رواية “في الأرض المسرّة” عن الأرمن في السلطنة العثمانية

آرام كرابيت.. كتابة التاريخ أدبيّاً

هو روائيّ مغترب، كتب الرّواية، وترجم القصص السّويديّة، وفي روايته يستلهم الكاتب “آرام كرابيت” التّاريخ ويستشرف عِبرَه بأسلوبٍ حداثويّ يتشظّى فيه المكان والزّمان.

مدوّنة وطن “eSyria” التقتهُ بتاريخ 19 أيار 2014، وكان معه هذا الحوار:

بدأت بالقصّة القصيرة، كيف تمّت النقلة الأدبيّة إلى الرّواية؟ وبمن تأثّرت؟

عندما كنت في المرحلة الابتدائيّة، كانت إدارة المدرسة تطلب من “الآذن؛ العمّ نازار”، أن يجلسَ معنا عندما يكون المدرّس مريضاً أو مشغولاً، فيسرد لنا بعض القصص القصيرة أو الطويلة. نجلس بصمتٍ مُطلقٍ، ونصغي السّمع إلى حديثه الشّيق في زمن غياب التلفزيون، أو غيره من وسائل التّسلية كالتي نراها اليوم. يبدأ خيالنا يسرح مع كلّ حكايةٍ أو قصّة، نحلّق ونطير. أحياناً لا ينتهي من إتمام الحكاية، عندما يرنّ جرس المدرسة إيذاناً بانتهاء الحصّة؛ في هذه الحالة أضع النّهاية، أو عدّة نهاياتٍ بطريقتي، وأبقى في شوقٍ لمعرفة نتيجة الأحداث أو نهاية القصّة. هذا الخيال حفزني ودفعني للبحث والتفكير الحرّ. في البدء كتبت بعض القصص القصيرة، ولكنّ رغبتي الدّاخليّة كانت الرّواية الطّويلة المتشعّبة. كنت أشعر بأنّ الرّواية جزءٌ من تكويني النّفسي والعقليّ.

في روايتك “في الأرض المسرّة” يلاحظ القارئ امتزاج التّاريخ بالواقع، كيف أمكنك الانتقال من (التّاريخ – الوثيقة) إلى (الواقع- الأدب)؟ 

التاريخ البشريّ قائمٌ على العنف، على انعدام الأخلاق، ونستطيع القول: إنّه متشابه إلى حدّ كبير. استطعت أن آخذ من التّاريخ التركيّ، الإبادة التي تعرّض لها الأرمنُ كتجربةٍ حقيقيّة وفعليّة، وأسقطّها على المجتمعات الإنسانيّة في علاقة السّلطة بالمجتمع. لا أرى فارقاً كبيراً بين هذا المجتمع أو ذاك، كلّه مرشّحٌ للانتقال من الهدوء إلى الانفجار. إنّ تاريخ البشريّة هو تاريخ السّلطة في علاقة مركّبةٍ وشديدة القسوة من الإخضاع. وتحت مسمّياتٍ أخلاقيّة، دينيّة، أو قومية، أو مشاريع إنسانيّة جرى تصفية كتلٍ بشريّة هائلةٍ لإرضاء غرور السّلطة. في رواية “في الأرض المسرّة”، النّاس يميلون إلى الفنّ، المسرح، الموسيقا، الشّعر، الفرح، والعيش في الهواء الطّلق، ففي علاقتهم مع السّلطة تتغيّر الكثير من الاهتمامات، إضافة إلى أنّه في هذا العصر؛ العصر الرّأسماليّ في علاقة المركز بالأطراف، يجري تفكيك وتمزيق المجتمعات القديمة، فينعكس ذلك في قسوة السّلطة في البلدان المتخلّفة على المجتمع. رصدت وضع السّلطنة العثمانيّة وأفول نجمها، وصعود نجم الغرب في علاقة ربطٍ وفكّ، رغبة ورفض. هذا الوضع دفعتْ ثمنه شعوبٌ كثيرة من الدّم والقهر والضّياع. صحيحٌ أنّ “الأرمن” دفعوا فاتورةً كبيرةً بسحق وجودهم، بيدَ أنّ شعوباً أخرى دفعت الكثير أيضاً؛ “الفلسطينيّون، روندا، وبوروندي، فيتنام”، وغيرها.

