق في بحر العلم الموسيقي الذي لا ينتهي، وسأبقى أعتبر نفسي تلميذاً في المجال الموسيقي وأطلب المزيد من العلم لآخر عمري.

*هل كان للمذبحة الأرمنية انعكاسها على موسيقى باركيف تسلاكيان؟

أنا أؤمن بأن الإبادة التي ارتكبت بحق الأرمن إنعكست مباشرةً على حياة كل شخص من أصل أرمني. إن اللاجئين الأرمن في كل أنحاء العالم، إعتادوا على الدّقة والحرفيّة في العمل لإثبات أنفسهم وإنقاذ عائلاتهم من الفقر والتشرّد، لذا نجد اليوم أن الأرمني يتميّز ويفلح في مهنته مهما كانت. لا شك أن هذا ينطبق عليَّ أيضاً فأنا إذا قررت العمل على شيء، لا أرضى إلا بالكمال. ولكن بالموسيقى والفن إجمالاً لا يوجد كمال، وأنا لم ولن أكتفي يوماً بعملي الموسيقي، بل سأبقى أعمل على الإرتقاء إلى الكمال الذي لن أبلغه أبداً، إذ لا يوجد قمة للموسيقى لأن وجود القمة يعني وجود منحدر بعدها.
أما المثل الأعلى بالنسبة لي فهو الموسيقي الراهب كوميتاس، الذي كتب أعظم الأغاني الأرمنية “أكثر من 4000 أغنية” حتى العام 1915 حين كان عمره 26 سنة. كوميتاس لم يذبح مع باقي المثقفين الأرمن وقتها، ولكن مناظر الإبادة قتلت مشاعره حيث قضى آخر 20 سنة من عمره في مصح للأمراض النفسية في فرنسا لم يكتب خلالها ولم يلحن ولم ينطق بكلمة واحدة. يعتبر كوميتاس الفنان الذي أنقذ الموسيقى الأرمنية حيث قام بدراساته العليا في ألمانيا تعمّق فيها بالتراث الموسيقي الأرمني ووثّقه. كما درس موسيقى الشعوب المجاورة للأرمن كالعربية والتركية والجورجية والكرديّة والإيرانيّة ممّا ساعده على تحديد هوية الموسيقى الأرمنية. تصوّروا ما كان يمكن أن يقدّمه كوميتاس للتراث الأرمني وللعالم خلال سنواته الأخيرة. برأيي أن حالة كوميتاس تعتبر أكثر مثل يجسد فظاعة الإبادة التي حصلت بحق الشعب الأرمني.

*كورال الفيحاء برئاسة المايسترو باركيف تسلاكيان استطاع أن يترك بصمات كبيرة ومازال في مسيرة رفع اسم لبنان وطرابلس في المحافل الموسيقية الدولية والعربية والمحلية، فأضحى معلماً من معالمه الفنية الراقية، هل لكم أن تحدثنا عنها؟

في العام 2000 أتيت إلى طرابلس لأول مرة مع كورال كوميتاس لإحياء حفلة للجالية الأرمنية هناك. بعدها دعينا مجدداً للمشاركة في مسابقة للكورالات عام 2001، حيث حصدنا الجائزة الأولى كأفضل كورال في لبنان. بعدها مثلنا لبنان في المهرجان العربي للغناء الجماعي أيضاً في طرابلس عام 2002 حيث سمّي كوميتاس بأفضل كورال عربي رغم أن برنامجنا كان من التراث الأرمني مع أغنية واحدة باللغة العربية وقد كنا الفريق الوحيد الذي غنى على طريقة الأكابيلا (أي من دون آلات موسيقية). من هنا نشأت علاقتي مع جمعية تشجيع الموسيقى والفنون الجميلة في طرابلس وطلب مني إنشاء كورال مماثل لكوميتاس في المدينة.

