انتكاسة مبكرة للطموحات التركية : العراق وغزة نموذجاً… ولبنان احتمالاً

فجأة بدأت تتصدع صُور الحضور التركي الداهم والمفاجئ في المنطقة بصفته بديلاً من كل شيء، بديلاً من الإخفاقات الرسمية العربية، وبديلاً من الغياب الأميركي، وبديلاً من الإسلام الراديكالي… وكان أن اعتنق بعضنا بسرعة قياسية نظرية رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان حول انبعاث الدولة الإقليمية بعد فشل تجربة القطب الواحد.

لم يتنبه معظمنا الى حقيقة ان هذه الطموحات كبيرة إلى حد يعوزها وقت أكثر وجهد أكثر حتى تُعقد. ويبدو أن الأتراك أنفسهم فاتتهم حقيقة ان سعيهم الى ذلك الموقع لن يصل الى الخواتيم التي يرغبونها بخطوات يعوزها التمهل، وأحياناً الحكمة. فقد بدا أردوغان في الكثير من خطواته مدفوعاً بنشوة الإنجاز السريع، واحتاج أحياناً الى نصيحة سورية بالتمهل، نظراً الى حاجة الأخيرة الى جسور قبل حاجتها الى أحمدي نجاد ثانٍ.

تحرك الأتراك الجدد في اتجاهات مختلفة. في الموضوع الفلسطيني أرسلوا «فلوتيلا»، وفي الموضوع العراقي كانوا عرابي القائمة العراقية التي يتزعمها اياد علاوي، وفي لبنان لم تخلُ تسوية الدوحة من بصمات أردوغانية. في البلقان أجروا تغييرات جوهرية على موقعهم هناك، فاقتربوا خطوة من صربيا من دون قطع حبل السرة مع المسلمين البوشناق والألبان الذين طالما شعروا بأن تركيا هي خلفيتهم الثقافية والاجتماعية.

طبعاً من الصعب إطلاق حكم واحد على الحركة التركية المتعددة الاتجاهات والوظائف، لكن المشترك الوحيد فيها يتمثل في تغيير في الطموحات ترافق مع استعجال في جني الثمار، خصوصاً أننا نتحدث عن وظيفة حددتها طموحات جهة تشتغل على وقع ظرف داخلي يُملي الاستعجال. فأردوغان معني وفي شكل متواصل في استثمار طموحاته في الداخل التركي، وفي علاقته مع المؤسسة العسكرية التركية، ثم ان تكريسه أيقونة إسلامية خارج تركيا لن يفيده على الإطلاق اذا لم يترافق ذلك مع شيء مشابه في تركيا نفسها.

لكن الحقائق في مساحة التحرك التركي ثقيلة، ونظرية الدولة الإقليمية لن تنجح اذا ما كانت محفوفة بطموحات قد ترقى الى عثمانية جديدة. ويبدو ان غروراً أصاب النظرية ودفعها الى تجاوز القواعد التي من المفترض ان تتقيد بها، فبدأت تلوح ملامح انتكاسات، يبدو أن العراق سيكون مسرحها الأول. لكنها انتكاسات قد تبدو مفيدة أو تقويمية، ويحتاجها اللاعب التركي في سياق تحسسه الأرض التي يعمل عليها.

نعم، سيكون انبعاث نوري المالكي مجدداً بصفته الخيار الأبرز لرئاسة الحكومة في العراق انتكاسة للطموحات التركية، لكن هذا الانبعاث لن يلغي حقيقة تتمثل في ان ثمة تغييراً في المشهد العراقي كرسته ظاهرة ساهم الأتراك في بلورتها، هي ما تمثله القائمة العراقية بزعامة اياد علاوي، وهي التي ستتولى تخريج المشاركة السنّية في الحكم. فقد كان لافتاً في الحركة التركية التي سبقت الانتخابات العراقية ان التفويض العربي الذي أعطي للسفير التركي في بغداد في المساعدة على صياغة القائمة العراقية يستبطن طموحين: الأول ايجابي ويتمثل في الرغبة بالمشاركة، والثاني غير واقعي ويتمثل في الاعتقاد بإمكان تحقيق تقدم على الموقع الإيراني في بغداد في ظل انكفاء أميركي غريب ومريب.

