التمرد العربي العام لأجل تحديث المجتمع العربي…مسار الحداثة في المجتمع العربي وبوادر نجاحه

نعتبر أنفسنا شهود عيان على أحداث تاريخية عالمية جرت خلال فترة الثلاث سنوات الأخيرة بين 2011-2014، شهدتها مساحة كبيرة تمتد من المحيط الهندي وحتى المحيط الأطلنطي عرفت في علم الاستشراق بمصطلح (العالم العربي).

يقسم العرب والمستعربون تلك المنطقة إلى قسمين: الشرق العربي أو كما يسميها العرب (المشرق) الذي يتوافق مع المساحة الجغرافية (الشرق الأوسط) حالياً، والمغرب العربي أو (المغرب) الذي يشمل البلاد العربية في شمال إفريقيا.

في نهاية القرن العشرين، وبعد زوال سيادة المستعمر تشكلت 18 دولة عربية مستقلة، وهي الجزائر والإمارات والبحرين ومصر واليمن وتونس والعراق ولبنان وليبيا وقطر والأردن وموريتانيا والغرب والسودان وسورية والسودان والكويت وعمان، وكذلك دولة فلسطين التي تقف على أعتاب تحولها إلى الدولة المستقلة التاسعة عشرة. وفي هذه المنطقة، في تلك الدول الـ19 اندلعت ثورة وطنية وسياسية واجتماعية في بدايات عام 2011 واستمرت حتى اليوم.

لكن ما شكل الأحداث، وما أسبابها؟ لا رأي موحداً حول الشكل، البعض يرون تلك الأحداث أنها شغب أو تمرد، والبعض يرونها أنها محاولة انقلاب، أو مؤامرة إسلامية قامت بتنظيمها المنظمة الدينية السياسية المتطرفة جماعة الإخوان المسلمين، وهناك آراء أخرى تؤمن بتدخل دول أجنبية.

هل هو ربيع أم دم؟

وفي الفترة الأخيرة، بات وصف تلك الثورة العربية بـ(الربيع العربي) أكثر عصرية، رغم أن الأحداث بدأت في شهر كانون الثاني، ورغم أن مستوى الدموية وحجم القتل لا يتناسب إطلاقاً مع الفصل الجميل من العام. فتلك الآراء والأفكار بعيدة كلياً عن الحقيقة، وعن التوصيف العلمي لتلك الظاهرة التاريخية المهمة. ونحن لا نشاطر تلك الآراء.

إن تحليل الأحداث ومقاربتها تؤدي بنا إلى خلاصة بأن ما يجري في العالم العربي خلال السنوات الثلاث الماضية ليست إلا ثورة عربية شاملة من أجل تحديث المجتمع العربي.

أما ما يتعلق بالأسباب، فعادة ما يتم التشديد عليه هو العناصر الاقتصادية والاجتماعية. من السذاجة تجاهل تلك العناصر، لكنها لن تصل إلى ذلك الحد، ولن ترقى لتكون سبباً للثورة الشاملة.

وخاصة أن عدداً من الدول العربية مثل ليبيا وتونس والكويت أو البحرين، إضافة إلى السعودية والإمارات، لم تكن تتنازل أبداً للدول المتقدمة بحجم الواردات والمستوى المعيشي، أما الدول العربية الأخرى فقد اقتربت من ذلك المستوى أو في طريقها إلى ذلك.

إذاً أساس الموضوع هو أن ذلك ليس السبب الأساس، بل نتيجة لظواهر أخرى ينبغي توضيحها من أجل فهم الثورة العربية الحديثة. في رأينا لم يتمكن علم السياسية الحديث من الإجابة، ووقع في مأزق. عن ماذا نتحدث؟

بعد النضال العنيد

بعد الحرب العالمية الأولى، تحررت البلاد العربية من نير العثماني الذي دام نحو 402 عام (1516-1918م) لكنها لم تحصل على الاستقلال. وظهرت تحت الانتداب الأوروبي بوضع محميات وبلاد تحت وصاية.

حينها بدأ في البلاد العربية النضال الطويل والعنيد من أجل الاستقلال السياسي الذي دام أكثر من 50 عاماً، وانتهى بالانتصار في السبعينيات عندما انتهت الوصاية الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية في البلاد العربية، وظهرت على الخريطة السياسية 18 دولة عربية سيادية، حيث كان نضال العرب على جبهة موحدة. وأصبحت تلك المرحلة المذكورة مرحلة تطور الوعي الذاتي الوطني السياسي.