أسست كورال الفيحاء عام 2003 من لا شيء، حيث كان مفهوم الكورال وخاصة الأكابيلا جديد جداً على المجتمع الطرابلسي. لمست في شعب طرابلس حباً وإيماناً وإصراراً جعلني أبني معهم أحلاماً كبيرة. كما تعرّفت على الموسيقى العربية وتعمقت بها وما زلت، وأنا اليوم عاشق لأصالتها، وأحملها سلاحاً لإظهار الوجه الحضاري الحقيقي للبنان والعالم العربي.

وكورال الفيحاء كما يصفه البعض، هو نموذج عن لبنان مصغّر: يضم شبان وشابات يمثلون المجتمع اللبناني بكافة إنتماءاتهم الدينية والسياسية والإجتماعية…

وقد ساعدت هذه الفرقة على نشر مفهوم الكورال في لبنان والعالم العربي وكانت السبب في ولادة العديد من الكورالات في كافة المناطق اللبنانية والبلدان العربية كالأردن وسوريا ومصر والمغرب وحتى دول الخليج العربي.

إنجازات كورال الفيحاء كثيرة: فمنها الحصول جائزة أفضل كورال وأفضل مايسترو في العالم ضمن مهرجان وارسو الدولي للغناء الجماعي 2007. والمرتبة الثانية في نفس المهرجان عام 2005. بالإضافة إلى تمثيل لبنان والوطن العربي في أهم المهرجانات الدولية في العالم حيث زار إلى اليوم أكثر من 20 بلد.

أما الإنجاز الأكبر للكورال فهو اعتباره مدرسة جديدة للغناء الجماعي في العالم من قبل أهم المؤسسات والمنظمات الكورالية الدولية، ومنها: المنظمة الدولية للغناء الجماعي، ومجمع الكورالات الأوروبية “وكورال الفيحاء هو استثنائياً الكورال العربي الوحيد فيها” وغيرهم من المنظمات العالمية في المجال الموسيقي. وقد اعتبر الكورال مدرسة جديدة لأنه يؤدي التراث العربي موزّع على طريقة الأكابيلا لأول مرة مع الحفاظ على اللون الشرقي للأغاني. ولا بد هنا من شكر للموسيقي “إدوار طوريقيان” الذي قام بتوزيع معظم أغاني الكورال.

*ما تعرض له الأرمن من إبادة، إلى أي مدى العذاب والشقاء يخلق النجاح، برأيك؟

الفقر نعمة. هذا ما أقوله دائماً وأؤمن به. عندما تهجّر ما بقي من أرمن من بيوتهم وأراضيهم، لم يكونوا يملكوا شيء. ولكن الشعب الأرمني معروف بالإصرار والإيمان باستمرارية الحياة. وجوابي على هذا السؤال سيكون ترجمة مقولة للكاتب الأرمني المعروف ويليام سارويان يقول فيها:

“أود أن أرى أي قوة في العالم تستطيع تدمير هذا العرق، هذا الشعب الصغير من الناس غير المهمين، وجميع حروبه خاسرة، وهياكله منهارة، وأدبه غير مقروء، موسيقاه غير مسموعة، وصلاته غير مستجابة. هيا، دمّروا أرمينيا. حاولوا إن كنتم تستطيعون ذلك. أرسلوهم إلى الصحراء دون خبز أو ماء. إحرقوا منازلهم وكنائسهم. ثم انظروا إن لم يضحكوا ويغنوا ويصلوا من جديد. لأنه عندما يجتمع اثنان منهم في أي مكان في العالم، انظروا إن لم يخلقوا أرمينيا جديدة.”

“I should like to see any power of the world destroy this race, this small tribe of unimportant people, whose wars have all been fought and lost, whose structures have crumbled, literature is unread, music is unheard, and prayers are no more answered. Go ahead, destroy Armenia . See if you can do it. Send them into the desert without bread or water. Burn their homes and churches. Then see if they will not laugh, sing and pray again. For when two of them meet anywhere in the world, see if they will not create a New Armenia.”

