مريم بطرسيان نجمة جديدة في سماء الأدب الأرمني

إن الكتَّاب الذين يكتبون باللغة الروسية، ويقيمون خارج روسيا، غير معروفين كثيراً في هذا البلد، لكن الوضع يختلف بالنسبة للكاتبة الأرمنية الشابة مريم بطرسيان. فروايتها (في البيت الذي…) وضعت على لائحة المرشحين للفوز بالجائزة الوطنية (الكتاب الكبير) عام 2009، وفازت بها هذا العام!
هذا يثير الدهشة والاستغراب الشديدين، لأن مريم ليست كاتبة محترفة، بل فنانة تشكيلية متخصصة بالرسوم المتحركة، ولدت عام 1969 في العاصمة الأرمنية يريفان. وفي العام 1988 أنهت المدرسة الفنية باختصاص مصمم ديكور.. بدأت العمل في ستوديو (الفيلم الأرمني). ومن ثم انتقلت إلى قسم تصوير أفلام الصور المتحركة. سافرت بعد ذلك إلى موسكو، وعملت لمدة عامين متتالين في ستوديو (الاتحاد السوفييتي لأفلام الأطفال).. عادت عام1995 إلى ستوديو (الفيلم الأرمني)، وبقيت تعمل هناك حتى العام 2007.

كرست روايتها هذه لسبر أغوار حياة أطفال معوقين يعيشون في مدرسة داخلية. وهي الأولى والوحيدة لديها، وقد استغرق إنجازها عشر سنوات!

تقول مريم بطرسيان (كُتبت الرواية في العام 1997 تقريباً. أما الصيغة الأولى منها فكتبت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.. بدأتُ الكتابة عن بيت المعوقين عندما كنت بعمر أبطاله.. لقد رسمتهم قبل أن أكتب عنهم، لذلك فإن الفكرة والأبطال أكبر عمراً بكثير من عمر الكتاب نفسه!
تلك الصيغة الأولى نضدتها على الآلة الكاتبة، ووضعت الرسوم لها، وأعطيتها للتجليد.. أصبحت بالحجم والوزن أقرب إلى القاموس الموسوعي، لأن الآلة الكاتبة لا تمكنك من التحكم بالنص والطباعة على طرفي الورقة.. كذلك غابت الخاتمة عنها.. كانت القصة الحقيقية أكثر كآبة وحماسة ودموية مما كتبتُ.

عدت للنص بعد خمس سنوات، لأكتب الصيغة الثانية لها.. بعد ذلك كتبت الثالثة. وهي جميعها مختلفة، لكنها تحتوي على مشاهد كثيرة مشتركة (…) وصلتْ الرواية بعدئذ إلى موسكو، وارتحلت كثيراً، واختلطت أوراقها، حتى وقعت في الأيدي التي كان يجب أن تقع فيها.. كل شيء يحدث عندما يجب أن يحدث.

تقول أيضاً (كتبت هذا الرواية لنفسي، وأهم شيء كان بالنسبة لي هو أن تعجبني أنا بالذات!.. كذلك كان هناك حساب للناس المقربين جداً، إذ تراءى لي – في البداية – أن نطاقهم ضيق ومحدود، في حين ظهر أن عدد هؤلاء الناس، الذين يمكنهم أن يكونوا ضمن هذا النطاق، كبير جداً).

وعن سؤال إذاعة (صوت روسيا) (ما الذي دفعكِ إلى الكتابة؟)، أجابت (على الأغلب الحالة الاقتصادية غير المستقرة في أرمينيا بتسعينيات القرن الماضي، حيث الانقطاع المستمر للكهرباء، وجلوس أغلب الناس في بيوتهم، وتوقفهم عن العمل.. كثير منهم راح يشتغل بأعمال لم يمارسها من قبل.. كانت الحياة مملة جداً!

بدأتُ الكتابة كهواية، وكانت حينذاك عبارة عن لقطات. وبما أني أردت أن تصبح مجرَّدة نوعاً ما، وبعيدة عني، ولا تملك أية علاقة بالواقع الذي أحاط بي، نتج هذا المؤلف.. هذا الفضاء المغلق.

