رقصة أرمنية

(سأل أحد الحكماء الأشجار:لماذا تمتد جذورك في باطن الأرض كلّما ازداد طولك؟، فأجابت الأشجار: كيف لا تعرف وأنت الحكيم؟ بأننا لا نستطيع مقاومة الرياح ونحن نحمل كل هذه الأغصان، إذا لم تكن جذورنا في أعماق الأرض. ألا ترى تلك النباتات كيف تقتلعها الرياح لأنها لا جذور غائرة لها في الأرض..). هذا “مثل أرمني”.

لدي أصدقاء كثر من الطائفة الأرمنية في الأردن، منهم نرسيس نرسسيان رئيس اللجنة الثقافية في النادي الوطني الرياضي..

دعاني أصدقائي لحضور حفلة تحييها فرقة “شوشي للرقص الأرمني”، وهي فرقة تأسست عام 1992 في نيويورك، وتضم 135 راقصا وراقصة، وعدد من الفنانين، وتأتي هذه الفعالية في عام 2010 الذي اعتبرته منظمة “اليونسكو” عاما دوليا لتقارب الثقافات. وذهبت فعلا الى مركز الحسين الثقافي في أمانة عمان، والقيت التحية على أمين عام وزارة الثقافة، الأستاذ والشاعر “جريس سماوي”، وتساءلت عن سبب تأخره لافتتاح هذه الفعالية الثقافية، التي تتم برعاية وزارة الثقافة وبإشراف وتنسيق من النادي الوطني الرياضي، فقال لي “جريس”: لم نتأخر أبدا، فأيقنت أنني أنا والجمهور الكبير من حضروا بوقت سبق الافتتاح بساعة كاملة، وهذا دليل يؤكد بأننا نحب مشاهدة شيء يعبر عن الثقافة الأرمنية الراسخة في الأدب الإنساني.

لا أفهم اللغة الأرمنية، لكنني استمتعت جدا باللوحات التي قدمتها تلك الفرقة البارعة، وعلى الرغم من أن الموسيقى لغة الشعوب، ولا نحتاج لمترجم لنفهم إيحاءات حركات راقص أو راقصة فولكلورية، على الرغم من ذلك تطوعت صديقة لتقديم ترجمه فوريه لي، كانت تبادرني بالهمس ترجمة لبعض الفقرات والكلمات والقصص والرقصات..

رأيت في عيون الحضور دموعا وحنينا، وظهرت على بعض الوجوه الرقيقة آثار خفقات قلوب، تنطلق كلما استدعى جذر الشجرة أغصانها، ما أروع أن تكون شاهد عيان على قصة حب عتيقة، تجمع بين أبناء ثقافة هاجروا يوما وابتعدوا عن الدار، لكن حنينهم تحوّل الى أيدْ، امتدت برفق ورقة ورسمت شموعا على جدرانها، ما لبثت أن أنارت بنور حقيقي.. وهذا دليل على أن للأرمن ثقافة حيّة، تتمتع بوافر إشعاع يستمتع به صاحب الذوق الانساني الرفيع..

فرقة “شوشي” بارعة جدا، وتحمل رسالة ثقافية إنسانية ، تقدمها للشعوب من خلال فنانين وفنانات وموسيقيين وراقصين وراقصات، على درجة كبيرة من الجاهزية والتميّز ، أمتعونا ، وأضاؤوا قلوبنا وعقولنا برقصاتهم وأغانيهم وموسيقاهم المؤثرة، ورفعوا العلم الأردني وغنوا للأردن وللملك بنفس درجة الصدق والبراعة، فشعرت أنني أمام فرقة رقص شعبي أردنية..

يحق لنا كأردنيين أن نعتز بتنوع ثقافتنا وشمولها لجذر نظيف من شجرة أرمنية، ويحق لنا أن نتغنى بدفء الأردن وبثرائه الثقافي، ويجق لنا أن نفخر بقيادتنا الأردنية التي جعلت من الأردن مثالا للتآخي بين الأديان والشعوب والثقافات..

وأنا أيضا يحق لي أن أعتز بأصدقائي الرائعين .. وأتعهد بأن لا أغيب عن فعالية ثقافية تتعلق بالطائفة الأرمنية الأردنية، لا أنوي الغياب مطلقا فأنا أردني يحبّ الأرمن.

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الدستور

التاريخ : 05-07-2010

http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\OpinionAndNotes\2010\07\OpinionAndNotes_issue998_day05_id249022.htm

Leave a Reply

Your email address will not be published.