تحقق للأتراك ومن ورائهم العرب الطموح الأول، وجزء طفيف من طموحهم الثاني، اذ إنهم سيكونون الشريك الأصغر في الحكومة العراقية العتيدة. ومرد إخفاقهم في انجاز طموحهم الثاني هو تسرع أفضى بهم الى عدم إدراك حقيقة التركيبة في العراق بعد 2003.

في الموضوع الفلسطيني لم تتبلور بعد الوجهة التركية، فماذا بعد «فلوتيلا»؟ لا جواب لدى أنقرة بعد باستثناء استمرارها بطلب اعتذار اسرائيلي! أما قبل «فلوتيلا» وفي أثنائها فظهرت ملامح انفكاك للحلف الذي عُقد في العراق وشكل القائمة العراقية. فـ «فلوتيلا» أوحت بأنها تجاوز لمصر واقتراب من ايران، كما أنها طرحت تساؤلات عن اقتصار الحركة التركية على مخاطبة حركة حماس واستبعاد رام الله عن طموحات الحضور التركي المستجد. لكن يبدو أن وضوح الانتكاسة في الحالة العراقية يمكن تفاديه في الحالة الفلسطينية، اذ ان أردوغان بادر في أعقابه باتجاه مصر، ولم يذهب الى مزيد من الـ «فلوتيلات» التي أغواه في طلبها أحمدي نجاد.

في لبنان ثمة موعد قريب لاختبار الموقع التركي. فإذا كان «الطائف» بمثابة تفويض عربي وأميركي للسوريين في ادارة التوازنات الداخلية اللبنانية وفي صياغتها، فإن «الدوحة» هو شيء من هذا القبيل مع استبدال الأميركيين بالأتراك. تسوية الدوحة مهددة باستحقاق القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وقدرة السوريين على ضبط الوضع هو مؤشر يمكن عبره قياس القدرة التركية الراعية من دون شك النفوذَ السوري المستجد في لبنان.

«أردوغان الحالم»، على نحو ما يُقدمه أنصاره الجدد من العرب والمسلمين، لا يكفي لنوع الطموحات التي صورت، والتي يبدو ان أفقها غير مسدود. صحيح ان ثمة مساحة للتحرك، هي نفسها تلك التي أخلاها الأميركيون، لكن شغلها يحتاج الى ما هو أكثر من الأحلام، وأكثر من الوقت الذي يفصلنا عن الانتخابات في تركيا. والغريب ان واقعية أنقرة في البلقان، وشعورها بضرورة الاقتراب من الخصوم التقليديين لها هناك، لم يكن هو نفسه في قضايا الشرق الأوسط، وهو أمر يولد مخاوف تتمثل في احتمال ان يكون هذا التفاوت جوهرياً، اذ ان اردوغان واقعي في البلقان لأنه يخاطب بواقعيته واقعية موازية هناك، فيما هو يستمد «احلامه» في بلادنا من صور احمدي نجاد واسماعيل هنية.

كرر الرئيس السوري بشار الأسد قبل أسبوع قولاً كان قاله قبل أشهر، ويتمثل في «أننا نحتاج تركيا وسيطاً». تركيا ما بعد «فلوتيلا» عاجزة عن لعب هذا الدور، كما أنها عاجزة عن استيعاب الموقف في ظل المواجهة. هذا في الموضوع الفلسطيني. وفي الموضوع العراقي فإن لقاءات مقتدى الصدر في دمشق والتي لم يغب عنها داوود أوغلو، مثلت اعترافاً بالحضور الإيراني الكبير في المعادلة العراقية. الوقت كفيل بمزيد من الترشيد، وان كان لا يخدم طموحات رجل يشتغل على وقع زمن يفصل بين محطتي انتخابات. الدول «الإقليمية» انتزعت أدوارها وفق منطق آخر.

حازم الأمين

الأحد, 25 يوليو 2010

http://international.daralhayat.com/internationalarticle/165865

Leave a Reply

Your email address will not be published.