صممت مريم بطرسيان الحياة – في روايتها – على أنها خاضعة لقانون الغاب.. الحياة التي تسعى الإنسانية المسيطرة جاهدة لتحقيقها في الواقع.. هذه الحياة القطيعية ستسود في المستقبل مع تراجع قيم الجمال والأخلاق فيها، وتقدم قيم الاستهلاك والانصهار الهلامي للبشر الذين لا يملكون شيئاً معرفياً محسوساً!

يشتد الصراع في الرواية بين القوة والضعف، الفرد والجماعة، البساطة والتعقيد… مريم بطرسيان لا تفصل التأويل القاسي لصورها الأدبية العالم الحقيقي لا يتقبل أبطالها، ليس بحكم قدراتهم الجسدية، بل بمقتضى قدراتهم الروحية.. بسبب صراحتهم غير العادية، وذاتيتهم الفريدة… إذن يبقى البيت هو الأمل الأخير، والقشرة الرقيقة التي تدافع عن ساكنيه!

ترى مريم بطرسيان أن (القصور البدني لأبطال الرواية هو شرط ضروري من أجل تقوية موضوع عزلة الإنسان عن العالم!). فقد ذكرت أن البيت يمثل بالنسبة لها (فضاء يوتوبياً، حيث توجد قداسة الصداقة، والمعاشرة المغلقة..، وتتشكل الخلايا الأسرية. داخل البيت يجسد مرحلة الشباب، أما خارجه – عالم الكبار.. وتكمن الصعوبة في الانتقال من الطفولة والشباب إلى حالة النضوج والرشد، عندما يُنتزع (يُقتلع) الإنسان من الأشياء التي يحبها.. بعضهم يفسر هذا بشيء مختلف ربما كان هذا انتقالاً من الحياة إلى الموت.. ويمكن فهمه بهذه الطريقة أيضاً).

وضع عدد كبير من النقاد والقراء الرواية ضمن إطار الواقعية السحرية أو الغرائبية الفلسفية، رغم أننا لا نستطيع وضعها في إطار أدبي محدد، لوجود أنواع أدبية كثيرة فيها.. كذلك تزخر الرواية بعناصر الفنتازيا، وتخضع لتأثير كُتَّاب مشهورين يكتبون في هذا النوع الأدبي، أمثال ستيفان كنغ، الإخوة ستروغاتسكي، لويس كيرول…

صرح سيرغيه تشوبرينين، رئيس لجنة التحكيم، مؤكداً أن (المادة تراجيدية، لكن الفنية الحقيقية تظهر في معالجتها.. وهذا بالذات هو الذي جذب المحكمين!). كذلك أضاف (أمامنا عمل فني بديع، حيث المبالغة الفنية الساخرة لا تعيق تماماً قربه من الواقع. أما التركيب المعقد للشكل التأليفي، فيساعد على كشف المشاعر الطبيعية الصادقة لأبطال الرواية، وللكاتبة الشابة).

فاز بالجائزة الوطنية هذا العام، إضافة إلى مريم بطرسيان، كل من الشاعرة ماريا تيماتكوفا (الولايات المتحدة الأمريكية)، الكاتب عليشير نيازوف (قرغيزستان)، الشاعرة والمختصة بفقه اللغة أليسا رودياغينا (ملدوفا).

فوز رواية (في البيت الذي… ) بالجائزة الوطنية الروسية وضع مؤلفتها على درب جديد، سينفتح يوماً على عالم مشرق وضاء، لتختفي مخاوفها – مخاوفنا من الغد التراجيدي الدموي الذي ينتظرنا.. وأنا متأكد أن اسم هذه النجمة الصاعدة سيضاف قريباً إلى أسماء لامعة أخرى رصعت سماء الأدب الأرمني – الروسي!

بقلم: د. علي حافظ

النور 444 – 14/7/2010

Leave a Reply

Your email address will not be published.