وقـُدر لجيل العرب الذي تشكل في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تقديم الامتحان التاريخي أي التخلص من نير الاحتلال، ونجح بامتياز، دون أن يتمكن من فعل المزيد.

وبعد الانتصار السياسي برزت أمام العرب بشكل حاد قضية اتجاه التطور المستقبلي، فبأي اتجاه يجب التوجه؟

في البداية توقفت في هذه المرحلة المصالحة السياسية عند العرب، وفي قضية اختيار التوجه للتطور المستقبلي، برز أمام البلاد العربية ثلاثة أشكال أو احتمالات: الأول- التوجه الرسمألي، الثاني –التوجه الاشتراكي، والثالث -التوجه الإسلامي.

واختارت أغلبية الدول العربية التوجه الرأسمالي، ولذلك لم يحدث ابتكار نموذج عربي خاص، بل اندرج ضمن إطار النموذج الرأسمالي العام، مع الحفاظ على حقوق كبار الاقطاعيين العرب. واختارت مصر وسورية والعراق واليمن والجزائر وليبيا وتونس والسودان التوجه الاشتراكي للتطور، وينبغي عدم الخلط بينه وبين الاشتراكية.

على حين باتت السعودية النموذج الكلاسيكي الذي اختار التوجه الإسلامي للتطور، والتي تعتبر دولة دينية ودستورها هو كتاب المسلمين القرآن.

حيث يرفض هذا التوجه التوجهات الرأسمالية والاشتراكية الأخرى، ويلتزم بالقرآن والشريعة والمبادئ الدينية القانونية للمذاهب، والتقاليد الإسلامية. ويؤمن أصحابها أن هذا النموذج يتوافق مع التطلعات التاريخية للعرب المسلمين، ويمكن أن تنشر السعادة للعالم العربي. إلا أن النماذج الثلاثة لم تتمكن من تحقيق آمال العرب.

مهام مابعد الاستقلال

فالجيل القديم من العرب لم يتمكن من تنفيذ المهام الجديدة في فترة ما بعد الاستقلال، لأسباب تعود إلى المستوى المتدني من التطور والتعليم، وطريقة التفكير والنفسية الخاصة بتلك الدول التي تتسم بعلاقات خاصة والملتصقة بتقاليد عربية قديمة والبنية القبلية.

من أجل حل المشاكل الملحة أمام الدول العربية كان يتطلب قوى جديدة. وتم حل هذه المشكلة المعقدة بشكل مبسط عبر تغيير الأجيال، وتسلم الجيل العربي الجديد قضية حل المشكلة التاريخية في تحديث المجتمع العربي.

بعد الاستقلال لم تجر في البلاد العربية تغييرات جذرية للأنظمة، ما أسهم في الانتقال من نظام القيم للقرون الوسطى إلى نظام حديث، حيث جرت تغييرات شكلية في بعض الدول من انقلاب لأنظمة أحادية وتأسست أنظمة جمهورية، وتشكلت برلمانات، وبرزت أحزاب في الساحة السياسية إلخ. لكن كان من الصعب أن يخلق كل ذلك تغييرات حديثة منظمة وجذرية وعميقة، لأن القوى التي أتت إلى السلطة لم تضع أمامها تلك القضايا.

لكن لماذا استطاع الجيل الجديد خلافاً للجيل القديم أخذ المبادرة وقاد حركة تحديث البلاد العربية، وحرك ملايين من الناس ضد الأنظمة القائمة؟:

أولاً: الجيل العربي الجديد خلافاً للجيل القديم حاصل على مؤهلات علمية عليا، ولم يتخرج من مدارس القرون الوسطى حيث تطغى عليها القيم الدينية، ويتربى الطلاب على الإطاعة الدائمة والقيم الدينية السائدة في القرون الوسطى، ففي المدارس المدنية تقدم المعلومات ويحصلون على تربية بمستوى آخر. لقد ولى عهد المدارس كمراكز أساسية للتربية العامة. فطلاب المدارس المدنية يحصلون على معلومات أكثر ويقيمون الأمور دون قيود ويتقبلون الحداثة.

ثانياً: الجيل العربي الجديد استفاد جيداً من التعليم العالي في جامعات البلاد المتطورة. مئات الآلاف من الشباب حصلوا على التعليم العالي في جامعات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأميركا والاتحاد السوفييتي وغيرها.

فكانوا يرون الفرق الشاسع بين تلك البلاد وبلادهم من ناحية المؤسسات الحكومية والنظام السياسي والتعليمي والحياة المعيشية. فحملوا القيم الأوروبية، وتعرفوا إلى المناهج العلمية العالمية وسعوا إلى التغلب على الجهل في بلادهم وتحديث أوطانهم.

