كيغام خاتشريان في كتابه نحو أرض ثانية


صدر حديثاً كتاب للمطران كيغام خاتشريان بعنوان: “نحو أرض ثانية” عن دار المراد.

لوحة الغلاف للفنان زوهراب.

يذكر أن للمؤلف المطران خاتشريان عناوين أخرى منها: “شهادة الأرمن”
” أورتي Orthy” و ” و”الحكمة في الأديان
بيروت – سليمى شاهين

أيّ أرضٍ يريد أخذنا إليها؟

بعد إصداره كتاب «الحكمة في الأديان» الذي لاقى استحسانًا وتكريمًا عند مختلف الديانات والطوائف، انصرف كيغام خاتشريان الى كتابة القصّة القصيرة يضمّنها أحداثًا وخبرات عايشها واستنتج منها العبر. مجموعة قصص صيغت بأسلوب سلس مدهش بعنوان «نحو أرض ثانية» نشرتها «دار المراد» في بيروت.

ما هي «الأرض الثانية» التي يدعونا إليها مؤلّف الكتاب سيادة المطران كيغام خاتشريان؟ في أيّ منطقة تقع؟ وإلى أي زمن تنتسب؟ وما الذي يميّزها عن غيرها؟

تصفّحت الكتاب لأجيب عن هذه التساؤلات فلفتتني، قبل الغوص في الموضوع، أمور ثلاثة: الأول منها مقدمة سيادة المطران جورج خضر، والثاني توطئة المؤلّف، والثالث تلك الأقوال المأثورة التي استهلّت بداية كلّ قصة تعبيرًا عن مقصدها.

مقدمة

“هذه صفحات يملأها واضعها وجدانه إن قرأناها نقرأه»، هذا ما قاله من صاغ مقدمة الكتاب، المطران جورج خضر. تأملات تنقل الى الكاتب روحًا من خلال حكايات معبأة بالشعور الإنساني تجسّد الرسالة التي يحملها. هذا الراعي حسب تعبير خضر، يشدّنا الى معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ويدفعنا الى استكناه كل الحقيقة القائمة بين الدفتين كي لا يفوتنا شيء من الحكمة وحتى لا ننسى الخلاص”: كل حديث في المسيحية عن غير الخلاص لغو. لذلك يقول المؤلّف: «عندما يكون قلبنا مثقلا بالخطايا تتعذر علينا دعوة الله الى السكن فيه». يبقى أن القلب هو الذروة، وأن قلب القلب التوبة الى الله. وهناك حرارة التوبة القوية التي يستطيع الكاتب إذكاءها في هذا المقطع أو ذاك.

توطئة

ننتقل من مقدمة المطران خضر الى توطئة المؤلّف التي بثّ فيها هدفه من نشر الكتاب.

عندما تعترضنا الصعوبات وتنتصب في وجوهنا العوائق، نسعى جاهدين للبحث عن الحلول. نفتش عن المخارج التي تنقذنا من مآزقنا وعبثًا ننتظر! وبينما نتخبط في قلقنا ننسى أن أبانا الناضح بالمحبة هو ملجؤنا.

يطلب المؤلّف في التوطئة العودة الى الله بخطوات صادقة ووضع كل ما يعتمل في نفوسنا أو يعيق حياتنا تحت قدميه. وهذه هي المبادرة الأولى التي ستعيد الصفاء الى الذهن وتنفخ في الحنايا بشائر الأمل وتنزل عن الكاهل الأحمال الثقيلة.

دوّن المطران كيغام هذه الصفحات لتغدو حافزًا للشبان والشابات ينعش في صدورهم حب الحياة ويساعدهم على اجتياز عثراتها بقوّة الإيمان والجهد والاتكال على الله.

استشهادات

في مطلع كل حادثة وقعت انتقى المؤلّف استشهادات لأنبياء أو مشاهير، تظهر الغاية من ذكرها. فعندما تكلّم عن التصميم لبلوغ أهدافنا والمواظبة الجدية على إنجازها استشهد بقول صموئيل جونسون: «ليست القوّة، بل المثابرة هي التي تصنع الأعمال العظيمة».

وعندما روى قصّة النّجار الذي فقد عينه وإبهامه ووصف ألمه وحزنه وانطواءه على نفسه، توجّه إلى طاغور وهو يناجي ربه قائلا: «لا أطلب منك يا ربّ أن تعينني وتحميني من الألم، بل أن تبيّن لي الطريقة التي أستطيع بها أن أتحمله».

