“العراقيون الأرمن والإبادة الجماعية”


إعداد وتقديم ملكون ملكونيان

نص المحاضرة التي ألقاها د. ملكون ملكونيان بعنوان “العراقيون الأرمن والإبادة الجماعية”، خلال الندوة العلمية “الإبادة الجماعية في العراق”، بتاريخ 20/10/2014، وذلك في جامعة بغداد / كلية الآداب.

“السيدات والسادة الافاضل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نحن مجتمعون اليوم لمناقشة أبشع وأفظع جريمة ممكن أن ترتكب بحق الأنسانية وهي الإبادة الجماعية أو ال Genocide والتي تعتبر كبرى كبائر الجرائم الدولية، مصطلحٌ تردد على مسامعنا كثيرا” في الأشهر القليلة الماضية ولكنه ليس بالجديد بالنسبة لي، كوني عراقي من أصل أرمني وكممثل منتخب عن هذا المكون وأحد أحفاد الأجداد الناجين من الإبادة العرقية الجماعية الأرمنية التي أرتكبت بواسطة السلطنة العثمانية وأزلامها، لذا أقف اليوم مع أبناء وطني العراق في خندق واحد لأحياء ذكرى ضحايا هذه الجرائم في العراق.

أود أن أوضح بان هذا المصطلح القانوني Genocide أوجِدَ في عام 1944 لتوصيف جميع أنواع العمليات المرتبطة بالتمييز العنصري والتهجيرالقسري والقتل الجماعي مع سبق التخطيط والأقرار ومن ثم التنفيذ وذلك من قبل جماعة متسلطة ضد جماعة تابعة لها أو ضعيفة.

تعرض الشعب الارمني ولسنوات طويلة تمتد ما قبل 1890 والى1923، في موطنه الأصلي والتأريخي في الهضبة الأرمنية عند منابع نهري الدجلة والفرات (شرق وأواسط تركيا الحالية)، حيث كانوا متواجدين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، تعرضوا الى شتى أنواع الحرمان والتهجير والتعذيب والقتل، أي محاولات أبادتهم من قبل السلطات العثمانية وسلطات الاتحاد والترقي ومن ثم السلطات الأتاتوركية والتي حكمت الأناضول في حينها ووصلت هذه المجازر أوجها في عام 1915، حيث بلغ عدد ضحايا الأرمن في هذه السنة المشؤومة فقط 1.5 مليون، أما أجمالي عدد الضحايا في الفترة المذكورة فيصل ما يقارب 3 ملايين أرمني.

أن من قام بالتفكيروالتخطيط والتنفيذ للأبادة الجماعية الأرمنية قبل 100 عام هو نفسه الذي يقوم اليوم بنفس الأعمال الوحشية والبربرية تحت مسميات مختلفة ولكن الهدف واحد وواضح وحسب أعتقاد المجرم هو التخلص من العرق والمذهب والمعتقد غير المرغوب بهم. وبذلك تكون الضحية هي نفسها ألا وهي الأنسانية والمحبة والألفة والتعايش المشترك ونبذ العنف … مع شديد الأسف هذا هو مبدأ الغاب … “أما أنا أو لا أحد” …

لذا فأن خير من يقدر هذه المآسي والآلام ويتعاطف معها ويشاطر من يتعرض لها هم أخوتكم العراقيين من أصول أرمنية، لانهم مروا بأقسى تجربة ممكن ان يتعرض لها شعب.

سيداتي وسادتي، أقرت الأمم المتحدة أتفاقية تقضي بمنع الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها في 9 كانون الأول 1948، ومن الجدير بالذكر إن العراق أحدى الدول الموقعة على هذه الأتفاقية. وأعتبرت هذه الأتفاقية بإن “الإبادة الجماعية” بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها “بمنعها والمعاقبة عليها”.

إن أكثر ما يشجع المجرم على جريمته هو تأكده بإنه لن يعاقب. والدليل التأريخي لهذه الحقيقة هو ما جاء في خطاب الزعيم الألماني النازي “أودولف هتلر” عشية الحرب العالمية الثانية في 22 آب 1939 حين قال لقادته “… إن هدف حربنا ليس له حدود معينة، بل هو التدمير الكامل للعدو …” وأنهى خطابه بقوله أو تسائله ” ومن يتكلم اليوم عن الإبادة الأرمنية ؟؟؟” وكأنه كان مقتنعا” بأن ليس بإستطاعة أحد معاقبة القائمين بذلك.