فتشكلت شخصية العربي المثقف والمتطور، ولم يعد ذاك الشخص البسيط والمطيع المطأطئ رأسه أمام الشيخ أو سيده. فهو مستعد لتنفيذ تغييرات جذرية لقيادة البلاد باتجاه الحداثة، حيث عاد هؤلاء المتخرجون إلى أوطانهم، وأصبحوا رواد القيم الجديدة.

ثالثاً: لعبت شبكة الانترنت دوراً استثنائياً، حيث دخل الجيل الجديد من العرب إلى معترك الحياة بالتوازي مع ظهور الانترنت التي أصبحت ثورة حقيقية.

وظهر الجيل الجديد من العرب في شبكة الانترنت، ضمن موجة قوية من المعلومات، وأصبح أكثر نضجاً، وتعرف إلى تغييرات العالم بشكل أفضل، وهنا تجلت حقيقة جهل البلاد العربية بشكل أوضح، ما أكد حتمية تحديثها أكثر. فأضحوا هم وموالوهم وأنصارهم الأكثر تأثيراً في بلادهم حتى الآن.

وأدى كل ذلك إلى المواجهة بين القوى المدنية المتشكلة حديثاً وأنصار المؤسسات السياسية والمجتمعية الحكومية البالية.

بين أنصار النخبة الحاكمة والناس

فانقسم المجتمع العربي، من جهة أنصار الأنظمة والمؤسسات القديمة، والنخبة الحاكمة التي تشكل أقلية، وتتصرف مع السكان مثل الفلاحين والبدويين في القرون الوسطى، ومن جهة أخرى أنصار الحداثة، ويشكلون أساس القوى المحركة للثورة، وهم الشباب المتعلمين والمستعدون للتضحية، وتناصرهم شرائح كبيرة من المجتمع التي تتزايد في توسعها.

وبات هدف هؤلاء إقامة نظام حكومي، إداري، اجتماعي، اقتصادي، ثقافي، على أساس مبادئ الحداثة، والتخلي عن الأحادية الملكية، وتبنّي نماذج حكومية مدنية على شاكلة الدول المتحضرة.

باتجاه الديمقراطية

من أهم القضايا أيضاً تسهيل العبور باتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتخلص من قيود العبودية من القرون الوسطى. من الضروري أيضاً قضايا تأمين حياة أفضل للشعب. للأسف، لا يمكنني في هذه المقالة توضيح كل التفاصيل، لذلك سأتوقف عند قضيتين مهمتين:

الأولى- قضية التخلص من نظام حكم بالي وتحديثه.

فبعد الاستقلال، تشكل بشكل تدريجي في البلاد العربية نظام حكم يعد سابقة في التاريخ.

بدأت الثورة العربية غير المسبوقة في تونس في كانون الثاني عام 2011، حيث ترأس الرئيس حبيب بورقيبة البلاد لمدة 30 عاماً بين 1957-1987، والذي ثبت نظام حكم استبدادي، حيث أعلن في عام 1974 رئيساً إلى الأبد، وحصل على لقب «الأب الروحي لتونس»، وبدأ تدريب ابنه ليحل مكانه. لكن بعد انقلاب رئيس الوزراء زين العابدين بن علي في عام 1987 حكم تونس بنفس الطريقة كسابقه، ولمدة ربع قرن حتى عام 2011.

ثار التونسيون المتعبون والمشمئزون في كانون الثاني 2011، فهرب بن علي من البلاد ولجأ إلى السعودية.

انتقلت الثورة كرد فعل متسلسل، وشملت الدول العربية الأخرى.

«الضحية» التالية للحداثة كان رئيس مصر حسني مبارك، الذي شغل منصبه مدة ثلاثين عاماً بين 1981-2011. وأدخل إلى البلاد حالة الطوارئ لمدة 30 عاماً. وكان يستعد لنقل رئاسته إلى أحد أبنائه جمال، لكن تلك الخطوة الأحادية فشلت. حيث أطاح المصريون الثائرون بحسني مبارك، وتم اعتقاله وسجنه، وحكم عليه بالاعدام، ثم استبدل فيما بعد بالسجن لثلاث سنوات.