ترجمت بعض القصص القصيرة السّويّدية إلى اللغة العربيّة، هل هناك تقاطعات بين القصّ السّوريّ والسّويديّ؟ وماذا يبقى من الأدب عندما تتمّ ترجمته؟

ترجمت بعض القصص القصيرة والطّويلة كتسليةٍ وتبديدٍ للوقت، بيدَ أنّي لا أعتبر نفسي مترجماً، أو أملك أدوات التّرجمة واللّغة السّويديّة. أنا أكتب أو أترجم كهاوٍ؛ حيث أختار نصوصاً سهلة وبسيطة وأترجمها. ترجمتُ حياة ستّة ملوكٍ سويديّين لا يتعدّى حجم كلّ قصّة العشرين صفحة، وبعض الرّوايات للأطفال، ورواية متوسّطة الحجم. أعتبر النّص العربيّ الّذي أترجمه أجمل وأفضل من النّصّ السّويديّ الجافّ. ترجمت النّصّ بكلّ أمانةٍ، وقرّبته من ذهن القارئ العربيّ.

أنت مقيمٌ في “السّويد”، إلى أيّ حدّ انعكستْ الغربة على نتاجك الأدبيّ؟ وهل حقّاً تحوّل العالم إلى كونٍ صغير بفعل العولمة ووسائل الاتصال الحديثة؟ 

عندما كنت في الصفّين السّابع والثّامن، قرأت الكثير من الأعمال الأدبيّة لمبدعين كبار، وكنت أذهب إلى مكتبة المدرسة وأستعير الرّوايات العالميّة، ولا أدري لماذا كنت أحبّ الأدب الغربيّ، حيث قرأت: “البؤساء، وبائعة الخبز، جان بول سارتر، وألبير كامو، وليم سارويان، بلزاك، وألبيرتو مورافيا، وتشارلز ديكنز، شكسبير، الأساطير اليونانيّة، والرّومانيّة”، إضافة إلى الأدب الرّوسيّ: “الأمّ لمكسيم غوركي”، وأعمال “بوشكين، وديستوفسكي، وتولستوي”، وكتّاب سلسلة العظماء: “باستور، ونابليون، والمتنبّي، وهاني بعل، طارق بن زياد”، والكثير الكثير من الأعمال الإبداعيّة العالميّة، والتحقيقات. كنت أجد في الأدب هروباً من الوظائف المدرسيّة الثقيلة، ومتنفّساً لحياتي، وكنت إذا سحرني اسمُ الكاتب فقط أقرؤه، ولا أعرف عنه سوى الاسم، بيدَ أنّ اسمه يبقى في ذاكرتي، كنت أشعر بالفرح مع كلّ كتاب جديد أستعيره من المكتبة، أطير معه، أغرق في الهروب من الواقع المرّ. العالم كان كونيّاً منذ زمن موغل في القدم، يسير مع أقدام جيوش الغزو والتمدّد؛ فتنفتح الثقافات على بعضها بعضاً بفضل التوسّع، ومنذ القديم تُرجِمتْ الفلسفات والكتب الدّينيّة والطّبّيّة، والأساطير إلى اللغات الأخرى. في “السّويد” لا يمكنك شراء الكتب أو الحصول عليها، لكنّ “النّتّ” وفّر عليّ هذا الشّيء، فجميع الكتب التي أحصل عليها هي من هذا العالم المعلوماتيّ. لقد استفدتُ من الغربة، الفراغ، لأكتب العزلة. وعدم قدرتي على التّواصل مع النّاس فرض عليّ أن أبدّد وقتي في الكتابة؛ فأنا لا أتقيّد بمدرسةٍ أو روائيّ أو نصّ. أكتبُ بعفويةٍ وصدقٍ، ونكران للذات، وعدم الرّغبة في الشّهرة. المهمّ أن يصلَ ما أكتبه إلى النّاس، والاسم ليس مُهمّاً.