إن أتفاقية “منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” لعام 1948، عَرَفًت الابادة الجماعية “بانها مجازر ضد المدنيين بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة ما، إن كانت عرقية أو أثنية أو مذهبية أو دينية” وذلك بقتل أعضاء من الجماعة وإلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بهم وأخضاعهم عمدا” لظروف معيشية قاسية يراد بها تدميرهم كليا” أو جزئيا” وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال ونقل الأطفال عنوة الى جماعات أخرى أو أحدى الحالات الآنفة الذكر.

وبعد 20 عاما” من أقرار القانون الأول في 1948، أي في 26 تشرين الثاني 1968 أقرت الأمم المتحدة أتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية وإعطاء الحق لمتابعة وملاحقة القائمين بذلك لمعاقبتهم، لذا فيجب أن لا يسري على ذكرها التقادم أيضا ويجب الأعتراف بها والمطالبة بكل أنواع التعويضات الممكنة.

عليه فأنني وبأسم المكون الأرمني في العراق أحيي الفكرة النبيلة والموقف الأنساني من وراء تنظيم هذا المؤتمر وأدعو المؤتمرين، كونهم أبناء هذا البلد الذي أنظم مبكرا” الى الأتفاقية المذكورة ولكنه مع شديد الأسف عانى الكثير من جراء هذه الجرائم، أدعوهم بإن يقفوا وقفة حق في الأعتراف بالأبادة الأرمنية وذلك لأن الأعتراف بهذه الجرائم أحد أهم مقومات الردع أمام تكرارها، وهذه حقيقة مثبته لا تقبل الشك، لأن الأعتراف يساهم في تسليط الضوء على هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها بما يجعلهم عبرة للاخرين.

وهنا أود أن اؤكد بانه من غير المقبول أبدا السكوت على هذه الجريمة والتذرع بأن الدولة التي تعتبر نفسها طوعا وريثة الدولة المسؤولة عن الأبادة (واقصد تركيا) بأنها دولة جارة ولنا مصالح معها، لأنه ومن المفترض بإن هكذا أعتراف لا يتعارض مع المصالح بل هي كلمة حق ونصرة للحق, وإننا على يقين بأن أبناء هذا البلد لا يخافون من قول “الحق” ولأن أنهارا” من الدماء سالت في سبيل “الحق”، وأن أبناء هذا البلد هم سلاًن من قاتلوا لأحقاق الحق ولن يتوانوا عن النطق به، ولأننا كعراقيين عانينا الأمرين من هذه الجرائم ومن السكوت عنها، والسكوت هنا يرتقى الى المشاركة بها، لذا فعلينا أن نعترف بهذه الجرائم لحماية مستقبلنا ومستقبل أولادنا من تكرار مثل هذه الفظاعات وهنا تكمن مصلحتنا الحقيقية، لذا فإنه من باب المصلحة بالأضافة الى كونها مسألة مبدئية أن نحث حكومتنا بأن تعترف بالإبادة الأرمنية، حيث إن أخوانكم في الوطن والأنسانية يتذكرون ويحيون ذكرى تلك الأبادة في يوم ال 24 من نيسان من كل عام ومنذ عقود مضت، وتصادف السنة القادمة 2015 الذكرى المئوية الأولى للإبادة الأرمنية، حيث سيتم أحياء الذكرى المؤلمة بطرق مختلفة ومنها إقامة مؤتمر كهذا، لذا ندعووكم للمشاركة بأبحاثكم التخصصية ومقالاتكم وكلماتكم للأثراء وإحقاق الحق.

وفي الختام أود أن أعيد التأكيد بان هذا المصطلح قد صيغ أبتداءا لتوصيف مصير كل الشعوب التي تعرضت لهذه الجريمة الدولية وإنه في قمة الأنسانية أن نعترف بها ونسمي الأشياء بأسمائها مع تذكرنا من مر بهذا المصير المشؤوم من أحبائنا وأولاد بلدنا – العراقيين.

حفظكم الله وحفظ شعبنا وبلدنا العراق من كل سوء … وشكراً”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.