صورة أرمينية في المصادر العربية والأجنبية

(المحور الثاني والثالث)

إعداد عطا درغام 

صدر عن مركز الدراسات الأرمنية بكلية الآداب جامعة القاهرة كتاب “صورة أرمينية في المصادر العربية والأجنبية”، راجعه وحرره د. محمد رفعت الإمام أستاذ مساعد التاريح الحديث والمعاصر بآداب دمنهور ورئيس تحرير مجلة “أريك”، وقدم له د. محمود علاوي مدير مركز الدراسات الأرمنية والأستاذ بقسم اللغات الشرقية كلية الآداب جامعة القاهرة.

والكتاب هو الجزء الأول من الأبحاث التي ألقيت في مؤتمر المركز خلال عام2012، وقد أعدها كوكبة من الباحثين في مصر وسورية ولبنان وأرمينية.

وقع الكتاب (254صفحة) في ثلاثة محاور أساسية هي: القضية الأرمنية في المصادر العربية والأجنبية، الأرمن في مصر في ضوء المصادر العربية والأجنبية، أرمينية والأرمن خلال العصور الوسطى.

وبخصوص المحور الثاني، بداته د. أمينة أحمد إمام الشوربجي أستاذ مساعد التاريخ الإسلامي بكلية البنات جامعة عين شمس بدراسة مهمة عن ” العناصر الأرمنية في مصر الفاطمية ودورها في السياسة والحضارة”.

وقد اعتمدت علي أمهات من مصادر التاريخ الإسلامي من قبيل: ابن الأثير (الكامل في التاريخ)، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ابن الطوير (نزهة المقلتين في أخبار الدولتين)، أبو المحاسن بن تغري بردي (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)، السيوطي (حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة)، المقريزي (اتعاظ الحنفا باخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، إغاثة الأمة بكشف الغمة، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) وغيرها.

وفي هذه الدراسة، رصدت د. الشوربجي نحو الجالية الأرمنية في مصر زمن الدولة الفاطمية، وازدياد أعدادهم تدريجيا لاسيما عقب قدوم بدر الدين الجمالي الأرمني إلي مصر. وبمرور الوقت، لم يعد الأرمن مجرد عنصر عادي، بل نالوا العديد من الامتيازات التي جعلتهم يتربعون علي قمة المناصب السياسية والحربية ، وقاموا بدور في إثراء الحركة العلمية والفكرية. وتجدر الإشارة إلي أن د. الشوربجي قد أفاضت في تفصيل ” الحقبة الأرمنية” في الإدارة الفاطمية بدءا من بدر الدين الجمالي وابنه الأفضل مرورا بأحمد بن الفضل ويانس القاصد وبهرام وانتهاء بطلائع بن رزيق ورزيق بن طلائع. وختمت الباحثة دراستها بنتيجة مفادها أنه بنهاية الحقبة الأرمنية انتهت حقبة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والترابط الاجتماعي في الكيان الفاطمي، وأخذت الفوضي والاضطرابات تستشري في هذا الكيان حتي تدخلت قوي خارجية وحيكت الدسائس والمكائد، ودخلت مصر مرحلة جديدة عرفت ب” عصر الوزراء”.

