مذكرات جمال باشا

عرض: عطا درغام

عن دار الفارابي ببيروت، صدر كتاب تحت عنوان “مذكرات جمال باشا”، إعداد محمد السعيدي. والكتاب ضمن مجموعة مؤلفة من (14) كتابا تحمل عنوان (المحموعة التاريخية العثمانية العربية) التي سوف تتناول مصير العرب والأرمن وفلسطين في خواطر القادة الأتراك ومذكراتهم إبان فترة الاتحاد والترقي حصريا( 23 تموز 1908 – 18 تشرين الثاني 1918).

وتجدر الإشارة إلى أن “مذكرات جمال باشا” قد ترجمت إلى العربية لأول مرة في مصر عام 1923.ونشرتها جريدة(المقطم) القاهرية على حلقات ثم في كتاب. وقام بترجمتها علي أحمد شكري. وفي عام 1963، أعيد نشر هذه المذكرات في بغداد (منشورات دار البصري)، ولكن أضيف إليها تحقيق بقلم عبد المجيد محمود.

وتتميز الطبعة البيروتية (2013) بإضافة مجموعة من الصور والخرائط والتعليقات والحواشي والتعريف بمعظم الشخصيات التاريخية المهمة التي وردت في سياق المذكرات. وأضاف السعيدي مجموعة من ملاحق جد مهمة من قبيل: سلاطين آل عثمان، الصدور العظام، ولاة دمشق، متصرفو سنجق بيروت، ولاة صيدا، ولاة طرابلس.

ويقع الكتاب “608” صفحة، وقد وقعت المذكرات في أربعة فصول رئيسية تناول القسم الأول أربعة فصول هي: محافظ إسطنبول، استرجاع أدرنة أو انتهاء الحرب البلقانية الثانية، تعيين صاحب المذكرات وزيرا للحربية، بدء الحرب الأوروبية العامة “الحرب العالمية الأولى 1914- 1918”.

ويتكون القسم الثاني من أربعة فصول هي: تعيين جمال باشا قائدا للجيش الرابع، التحضيرات لحملة قناة السويس، مابعد حملة القناة، الدفاع عن غزة.

ويتشكل القسم الثالث من ثلاثة فصول هي: الثورة العربية، العرب ودول الحلفاء، موقف المسيحيين العثمانيين (الشام). وخصص صاحب المذكرات القسم الرابع بأكمله للقضية الأرمنية، حادث أضنة ومابعده، الإصلاحات (المشروع الروسي).

بدأ جمال باشا مذكراته عن الأرمن بقوله: “نفضل نحن رجال تركيا الفتاة بلا جدال الأرمن، وخصوصا الثوار منهم، على اليونانيين والبلغار، لأنهم أصفي خلقا وأشد بأسا وأكثر صراحة من العنصرين الآخرين. وهم فوق ذلك أوفياء في الصداقة والعداوة. وفي يقيننا إن سياسة روسيا هي وحدها المسئولة عن وجود العداوة بين العنصرين التركي والأرمني”.

وعلى هذه الوتيرة، أخذ الباشا يفسر كل ماجري للأرمن في الدولة العثمانية على أنه صناعة روسية بالأساس.

رصد الباشا جذور الوجود الأرمني في الدولة العثمانية منذ أن اعترف بهم السلطان محمد الفاتح بمثابة ” ملة” مستقلة في عام 1461 م. وحرص الرجل دوما على التعامل مع الأرمن من منطلق كونهم أقلية. وقد علق علي هذا بقوله: “ولم تكن تلك الحقوق التي منحها سلطان تركي ذو شوكة وصولة وكلمة نافذة في القرن الخامس عشر من المثل العليا لتطبيق مباديء حقوق الأقليات التي سعي الرئيس ويلسون طويلا للحصول علي اعتراف العالم المتمدن بها” .

وكرر جمال باشا مرارا: “وإني أكرر مجددا أن الاتراك والأرمن عاشوا جميعا إلي مابعد حرب القرم في 1853 – 1855 متجاورين معا على أتم صفاء. ولم يعرف عن الأتراك أنهم ارتكبوا أمرا مخلا بحق جيرانهم الأرمن. فلما نظر الروس إلي المملكة العثمانية بعين الجشع أخذوا يحسبون أن من حسن السياسة أن يجعلوا العناصر المسيحية في الرومللي آلات صماء لقضاء وطرهم”.

وعلى هذه الخلفية، فسر الباشا نشأة القضية الأرمنية عشية الحرب الروسية العثمانية 1877 – 1878 ، وتدويل القضية أثناء تسويات الحرب فيما تمخض عن المادة “16” من معاهدة سان إستيفانو (1878) والمادة “61” من معاهدة برلين (1878). وحسب نص كلام الباشا: “ويعتبر نرسيس أفندي بطريرك الأرمن، الذي ذهب إذ ذاك إلي سان إستيفانو للحصول علي مساعدة القيصر لقضية الاستقلال الأرمني، أكبر مسئول عن فقدان الثقة بالأرمن منهم، وضياع اللقب الذي لقبهم به الأتراكوهو الأمة (الملة) الصادقة”.

