هاروت ساسونيان: بريطانيا العظمى تغيّر سياستها بشأن الإبادة الأرمنية

أعد الاختصاصي البريطاني المعروف في القانون الدولي جيفري روبرتسن عام 2009 تقريراً من 40 صفحة كشف فيه عن تصريحات وزارة الخارجية البريطانية الكاذبة وغير المؤكدةبشأن الإبادة الأرمنية.

إن التقرير الاستقصائي لروبرتسن بعنوان “هل وقعت الإبادة الأرمنية؟” والمبني على الوثائق الداخلية البريطانية والتي تم الحصول عليها بفضل قانون “حرية الإعلام” كان قد كشف عن أن وزارة الخارجية أنكرت الإبادة الأرمنية وزودت البرلمان البريطاني بمعلومات كاذبة في هذه المسألة لاسترضاء تركيا.

كان روبرتسن قد أرسل لي النسخة الأولية من كتابه الجديد المؤلف من 286 صفحة بعنوان “إبادة محرجة، مَن يتذكر الأرمناليوم؟”، والذي سيصدر هذا الشهر في بريطانيا،واستراليا، وكندا والولايات المتحدة. كل مَن يقرأ الدراسة المعمقة للحقوقي البارز لن يشكك أبداً بالأدلة الحقيقية على الإبادة وبمطالب التعويض العادلة للشعب الأرمني.

إن المستندات السرية لوزارة الخارجية البريطانية التي حصل عليها روبرتسن مؤخراً تكشف عن أن البرلمان البريطاني يغير تدريجياً موقفه من الإبادة الأرمنية بالانتقال من الإنكار الى تفادي التعبير عن وجهة النظر. وتقر وزارة الخارجية أن التغير في سياسة الدولة هو نتيجة مباشرة للحجج القانونية القوية التي طرحها روبرتسن في تقريره عام 2009.

حتى الفترة الأخيرة كانت بريطانيا العظمى متشبثة بعناد في موقفها لإنكار الإبادة الأرمنية علناً. وهناك اعتراف في المذكرة السرية لوزارة الخارجية لعام 1999 التي استشهد بها روبرتسن بأن الحكومة البريطانية “عرضة للانتقاد من الناحية الأخلاقية. ولكن بالأخذ بالحسبان أهمية علاقاتنا (السياسية، الاستراتيجية والتجارية) مع تركيا وبأن الإعتراف بالإبادة لن يأتي عملياً بفائدة لبريطانيا العظمى أو لبعض الناجين من المذابح، ولن يساعد في المصالحة بين أرمينيا وتركيا، لذا فإن النهج الحالي هو الخيار الوحيد”.

ولكن بعد نشر تقرير روبرتسن في عام 2009 غيّر المسؤولون البريطانيون موقفهم وانتقلوا من الإنكار الى تفادي التعبير عن موقف بشأن الإبادة.

أشير في المذكرة الداخلية لوزارة الخارجية لعام 2010 “أنه بعد الانتشار السريع لتقرير السيد روبرتسن قمنا بتجديد النهج العام، لنوضح أن حكومة صاحبة الجلالة تعتبر أنه ليس من شأننا أن نصدر الحكم (التاريخي أو القانوني) إن كانت المذابح الأرمنية هي إبادة أم لا”.

في مذكرة أخرى أوضحت وزارة الخارجية بأنها لن تؤكد بعد الآن “بأن الشهادة التاريخية لم تكن كافية لإقناعنا من أجل وصف هذه الأحداث كإبادة”. وتواصل المذكرة التأكيد على “أنه يوجد توافق على حجم العذاب والخسائر التي تكبدها الأرمن، وأن الوعي القانوني بشأن الإبادة ولا سيما حالات إثبات النية، والوثائق المطلوبة قد تغير كثيراً نتيجة الأحداث التي وقعت في رواندا والبلقان في التسعينيات”. ولكن وزارة الخارجية ما زالت تنصح بمعارضة الاعتراف الصريح بالإبادة، لأن “الشتات الأرمني في بريطانيا العظمى صغيرة نسبياً (أقل من 20 ألفاً) والاهتمام العام محدود”.

ومع هذا فإن الحكومة البريطانية قررت بأن تتنازل قليلاً في هذه المسألة بمناسبة الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية. في السنة الماضية عندما تقدم سفير بريطانيا العظمى في لبنان من لندن لتزويده بتوجيهات حول المشاركة في إحياء ذكرى 24 نيسان في بيروت نصحته وزارة الخارجية بالمشاركة في المراسم. وكانت وزارة الخارجية قد نصحت موظفيها أيضاً بعدم “ترك انطباع بأننا ننكر ما حدث في 1915… إننا ما زلنا نعتبر (المذابح والترحيل) مروعة حقاً وتستحق أن نتذكرها”.

قدم روبرتسن اقتراحين لإعطاء حل قانوني لمسألة الإبادة، وهما: إما أن تقدمها حكومة أرمينيا لمحكمة العدل الدولية “لإصدار حكم بشأنها وفقاً للمادة 9 من اتفاقية الإبادة”، أو تطلب من الأمين العام للأمم المتحدة إنشاء محكمة خاصة بشأن الإبادة الأرمنية.

يجب تقدير جيفري روبرتسن لتأليفه هذا الكتاب المهم للغاية عشية الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية. لقد حصلت لجنة القضية الأرمنية في بريطانيا العظمى على 1000 نسخة من الكتاب لنشرها بين صفوف المسؤولين وممثلي وسائل الإعلام في لندن. كما يمكن إيجاد الكتاب في الموقع الالكتروني Amazon.com. .

إنه لشرف كبير بالنسبة لي أن روبرتسن استشهد ست مرات بمقالاتي في كتابه. وقد أهدى روبرتسن كتابه لذكرى بن ويتاكير، واضع تقرير الأمم المتحدة عام 1985 والذي وصف المذابح الجماعية للأرمن بأنها إبادة.

هاروت ساسونيان

ناشر ومحرر صحيفة “كاليفورنيا كورير”

Leave a Reply

Your email address will not be published.