“القدس العربي” تسلط الضوء على قضية كاراباخ: مشكلة كاراباخ لماذا تتجدد بين أذربيجان وأرمينيا بين فترة وأخرى؟

نشرت “القدس العربي” مقالاً بعنوان “مشكلة كاراباخ لماذا تتجدد بين أذربيجان وأرمينيا بين فترة وأخرى؟” بقلم الكاتب الفلسطيني سليمان الشيخ، حيث أوضح أنه في الأسبوع الأول من شهر آب/اغسطس من هذا العام، قتل نحو 15 جنديا من طرفي النزاع: أرمينيا وأذربيجان على حدود الإقليم المتنازع عليه ناغورنوقراباخ (كاراباخ الجبلية) في حين ان 20 جنديا سقطوا قتلى في العام الماضي. وقد تكرر هذا الأمر في سنوات سابقة أيضا، رغم الترتيبات التي أفضت إلى إقامة هدنة بين الطرفين عام 1994، بعد لقاء قمة تم ترتيبه في زيورخ بسويسرا، تحت إشراف الأخيرة، بمشاركة من الاتحاد الروسي عام 1993. وكانت قد تفجرت المشكلة بصورة عنيفة وبمناوشات أفضت إلى اشتباكات دامية بين الطرفين عام 1988 عندما كان الاتحاد السوفييتي ما زال قائما.

ويتساءل الكاتب: “فما المشكلة التي أفضت إلى حروب دامية كانت تتجدد بين الحين والآخر بسبب النزاع حول تبعية إقليم ناغورنوقراباخ؟”.

ويوضح أنه منذ عشرينات القرن الماضي، عندما كان الاتحاد السوفييتي يخطو خطواته الأولى نحو الرسوخ والاستمرار، بعد حروب دامية داخلية وخارجية، تم وضع سياسة جديدة تتعلق بالقوميات والأمم، الصغيرة منها خصوصا، نصت على إخوة الشعوب، وعلى الدمج بينها، وإلحاق ما هو صغير منها بغيره من الكيانات الصغيرة الأخرى، أو إلحاق بعضها بكيانات أكبر، مثل إلحاق ناغورنوقراباخ بأذربيجان، علما بأن الأرمن في الإقليم طالبوا بإلحاقهم بأرمينيا، وكانوا هم الأغلبية في الإقليم. ومن مفارقات هذه السياسة، وجود كيان صغير هو ناختشيفان داخل الأراضي الأرمنية، إلا أن أغلبية سكانه من الآذاريين. وهكذا توالت هذه السياسة الإلحاقية القسرية في التطبيق والدمج، حيث تم فصل أوسيتيا إلى إقليمين، الشمالي منهما تم إلحاقه بالمركز في موسكو، والثاني الجنوبي ألحق بجورجيا، كما تم إلحاق أجاريا وأبخازيا بجورجيا أيضا. وألحقت كيانات أخرى صغيرة ببعضها بعضا، أو ألحقت بجمهوريات أكبر، مثل إلحاق قبارديا ببلكاريا وأنغوشيا بالشاشان، أو القراتشاي بالشركس، وغيرها وغيرها. وأطلق عليها جمهوريات ذات حكم ذاتي تحت إشراف المركز في موسكو. وكان من الطبيعي أن تتوالى المشاكل، ليتم قمعها والسيطرة على حريقها قبل امتداده وتوسعه، خصوصا أثناء الأزمات الكبرى؛ كالحرب العالمية الأولى وذيولها ونتائجها، والحرب العالمية الثانية وويلاتها وكوارثها وضحاياها (25 مليونا في الاتحاد السوفييتي وحدسه)، برزت أثناء ذلك سياسة قمع باطشة أفضت إلى تهجير عدد من الشعوب واقتلاعها من أراضيها ونفيها إلى سيبيريا أو إلى كازاخستان، كالشعب التتري في القرم، أو شعبي الشاشان والأنغوش، أو شعب القراتشاي وغيرها من الشعوب. واستمر هذا النفي حتى خمسينات القرن الماضي، عندما توفي ستالين، وجاءت قيادة سوفييتية جديدة، ألغت مراسيم النفي وأزالت تهمة الخيانة والتعاون مع الغازي النازي، وأعادت تلك الشعوب إلى ديارها.