في الرّواية الحديثة نلاحظ انقطاع السّياق، وتشظّي الزّمان والمكان، هل تعتقد أنّ النّقد الرّوائيّ يواكب تطوّر الرّواية؟ وكيف تنظر إلى آليّات التّلقّي والقراءة الحالية؟

منذ بداية التاريخ، يسعى الإنسان إلى الخلود في الزّمن، فحلّق وأبدع، حلمَ وخلقَ لنفسهِ إلهاً على مقاس حلمه، وارتقى بالحلم إلى الخلودِ في محاولةِ تجاوز المكان والزّمن الذي يعيشه عبر خلقِه الملاحمَ والأساطير، وهي شكلٌ آخر لهذا التّجاوز، وحتّى الأغاني كانت محاولةً للهروب من الحيّز الضّيّق إلى الفضاء غير المُقيَّد. في الحقيقة، أحبّ أن يكون الزّمن معوّماً في الرّواية إضافة إلى المكان، فهذا يغني العملَ ويفتح الآفاق الواسعة للمعرفة، وينقل العمل الفنّي الرّوائيّ من الحيّز المُحدّد إلى الحيّز العامّ للوجود، كمراوغةٍ لالتقاط زواياه وأبعاده، وفتح مستوياتٍ وعلاقات مفتوحةٍ في الإطار العامّ للرّواية. إنّ الزّمن الإنسانيّ في علاقته بنفسه، وفي علاقته بالطّبيعة في صراعهما يجب أن يكون مفتوحاً. صحيحٌ أنّ الرّواية تحتاج إلى حقلٍ “زمكانيّ” لإضفاء قيمةٍ خاصّة لها، ولتأخذ بعداً دلاليّاً في عملية تشكيلها، بيد أنّ ذلك يجب أن يبقى عائماً لرصد التحوّلات داخلها. في رواية “في الأرض المسرّة”، استطعتُ إسقاط زمن السّلطة العثمانيّة؛ لأقيّم الزّمن الإنسانيّ في علاقته بها، وعلاقة السّلطة في تشظّي المجتمع وتفتيته، فجعلتُ الزّمن التّاريخيّ زمناً روائيّاً، زمن البشر المهروس، زمنَ الحكاية والإنسان الذي لا ينتهي وصولاً إلى دلالات عامّة. إنّ العمارة الفنّيّة للرّواية يجب أن تنظّم فنيّاً وجماليّاً؛ ليحمّل الكاتب من خلالها منظوره للعالم، وموقفه الفلسفيّ والفكري من التحوّلات الاجتماعيّة والسّياسيّة والرّوحية، ويرصد من خلالها زمن الإنسان؛ خضوعه ونضاله، نجاحه أو هزيمته، أمله، فرحه، مسرّته، يأسه، وجوده وموته، وآليّة حركتهِ داخل هذا الحيّز الفضفاض والضّيّق في الوقت نفسه. لا أعتقد أنّ النّقد الرّوائي يُواكب تطوّر الرّواية، ويجب ألا نغفل أنّ من يقيّم الأعمال الإبداعيّة هي البلدان المركزيّة “أوروبا والولايات المتّحدة”، وهي من تسوّق أيّ عملٍ، أو تحطّ من قيمته الفنّيّة. إنّ القارئ المُعاصر أصبح أسيرَ هذا التقييم؛ فالأعمال الإبداعيّة التي تتماهى مع تحوّلات الحداثة هي من تُفتَحُ لها الأبوابُ وتنطلقُ إلى العالميّة، وقد ساهمت الجوائز العالميّة التي يمنحها الغرب في تخريب الإبداع والعطاء الأدبيّ لمصلحة التوجّه السّياسيّ، والاستراتيجيّ لقيادة العالم. هناك عشرات الآلاف من المبدعين جرى تهميشهم، ونكران أعمالهم لمصلحة أعمالٍ مَرْضيّ عنها، ولهذا أرى أنّ الرّواية، والشّعر، والفنون كلّها تعيش في قوالبَ جرى السّهرُ عليها، لتتناغم مع القوالب المرسومة في أذهان من يريد أن يحوّل الفنّ والأدبَ إلى مجرّد سلعةٍ وجوائز، وأعتقد أنّ الكثيرين من الفنّانين والأدباء بدؤوا يتكيّفون ويكتبون بما يتناغم مع ما يريده أصحاب ما بعد الحداثة.