وفي ذات المحور جاءت دراسة “الأرمن في الجيش المملوكي بناء علي المصادر العربية” من إعداد د. أرتور إسرائيليان أستاذ تاريخ العرب والإسلام ورئيس قسم اللغات الشرقية بجامعة يريفان الحكومية التابعة لجمهورية أرمينية. هذا، وقد استعرض د. إسرائيليان دراسته المهمة والقيمة من خلال ثلاثة محاور رئيسية اولها: الأرمن في الجيش المملوكي، ثانيهما: أشهر الأمراء والوزراء في مصر المملوكية، ثالثهما: أعمال الجيش المملوكي ضد أرمينية الصغرى. واستنادا إلي مصادر عربية، ثمة فرق صغيرة من الأرمن في جيش المماليك البحرية ولا سيما فرق: الصلاحية، الأسدية، العادلية، العزيزية، الكمالية، الأشرفية. وفيما يتعلق بأشهر الأمراء والوزراء الأرمن في الجهاز الإداري في دولة سلاطين المماليك، ذكر د. إسرائيليان جملة منهم شان موافي الدين أبو الفتوح الذي يعد_ حسب توصيف المقريزي_ من أشهر أعيان الأرمن في العصر المملوكي. وقد حصل علي منصب الوزير في أيام السلطان الظاهر برقوق. وكذا، تاج الدين عبد الرازق (أميرن وزير، أستادار)، عبد الغني الفخري السبع (أمير، وزير، أستادار) وغيرهم. وأخيرا، عرج د. إسرائيليان إلي سلسلة الحملات المملوكية ضد أرمينية الصغري (قيليقة) التي انتهت بإسقاط آخر مملكة أرمنية مستقلة في عام 1375.

ووصلا لهذا المحور، جاءت دراسة “صورة العسكريين الأرمن في مصر من خلال مصادر العصر العثماني” التي أعدها د. جمال كمال محمود الحاصل علي دكتوراة في التاريخ الحديث من قسم التاريخ كلية الآداب جامعة القاهرة عن “الأرمن في مصر في العصر العثماني 1517 – 1798″ . وحسب دراسة د. جمال كمال، اتاح اعتناق بعض الأرمن للإسلام فرصة تولي وظائف إدارية عليا حيث نجد رمضان أغا الأرمني الذي تولي الشئون الشريفية وكان أمين البحرين في عام 1664. وفي عام 1686 أصبح أحمد أغا الأرمني سردارا علي طائفة المتفرقة. أما سليمان بك الأرمني فكان من أهم الأمراء الذين ذاع صيتهم في مصر العثمانية. وحسب توصيف الجبرتي، كان سليمان بك ” وجيها ذا مال وخدم ومماليك”. وقد تولي كشوفيات المنوفية والغربية عدة مرات. ومن هذا القبيل، ذكر د. جمال كمال شخصية علي بك الأرمني الذي تولي الصنجقية عام 1722، وكذا حاكم جرجا. بيد أن أهم المناصب التي تولاها علي بك كان منصب” أمين العنبر” في عام 1724. ووفقا للحبرتي: “حفظ الغلال وصرفها للمستحقين، ومرتبات الحرمين والأوقاف وغلال الباشا والعليق، وارتاح الناس في أيامه” . هذا ، وقد أجمعت المصادر على نزاهة علي بك الأرمني.

واستعرض د جمال كمال سلسلة من الشخصيات الأرمنية التي قامت بدور ما في الحقبة العثمانية. ومن هؤلاء: محمد الصيفي الأرمني، وكذا، نيقولا النصراني الأرمني الذي عرفه المصريون باسم ( نيقولا الرايس). وكان من مماليك محمد بك أبي الدهب، وبعد وفاة الأخير دخل في خدمة مراد بك الذي أعد قوة عسكرية أنفق عليها أموالا، وأنشأ أسطولا حديثا، وجعل نقولا الأرمني قائدا لهذا الأسطول. ويشهد الجبرتي علي وضع نيقولا بقوله: “وكان نيقولا المذكور يركب الخيل، ويلبس الملابس الفاخرة، ويمشي في شوارع مصر راكبا وأمامه وخلفه قواسة يوسعون له الطريق علي هيئة ركوب الامراء” . وهكذا ، كانت صورة العسكريين الأرمن في مصر العثمانية إيجابية في مجملها ، ولكنها لم تخل من بعض السلبيات التي قام بها ثلة من الأرمن.

