الجزء الثاني من الحكاية الكامنة وراء انتقال الكلّية من عنتاب إلى حلب (قصة يجهلها الكثيرون)



بقلم: آسر خطاب

“إن إعادة تأسيسها في حلب يعني وجوب تأقلمها مع البيئة الجديدة، عرقياً، دينياً، تربوياً، وسياسياً، يجب أن تسعى لتنخرط في المجتمع وتخدمه، وليس نحو العزلة”.

بعد اقتحام القوّات التركيّة لكلية وسط تركيا بأقل من شهر، تم نفي وترحيل جميع المدرسين والإداريين وكادر الكلية، باستثناء طبيب أسنان محترف احتفظ به بمدينة عينتاب… واتضحت الخطوة التالية للحكومة التركية: الطلّاب.

قامت الحكومة بترحيل 95 طالباً أرمنياً في الأعوام الثلاثة اللاحقة،15 طالباً قتلوا، وجنّد 57، ولم يعرف شيء عن مصير 49 طالباً آخرين.

كان الآلاف من الأرمن يعبرون مدينة عينتاب كل أسبوع، وتشكّلت عدّة مخيّمات للاجئين، كان د. ميريل رئيس الكلية بمساعدة مجموعة من الصبيان اليتامى يتسلل إلى تلك المخيّمات ليزوّد اللاجئين بالحساء والماء. كان يكتب الرسائل عن حال المدينة ويرسلها إلى الولايات المتّحدة الأمريكية، دون علم الحكومة التركية الّتي قطعت العلاقات مع أميركا في نيسان 1917.

وفي نفس العام ترأّس ميريل حفل تخرج في الكليّة، على نطاق ضيق. وكان هذا آخر إنجاز له قبل أن يتم إغلاق الكلّية تماماً، حيث مكث في المنطقة عامين مع زوجته قبل أن يعودوا إلى وطنهم في الولايات المتحدة عام 1920.

عام 1919، بعد ترحيل أو نفي معظم الرعايا الأرمن، رحيل المجلس الأمريكي، حظر المدرّسين، تشويه المختبرات جرّاء الاقتحامات العسكرية المتتالية، أغلقت أبواب كلية وسط تركيا للمرة الأخيرة… كان الوضع محبطاً للغاية..

لكن الاستسلام لم يكن خياراً مطروحاً، حيث رفض المجلس الأمريكي والجالية الأرمنية في حلب -التي فاق تعدادها عام 1915 الـ 150 ألفاً وفقاً لما صرّح به القنصل الأمريكي- التخلي عن الرسالة الّتي كانت كلية وسط تركيا تؤديها، ومع مطلع العام 1922 بدء مجتمع المهجرين من عينتاب نقاشات حول إعادة افتتاح الكلية بحلّة واسم جديدين، ولكن مع الاحتفاظ بالرسالة نفسها.

كتب د. جون ميريل، رئيس كلية وسط تركيا السابق في تشرين الأول 1924:
“ليست كليّة وسط تركيا معهداً تربوياً وحسب… ينبغي أن يعاد تجسيدها في مكان مناسب يخدم غاياتها. وبهذه الولادة الجديدة ينبغي على الكلية أن تظل صادقة في قيمها الروحية… إن إعادة تأسيسها في حلب يعني وجوب تأقلمها مع البيئة الجديدة، عرقياً، دينياً، تربوياً، وسياسياً، يجب أن تسعى لتنخرط في المجتمع وتخدمه، وليس نحو العزلة”.

فيما بعد، ستتحقق رغبة د. ميلر، وستنهض كلية وسط تركيا من بين الركام بعد مخاض طويل متجسدة بوريثتها الجديدة: كلية حلب (معهد حلب العلمي).

يتبع…
المصدر:
American Missionaries in Turkey and Northern Syria and the Development of Central Turkey and Aleppo Colleges, 1874-1967 – Kennedy, Judd W

Leave a Reply

Your email address will not be published.