وأخيراً، ما هي مشاريعك الأدبية الحالية؟

لديّ كتاب جاهز كتبته في العام 2012، يحتاج إلى مراجعةٍ وتدقيقٍ، سأحاول نشره هذا العام. وفي ذهني عملٌ روائيّ جديد أعمل عليه، وآمل أن أوفّق في إنجازه.

في رواية “في الأرض المسرّة”، اختار الرّوائيّ “آرام” مادّة روايته من التّاريخ الأسود للسّلطنة العثمانيّة في “أوروبا والبلقان”، كما يقول القاصّ والنّاقد “علي الشّاويش” الذي يضيف: «اختار ذلك في هذه اللحظة الدمويّة الفاجعة التي تمرّ بها أوطاننا في الشرق؛ ليقول إنّ التاريخ كان ولا يزال يمشي ملطّخَ القدمين بدماء الناس الطيّبين، الذين هم وحدهم من يدفع ثمن الحروب والاستعمار والاستبداد. وإنّ الحرب لا تفرّق بين مسلمين، أو مسيحيين، أو أكراد، أو أرمن…؛ الحربُ دينها القتل والحرق والنهب. غير أنّنا، رغم كلّ هذه الفجائعيّة التي تلقي بظلالها على الرّواية، نلمس للأمل ضوءً عبر شخصياته التي اعتنقت، وبقيتْ تعتنق حتّى لحظة الموت، الفنَّ، والأدبَ، والمرَح، والموسيقا، والطيبة والصداقة والحبّ، اعتنقت ذلك كدينٍ تؤمن به أشدّ الإيمان؛ وبذلك يؤّكد المقولة القائلة: “وحده الفنّ سينقذ العالم”.
الدّكتورة الروائيّة “إيمان البقاعي” تحدّثت عن رواية “في الأرض المسرّة” بالقول: «هي رواية الغضب والهياج الجامح، التي تشير إلى إخضاع الطّرف الأضعف لأمزجةٍ لا يستطيع حتّى الشيطان أن يتنبّأ ماذا ستفعل، هي رواية الحامي والمحميّ في كلّ زمانٍ ومكانٍ، بشروطٍ يفرضها الأوّل، ويقبلها الثاني حتّى لو كانت هذه الشّروط أفظع من أن يصدّقها عقلٌ أو تقبلها إنسانيّة. هي رواية كلّ ضعيفٍ ذلّ ماضياً ويُذلّ حاضراً وسيذلّ مستقبلاً، وإن كان الرّوائي “آرام كرابيت” قدّمها من خلال زمن السّلطة العثمانيّة ليقيم علاقة الزّمن الإنسانيّ بهذه السّلطة من خلال فعل (الحكي) الرّوائيّ البارع الذي يشدّك منذ الصّفحة الأولى، جالداً إنسانيّتك بسوطِ الوجع الذي لا ينتهي، فتبحث عن كوّة نورٍ تتدثّر به من الظلمات والظلم”.

يُذكر أن، الروائي “آرام كرابيت” من مواليد مدينة “القامشلي” عام 1958، ومن أعماله:رواية “في الأرض المسرة”، عام 2014. وكتاب الرحيل إلى المجهول، عام 2010. وترجم العديد من القصص السويدية.. ويقيم حالياً في “السويد”.

رضوان أبوغبرة

مدوّنة وطن “eSyria”

Leave a Reply

Your email address will not be published.