علي أية حال، لم يسفر عن تدويل المسألة الأرمنية سوي ، وحسب كلام الباشا، ” توتر العلاقات بين الأرمن والأتراك والأكراد”. وبمرور الوقت، بلغت المشكلة الأرمنية أشدها بين سنتي 1894 – 1896؛إذ ظهرت القلاقل والاضطرابات في كل الجهات مما أدي إلى “زيادة الأحقاد بين العناصر الثلاثة التي عاشت في صفاء تام جنبا إلي جنب ستة قرون”. هذا، وقد علق الباشا علي المذابح الحميدية بحق الأرمن عام 1894- 1896 بقوله: “وقد استنكرت تلك الحوادث أيما استنكار…..إذ مثل تلك الأعمال من شأنها أن تشوه سمعة الأمة التي تلجأ إليها وتلطخ تاريخها”. وحسب رؤيته، اتفق مع جميع ثوار تركيا الفتاة لأنهم “عدوها غلطة سياسية خطيرة ارتكبها عبد الحميد الثاني علي أصل إطالة مدة حكمه الاستبدادي بهذه الطريقة القاسية”. وبإيجاز، أبدى ثوار تركيا الفتاة السخط على المذابح الحميدية ليس لأسباب إنسانية، بل وحسب قول الباشا لأنها ألحقت ضررا بليغا بالقضية التركية!

وخلال الفترة من 1897 وحتى انقلاب تموز 1908، ركز الباشا على نشأة وتطور لجنة الاتحاد والترقي في سياق حركة المعارضة العثمانية”تركيا الفتاة”. وتطرق إلى الحديث عن التعاون مع حزب الطاشناق الأرمني الذي اشترك في مؤتمري 1902 و 1907 بغية إعادة العمل بدستور (1876) وإنقاذ الدولة العثمانية من السقوط. واستشهد الباشا كثيرا برأي الطاشناقي مالوميان أفندي عن الخطر الروسي المحلق فوق رؤوس الأرمن. وانتقد الاتحادي المتطرف بشدة حزب “الهنشاك” الأرمني الذي رفض كل تفاهم مع الجمعيات التركية، وراحوا يسعون لإنشاء دولة تحميها روسيا”. وعقب انقلاب يولية 1908، وحتى حوادث 13 أبريل 1909 الدامية في الأستانة، دار الجدل حول مبدأ اللامركزية ومفهوم الاتحاد إثر محاولات حزب الاتحاد والترقي الاستئثار بالسلطة وتتريك الدولة.

وفي هذا الخصوص، انبرى الباشا يفند ويحلل ويبرر عملية التحول من السياق الأممي إلي الإطار القومي. و قد خصص جمال باشا الفصل الثاني من قسم مذكراته الرابع ل” حادثة أضنة ومابعده” على اعتبار أنه تقلد ولاية أضنة منذ منتصف أغسطس 1909. هذا ، وقد ربط الوالي ربطا عضويا بين أحداث الأستانة في 13 أبريل ورد الفعل في الأقاليم يوم 14 أبريل 1909. وحسب عبارته: “في الوقت الذي نشبت فيه ثورة 13 أبريل للقضاء على زعماء جمعية الاتحاد والترقي وأشياعهم، كانت أضنة تعج بمذبحة تركية أرمنية مروعة” ففي أوائل عام 1909 راجت إشاعة بأن الأرمن سيثورون علي الأتراك ويبيدونهم عن بكرة أبيهم في القريب العاجل. وما إن وافي شهر أبريل 1909 حتى صارت العلاقات بين الفريقين متوترة، وبات كل فريق يخشي أن ينقض عليه الفريق الآخر في أية لحظة. واستمر الأمر كذلك حتي بزغت شمس 14 أبريل ، فبدات حادثة أضنة بإيعاز من المونستيور موشيغ، مطران أرمن أضنة. وغدت أضنة وطرسوس وحميدية وأرزين ودورت يول وعزيزية، بل كل الجهات التي يقطنها الأرمن، مسرحا لمذبحة مروعة “يعجز القلم عن وصف هولها”. وقد ظهرت الحكومة بمظهر العاجز المتناهي حتى في عاصمة الولاية.

ويلاحظ أن الباشا وصف أحداث أضنة الدامية بالشكل آنف الذكر ليس حبا في الحقيقة أو تعاطفا إنسانيا مع الأرمن، بل كان غرضه الأساسي توجيه السهام النقدية لخصومه من النظام الحميدي والجماعات التي اعترضت على السياسات الاتحادية. وحسب كلامه: “والذي أراه أن المونسنيور موشيغ هو المجرم الحقيقي. ولكن الحاكم يشاركه في الجريمة”؛ إذ أن مطران أضنة الشاب موشيغ سيروبيان ( 1869 – 1951) كان هنشاكيا معارضا بشدة للسياسات الاتحادية الرامية إلي تتريك الدولة . كما أن جواد بك والي أضنة يعد من صناعة قصر يلديز والسلطان عبد الحميد.