ووفق لكاتب فإن الأرمن في كاراباخ اضطروا إلى إسكات مطالباتهم والإقلال من رفع شكاواهم بسبب ما كانوا يسمونه، الاضطهاد الاقتصادي والثقافي الذي مارسته السلطات الرسمية الآذرية تجاههم، ثم ازدادت الشكاوى والمطالبات وصولا إلى قيام التظاهرات والاشتباكات بين مكونات الإقليم الجبلي الصغير (مساحته 4400 كلم مربع، وعدد سكانه لم يتجاوز الـ500 ألف نسمة في أيام الهدوء وعدم وجود مناوشات بين الطرفين).

تزايدت المشاكل والمناوشات اعتبارا من عام 1988، عندما سرت الاحتجاجات والقلاقل والمناوشات في أغلب جمهوريات الاتحاد السوفييتي (14 جمهورية) وغيرها من جمهوريات الحكم الذاتي، وطالبت بالاستقلال عن المركز في موسكو، وحصلت اشتباكات دامية في أغلب الجمهوريات.

وكان من الطبيعي أن تتطور الأمور لتفضي إلى اشتباكات دامية بين الأرمن والآذريين في قراباخ، وفي أي تجمع يجمع الطرفين، خصوصا بعد نيل أرمينيا وأذربيجان استقلالهما وانفكاك علاقتهما بالمركز في موسكو في أوائل تسعينات القرن الماضي.

ويقول: “أثناء الاشتباكات الدامية بين طرفي النزاع، استطاع الأرمن إخراج الآذاريين من قراباخ وزيادة على ذلك، سيطروا على ممر لاتشين الاستراتيجي الذي يربط بين أرمينيا وقراباخ، واحتلوا نحو 13 بلدة وقرية آذارية في المنطقة عام 1993، إلى أن تم ترتيب هدنة بين الطرفين عام 1994. إلا أنها كانت من النوع الهش، حيث أن الاشتباكات كانت تتجدد بين الحين والآخر، خصوصا إذا ما ترافق ذلك مع أزمات داخلية”. موضحاً أنه كان يتم التنفيس عنها بواسطة تلك الاشتباكات، في محاولة لتوجيه الأنظار إلى خارج الحدود، وحرف المشاكل عن بؤرها الحقيقية وتوجيهها إلى ما عداها. وفي هذا السياق كان قد تم ترتيب قمم عدة بين قيادتي البلدين وبإشراف روسي، أو من قبل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، او من قبلهما معا، في محاولة للتخفيف من حمأة الاشتباكات والصدامات الدامية التي أفضت إلى قتل نحو 30 ألف نسمة من البلدين، وجرح الآلاف، وتشريد مئات الآلاف من السكان.

يضيف الكاتب أنه في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2006، “أجرى الأرمن استفتاء في كاراباخ على دستور جديد، نص على أن يكون الإقليم كيانا مستقلا. وجاءت النتائج موافقة 98.6 في المئة من الناخبين على الدستور الجديد، الذي وصف قراباخ بأنها دولة مستقلة، حيث بلغت نسبة الإقبال 87.2 في المئة من عدد السكان، في خطوة اعتبرها المراقبون مقدمة لإلحاق قراباخ بأرمينيا لاحقا، وعندما تتوافر الظروف المناسبة لهذا الأمر، إلا أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، علق يومها بالقول: إن بلادي لن تقبل أبدا منح الإقليم استقلالا من أي نوع، وهي تصر على أنه جزء مهم من الأراضي الآذارية، وستعمل على استرجاعه بكل الوسائل، بما فيها العسكرية”.

ويطرح الكاتب السؤال قائلاً: “إذا ما كانت مساحة إقليم قراباخ محدودة وصغيرة، وعدد سكانه قلائل أيضا، فلماذا لم يتم التوصل إلى حل مناسب لمشكلته، التي كلفت ضحايا بشرية هائلة، وإمكانات مادية كبيرة، خصوصا أن القيادة الروسية سعت مرارا وتكرارا إلى التخفيف من الاحتقان، والبحث عن حل مناسب مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ومع بعض الدول الأوروبية الأخرى. كما إن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون يومها قامت بزيارة للمنطقة في الأسبوع الأول من شهر حزيران/يونيو 2012، في محاولة للتدخل، ولفت الأنظار إلى مشكلة لم يتم حلها بعد. فهل هناك ما يضفي أهمية على المساحة الجبلية الصغيرة وعلى سكانها القلائل؟”.

ويشير سليمان الشيخ الى أن إقليم كاراباخ يقع على طريق إمدادات النفط والغاز المستخرج من بحر قزوين لمصلحة روسيا وإيران وأذربيجان وتركمانستان، والذاهب إلى الأسواق الأوروبية وغيرها. من هنا منبع أهمية إقليم ناغورنوقراباخ والتمسك به من قبل هذه الجهة أو تلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published.