*هل تؤمن بأن الإعتراف بالإبادة الأرمنية سيحصل؟

طبعاً سيحصل! هناك جهود كبيرة يقوم بها الأرمن على كافة الأصعدة وفي كل العالم للتذكير بالإبادة والضغط على المجتمع الدولي للإعتراف بها.
منذ شهرين كنت في العاصمة الأرمينية ييريفان لتنسيق حفلة غنائية لفريق ييريفان تشامبر كواير التابع لوزارة الثقافة الأرمينية بعنوان “شكراً عرب”. أقيم هذا الحفل كعربون شكر للدول العربية التي استقبلت اللاجئين الأرمن الذين هجروا من وطنهم على أثر طغيان الدولة العثمانية والحكم التركي. قدم الفريق أغاني من التراث العربي (اللبناني والسوري والخليجي والمصري والعراقي…).

وفي العام 2012، نهار 24 نيسان الذي يصادف ذكرى الإبادة الأرمنية، تصادف وجودي في اسطنبول للمشاركة في مؤتمر موسيقي نظمه المجلس الاوروبي للموسيقى. وهناك دعيت للمشاركة في اعتصام في الساحة الرئيسية في اسطنبول، “ساحة تقسيم”، للمطالبة في الإعتراف بالإبادة الأرمنية من قبل الدولة العثمانية. وقد تفاجأت عندما وجدت أن المعتصمين الذين تعدوا الألفي شخص، كانوا جميعاً من الطبقة المثقفة في تركيا، جميعهم من المواطنين الأتراك: فنانين، صحفيين، أدباء، مجتمع دولي… كلهم يعترفون بالإبادة ويضغطون على الدولة للإعتراف بها دولياً كمحاولة لتصحيح الخطأ الذي ارتكبته الدولة العثمانية بحق الشعب الأرمني ولتحسين صورة تركيا اليوم في العالم.

*ما هو الحلم الذي لم تحققه بعد؟

كأرمني متمسك بقضيتي أحلم بأن انشر التراث الموسيقى الأرمني في كل العالم. وكلبناني أحلم بتطوير الموسيقى العربية والإرتقاء بها إلى قمة الكمال. ولكن كما قلت سابقاً لا وجود للقمة في الفن. وأنا أخشى أن يكون عمري قصيراً جداً لإنجاز ما أتخيله في الموسيقى.
*الكلمة الأخيرة؟

كلمتي الأخيرة هي للمواطن العربي عامّة واللبناني خاصة. كما تعلمون إن الشعب الأرمني متهم بالتعصب، لأن الأرمن يتكلمون لغتهم وأينما ذهبوا يعتبرون ان اللغة الأرمنية هي اللغة الأم. أقول لكم ان الحفاظ على اللغة هو أساس الحفاظ على التراث والوطن والأرض. نحن الأرمن نحمي قضيتنا وتراثنا بالتمسك بلغتنا، أما نحن العرب واللبنانيون فماذا نفعل بلغتنا العربية التي نفتخر بأصالتها؟ برأيي أن المجزرة الأكبر التي تحصل اليوم بحق العرب ليست بالحروب ولا بقتل المواطنين واحتلال الأراضي فقط، بل هي بالتشويه الذي نحدثه في لغتنا العربية. أن يتقن الإنسان عدة لغات، هذا من دون شك تحضّر وغنى، ولكن أن يدخل في لغته كلمات من عدة لغات غالباً لا يتقنها، هذا يعتبر تخلّف واستخفاف بحضارة وطن، لا بل أمة: فالأرض بلا مواطن ليست وطن، والإنسان من دون إنتماء ليس بمواطن، والإنتماء يخلق من التراث، والتراث يبدأ باللغة. بالنتيجة، إذا نسينا لغتنا، لا يعد لدينا إنتماء ولا وطن! وأخيراً وليس آخراً أوجه كلمة للشعب اللبناني: لا تنسوا أن تمثال الشهداء في وسط بيروت هو للتذكير بفظاعة طغيان الدولة العثمانية التي أعدمت مثقفي لبنان!

فريال دبوق 

مجلة “كواليس” اللبنانية، عدد خاص عن الذكرى الـ99 للإبادة الأرمنية

Leave a Reply

Your email address will not be published.