بقي زعيم ليبيا معمر القذافي في سدة الحكم مدة 42 عاماً بين 1969-2011، حقبة زمنية كاملة. كان يستعد لنقل الحكم إلى أحد أبنائه سيف الإسلام. لكن الثورة أنهت كل شيء، ونتيجة وساطة بريطانية وفرنسية انحرفت عن مسارها، وأصبحت عملية لاصطياد القذافي، وانتهت بمشاهد مقززة للتعذيب العلني وتقزيم الكرامة الإنسانية، ما أثار موجة غضب ضد بريطانيا وفرنسا لتنفيذ العملية «الحضارية».

قاد الرئيس علي عبد اللـه صالح اليمن طوال 32 عاماً، الذي كان يسعى لنموذج توريث السلطة ويستعد لنقلها لابنه. أشبعت الثورة اليمن أيضاً، حيث كانت حالة الطوارئ تنفذ لسنوات طويلة. وجرت أحداث دامية في البلاد بين مناصري تغيير السلطة والنخبة القبلية من أنصار صالح. وأخيراً تم حل القضية بالتنازل المتبادل. ابتعد صالح عن السلطة مضطراً، أما الطرف المنتصر قام بمنحه هو وأنصاره ضمانات للحفاظ على حياته وممتلكاته.

كانت الأحداث تسير بالسيناريو ذاته في سورية. فحالة الطوارئ طبقت 48 عاماً منذ عام 1963 وحتى2011.

في عام 1970 انتقلت السلطة إلى حافظ الأسد، واستمر بالمنصب مدة 30 عاماً من 1970 حتى وفاته عام 2000. بعد ذلك انتقلت السلطة بشكل سلس نسبياً إلى نجله الدكتور بشار الأسد. الذي وفق الدستور السوري الجديد فاز بالانتخابات الرئاسية لمرحلة ثالثة في 3 حزيران عام 2014.

في الواقع، البلاد التي تتسم بالبنية الرئاسية يفضل أن تتبنى النموذج الأميركي في الحكم.

بالنسبة للبلاد العربية ذات الأنظمة الأحادية مثل البحرين وقطر والكويت، التي وقعت في موجة الحداثة بشكل أو بآخر، كان النموذج البريطاني مقبولاً، أي المسار الذي يتحول إلى دولة أحادية دستورية، والذي تجلى بشكل واضح خلال الأحداث الدموية بين 2011-2012 في البحرين.

من الضروري استخدام ذلك النموذج في المغرب والأردن. لكن بالنسبة للسعودية على الأرجح المطلوب حلول أخرى.

ثانياً: العائق الآخر الذي يقف أمام مسار الحداثة هو العلاقات القبلية التاريخية بكل محرماتها. لا يمكن الحديث عن إزالة العلاقات القبلية لكونها تتطلب عملية تاريخية طويلة.

يجب ألا ننسى أن المنطقة العربية تقع تحت ذلك الغطاء، فأغلبية السكان يخضعون إلى العلاقات القبلية، والتقاليد وشيوخ العشائر ورجال الدين وتهورهم وعدم شرعيتهم.

فهنا الشريعة والمحكمة الشرعية هي التي تحكم بحرية، رغم وجود قوانين مدنية في بلاد كثيرة أخرى، لكن لا تطبق بشكل أساسي، أو تطبق بالتوازي مع الشريعة.

فالنساء هن أكثر الناس تضرراً من محرمات العلاقات القبلية وقوانين الشريعة، لهذا دعوات أنصار الحداثة حول الدفاع عن حقوق النساء لاقت أصداء كبيرة لديهن.

وأصبحن مشاركات فاعلات في حركة الحداثة في المجتمع العربي، فتوسعت رقعة الحركة.

وطبعاً ما زال هناك الكثير من الجهد والعمل، وهذا يتطلب المزيد من الصبر والابتكار والسياسة المرنة لدى أنصار الحداثة.

وهكذا يمكن القول إن الثورة العربية الشاملة أدخلت نفساً جديداً في الحياة السياسية في البلاد العربية، وفتحت آفاقاً جديدة أمام مسار الحداثة في المجتمع العربي، حيث بدأت تظهر بوادر نجاحاته.

وفي الوقت ذاته، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنه من المحتمل أن يصيب تلك الحركة المهمة بالنسبة للعالم العربي ارتدادات وسقوط، ومؤشرات ذلك بدأت تتوضح، لكن لا شك بأن المستقبل للحداثة. فالعالم مهتم بذلك أيضاً.

عضو مرشح في أكاديمية العلوم الوطنية

في جمهورية أرمينيا

مدير معهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم الوطنية في جمهورية أرمينيا سابقاً

يريفان، أيار 2014

Leave a Reply

Your email address will not be published.