وفي المحور الثالث، الخاص بأرمينية والأرمن في العصور الوسطي، تحدثت دراسة د . أحمد عبد المنعم العدوي عن “الأوضاع السياسية في ولاية أرمينية في عهد بني مروان بن الحكم 684 – 749 م ” وانتهت الدراسة إلي أن السنوات الممتدة بين عامي 684 – 749 تعد من أكثر فترات أرمينية السياسي اضطرابا؛ فقد كان لموضع أرمينية علي التخوم بين الدولتين العربية والبيزنطية- خلال العصر الأموي – أثره الكبير في توجيه مقدرات ومصائر الأرمن خلال حقبة طويلة من الزمن. وقد تنازع كل من العرب والبيزنطيين ضم أرمينية، ولم تحل دون ذلك دون رغبة النخرار الأرمن ( الأحرار كما وردت في المصادر العربية) الجامحة للسيطرة علي مقدرات البلاد. لكن هذا الطموح لم يرق أبدا إلي نزعة استقلالية جادة ، فقد كان جناحا طبقة النخرار الأرمن من آل بجرادوني (بجراطي) وآل ماميجونيان، يدركان جيدا أن استقلال أرمينية عن سلطان دمشق أو القسطنطينية أمر يفوق إمكانات الأرمن (لا سيما العسكرية)، ومن ثم مال إلي سياسة التحالفات مع تلك القوي، فاستقطب البيزنطيون آل ماميجونيان، علي حين اعتمد الأمويون في توطيد دعائم حكمهم بأرمينية – باستثناءات طفيفة- علي آل بجراطي، ومع الوقت تحول الأمر إلي صراع ضار بين العائلتين العريقتين للوصول إلي السلطة تحت راية أي من الكتنازعين علي البلاد.

وفي الوقت نفسه، كانت الدولة الأموية تمر بظروف داخلية بالغة الحساسية دفعتها رغما عنها للانكفاء علي الذات وإدارة الظهر للبيزنطيين، وكانت السياسات القمعية التي مارسها محمد بن مروان ضد الأرمن، قد دفعت الاخيرين إلى التحالف مع البيزنطيين ضد المسلمين. بيد أن ظهور الخزر الذين مثلوا خطرا داهما علي نفوذ الأمويين والأرمن جميعا جعلت ولاة بني أمية يتجهون إلي فتح صفحة جديدة في العلاقات مع النبلاء الأرمن، كما جعلت النخرار الأرمن أنفسهم يتناسون ما حل بهم علي يدي محمد بن مروان.

وقد أسهم التحالف بين الأرمن والمسلمين إلي الحد من فعالية الهجمات الخزرية ونجاح القادة الأمويين في تثبيت جبهة الخزر. وبالمقابل انتهز الخزر الفرصة فتحالفوا مع البيزنطيين، بهدف دفع الأخيرين إلي مهاجمة ثغور المسلمين، وبالتالي تقليل ضغوط المسلمين علي جبهتهم، نتيجة لانشغال المسلمين بدفع الروم عن آسيا الصغري، وقد ظل الأمر سجالا بين المسلمين والنخرار إلي أن استطاع محمد بن مروان دك دفاعات الخزر، والاستيلاء علي عاصمتهم وإجبار ملكهم علي اعتناق الإسلام.

مرة أخرى، دفعت الظروف الدولة الأموية داخليا إلي الانكفاء علي الذات مجددا، وإدارة الظهر للخزر والبيزنطيين جميعا بغية التفرغ لمواجهة خطر الثوار العباسيين. وقد أجبرت هذه الظروف مروان الثاني علي التخلي عن فتوحاته الباهرة بالقوقاز، وإخلاء الثغور والحدود من الجنود والمقاتلة وحشدهم لمواجهة خطر العباسيين. وكان دأب البيزنطيين دوما انتهاز تلك الفرص لإعادة السيطرة علي أرمينية، ومن ثم يعودون إليها، ومعهم يعود نفوذ آل ماميجونيان من جديد.
كما ضم هذا المحور دراسات لكل من د. محمد دسوقي محمد حسن بآداب الفيوم عن ” دور الأرمن في سياسة البابوية الصليبية خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي”، أ عبد العزيز الدروبي الكاتب السوري عن ” أرمينية وتشكيل الأمة الأرمنية ” و د. محمد أحمد إبراهيم بآداب بني سويف عن ” أرمينية في كتابات الرحالة المسلمين “.

(القسم 2)

Leave a Reply

Your email address will not be published.