وأفاض صاحب المذكرات في سرد دوره الخاص ب” إعإدة إعمار أضنة”، وخلال أقل من نصف سنة ” عاود الأرمن أعمال التجارة والزراعة والصناعة. وانمحي ولو ظاهرا كل أثر للعداوة السالفة بينهم وبين الأتراك”. بيد أن الأمر لم يكن بهذه الكيفية التي ذكرها جمال باشا ؛ إذ اجمعت المصادر التي عالجت مسألة أضنة بأنها خلفت خسائر بشرية ومادية محزنة ومخزية.

وأخيرا، ركز الفصل الثالث في القسم الرابع على الإصلاحات. وكل ماشغل الباشا وأزعجه أن ميخائيل نيقولايفيتش فون جيرس سفير روسيا في الأستانة هو الذي بعث المسألة الأرمنية من مرقدها مرة أخري، عندما أرسل إلي وزير الداخلية العثماني مذكرة في 26 نوفمبر 1912 مطالبا الإدارة العثمانية بإدخال إصلاحات في أرمينية العثمانية تحت إشراف روسيا.ومنذ 22 آذار 1913، أخذ وزير خارجية روسيا “يخطو أول خطوة في مسألة الإصلاحات الأرمينية”.واستفاض الباشا في سرد تفاصيل المشروع الروسي الذي وضعه ماندلستام – السكرتير الأول للسفارة الروسية بالأستانة، كما استفاض في شرح ما أسماه بـ”الاتفاقية الروسية التركية 26 يناير- 8 فبراير 1914″ التي تحوي تفاصيل وكيفية تفعيل مشروع الإصلاحات الأرمنية في شرق الأناضول.

وكانت خلاصة هذا المشروع: اعتبار الولايات الأرمنية العثمانية”سبعا” هي: طرابيزون وأرضروم وسيواس وفان وبيتليس وخربوط وديار بكر، وتقسيمها إلي إقليمين إداريين يتمتعان بحكم ذاتي محلي واسع النطاق تحت حماية الدول الأوروبية وبإشراف مفتشين عامين ينتخبان من مواطني الشعوب الأوروبية المحايدة(هولندا والنرويج. ويتكون الإقليم الأول من الولايات الثلاث الأولى، بينما يتكون الثاني من الولايات الأربع الباقية- ولم توضع قيليقية ضمن هذا المشروع. وحسب تفسير السياسي العثماني أن هدف روسيا من وراء هذا المشروع أن يكون بمثابة “الخطوة الأولي في سبيل احتلال أرمينية”.ويستشف من كلام جمال باشا رفضه التام لمشروع الإصلاحات الأرمنية. وحسب نص كلامه: “وفيما مسألة الإصلاحات الأرمنية آخذة منحي متطورا إذا بالحرب العالمية تندلع شرارتها، فأدركت الحكومة العثمانية أن تحالفها مع ألمانيا لابد وأن يجرها عاجلا أو آجلا إلى امتشاق الحسام. وإذ توقعت استحالة المضي في الإصلاحات الداخلية والاشتغال بالأمور الثانوية خلال سنين الحرب العصيبة”.

وبشكل مقتضب وتبريري بالأساس، تطرق جمال باشا في آخر خمس صفحات من مذكراته إلى الإبادة الأرمنية التي اقترفتها السلطات الاتحادية ضد الأرمن 1915-1916 . ومن أقواله في هذا الشأن: “ولقد سمعت بين آن وآخر بحوادث اعتداء على أولئك المهجرين في معمورة العزيز وديار بكر.ولكن الهجرة كانت بإشراف السلطات المدنية، ولم تكن للجيش أية علاقة بها”.

وفي ذلك الوقت، كان جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع. وحسب كلامه، إنه اعترض على قرار الإدارة المركزية بنفي الأرمن إلى سورية. وأردف قائلا: “ولكنني وقد أمرت بألا أتعرض لما لا يعنيني أو أدخل في شئون السلطات المدنية، بل أمدها بالمساعدة فقط. هل كنت أستطيع أن أحول دون تنفيذ هذه الأوامر أو أن أوقفها؟.وعزي الباشا كل “ماوقع من الحوادث للأرمن خلال النفي إلى الأحقاد التي تغلغلت في نفوس الأتراك والأكراد والأرمن في أثناء سبعين عاما”. وألقي السياسي الأريب بالمسئولية كاملة على “السياسة الروسية التي حولت الشعوب الثلاثة التي عاشت القرون الطويلة معا في صفاء وهناء إلى أعداء ألداء بعضهم لبعض”.

منشور بمجلة أريك العدد رقم 43، نيسان 2013

Leave a Reply

Your email address will not be published.