وفي حديثه عن العطاء الذي لا ينحصر فقط في وهب المال، بل في بذل الوقت والعناية بالآخرين اقتبس قول فاهان تيكيان: “ماذا بقي لي من الحياة؟ لمن الغرابة ألا يبقى سوى ما أعطيته للآخرين”.

الحلقة المركزيّة

أحداث… وقائع… وجدانيات، كلها تدور في الحلقة الإنسانيّة حول نقطة مركزية هي المحبّة. وانطلاقًا من هذه النقطة نفهم أبعاد الإيمان، ونتعرّف الى خالق الكون الذي جبل الإنسان ليسعد في حياته ويؤمن به.

أراد المؤلّف أن يسير بنا «نحو أرض ثانية» ينتشر فيها الوئام، ويغلب عليها التسامح، وتتضامن فيها الجهود للوصول الى أعلى المراتب الإنسانيّة. وهو في كل قصة يرويها يوجز في خاتمتها المغزى العميق من وقوعها. في إحدى الأمسيات شاهد برنامجًا تلفزيونيًا يستعرض أشخاصًا عاديين قاموا بأعمال غير عاديّة لمعاونة المجتمع على التقدم.

بهرته نخوة هؤلاء «الأبطال» الذين اندفعوا من دون لقاء لمساعدة إخوتهم في مختلف أصقاع العالم. مهندس أميركي شاب ينظف قعر بئر ارتوازي ويطليه بالاسمنت لتنقية مياه الشفة والتخفيف من نسبة التلوّث التي أخذت تفتك بآلاف الأطفال في افريقيا. شاب بهيّ الطلعة صغير السنّ يدفع أمامه عربة كبيرة محملة بكتب وألعاب تثقيفية، يجري بها من شارع بائس إلى آخر، يوزّع الكتب على الصغار ويروي لهم القصص. وعندما سئل عن سبب اختياره، أجاب: «لا يستطيع هؤلاء الأولاد الذهاب الى المدرسة ليتعلموا، فلتأت المدرسة إليهم». أما سائق الأوتوبيس المكسيكي الذي يعيش بمنطقة فقيرة فإنه ينتظر انتهاء دوامه ليعود مسرعًا الى منزله ويعمل مع جميع أفراد العائلة على تحضير وجبات سريعة تعدّ بالعشرات لتوزيعها مساءً على المشرّدين.

أحداث

يستعرض المؤلّف أحداثًا وقعت معه أو حواليه، فيخبرنا عن صبية بعمر الورد تدرّبت في المستشفى على استعمال آلة غسل الكلى لتخفّف عن والدها مشقّة الطريق، وبعدما توفي عاهدت نفسها على القيام بدورات لتدريب الأهل عليها.

ويروي لنا قصة شابة فقدت زوجها بعد سنة على زواجهما، ووجدت نفسها مسؤولة عن والديه الشيخين، والمعاناة التي تكبدتها فترة سنوات، وكيف انتقلوا جميعًا من أجواء المأساة إلى فرح الحياة.

ويتكلم أيضًا عن الحرية والمسؤولية. عن الاستقلالية التي يطالب الشبان بها وهم لا يزالون على مقاعد الدراسة لا خبرة لديهم بما يخبئه لهم القدر. فالشاب الذي لم يتقبل نصيحة أمه بعدم السرعة في قيادة السيارة خسر حياته وألزم والدته الصمت طوال حياتها حزنًا عليه. وفي حديثه عن الخوف والقلق والاكتئاب يدلنا المؤلّف على طريق التخلص منها وإعادة رسم الابتسامة على الوجوه. يحلّق المؤلّف في أفكاره عندما ينصرف الى «المشي» في شوارع «الداون تاون». وصفه الرائع يحيي في القارئ الرغبة في مرافقته خطوة خطوة. يصوّر لنا الأماكن بأسلوبه النابض بالحياة، ويرصّع الوصف بأخبار ومعلومات وانطباعات استقاها من ذاكرته. في هذا الكتاب دعوة إلى الناس للإسهام في تغيير ما حولهم. «نحو أرض ثانية» هو الفرصة السانحة للعالم كي يغتنمها. فالأرض ترزح تحت أثقال الجهل والمرض والفقر والكوارث الطبيعية. وما علينا سوى أن نخطو خطوة أولى فتتبعها الخطوة الثانية والثالثة، وإذا بوجه العالم يتغير، فتحل البسمة على الوجوه، وتختفي مسحة الحزن من العيون.

http://www.aljarida.com/ALJarida/Article.aspx?id=174370

Leave a Reply

Your email address will not be published.