الأرمن وسؤال المواطنة في رواية “صيد العصاري” للروائي المصري محمد جبريل

الأنا، والآخر، وهموم الوطن، والبحث عن الهوية، وغربة الذات، والانتماء، رؤى وأفكار ومترادفات وتيمات خاصة، استند إليها الكاتب الروائي محمد جبريل، واعتمد على تجسيد خطوطها في العديد من سردياته الروائية الواقعية منها والتاريخية، لامتلاكها حس الأسئلة المتلاحقة حول الإنسان العائش حقيقته المطلقة، والباحث عن حريته المستلبة، وهويته الأصيلة المفقودة في كل مكان وزمان يحل ويوجد فيه، حيث أسس من خلال هذه التيمات عوالم وأنساقا سردية ذاتية الإيقاع والحركة في أنماطها المعرفية والمتحلقة حول تأزمات الإنسان العامة والخاصة، تناولت فيها الذات، وعلاقاتها بالآخر من وجهات نظر متباينة ومتعددة، واعتمدت في توجهاتها على شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية الممزوجة بواقع وزخم المكان والزمان، خاصة ما يرتبط فيه بمدينة الإسكندرية، المكان الأصيل الذي ارتبط به الكاتب مولدا وحياة وتفاعلا وإبداعا، خاصة ما يتحلّق منه حول حي «بحري» الحي الاسكندري الشهير الواقع في الجزء الشمال الغربي للمدينة، وهي المنطقة التي يحتفي به محمد جبريل دائما في معظم سردياته، بل تكاد تكون هي المفجّر لمعظم أعماله الإبداعية، والمتجذرة تماما بأحداثها وشخصياتها وطبيعتها في صميم بؤر هذه الأعمال، حيث البحر والتاريخ القديم لراقودة، أصل المكان والزمان الاسكندري، وحيث حياة الصيادين القديمة والحديثة، وحيث موتيفة «صيد العصاري» التي جاءت واضحة جلية في روايته الموسومة بالعنوان نفسه، وما يحيط بهذه المقولة المستمدة من واقع البيئة لهذه المنطقة من دلالات فرضتها طبيعة المكان وخصوصيته، وواقعية البيئة الساحلية الاسكندرية الشعبية الكامنة فيه، والفضاء الرحب لحياة الكثير من قاطني المدينة من الاسكندريين والأجانب، الذين يعتبرون عماد المكان في أزمنة معروفة ومحددة، وهم أيضا المحركون لهذه الواقع الخصب الثري بكل توجهاته، وظلاله وملامحه الخاصة، وحيث الحياة الشعبية المرتبط بصوفية ما يحيط بحس المكان الأصيل ـ في حي بحري – من ألفة دينية وواقع تتجمع فيه مآذن العديد من المساجد وتراتيل الصلاة وآذانها.
ولعل المواطنة التلقائية التي وجد فيها كثير من سكان هذه المنطقة هويتهم، وانتماءاتهم الخاصة، التي جاءت روايته «صيد العصاري» – على حد قوله ـ كعزف أخير على نغمة هذا الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي المتكئ على فضاءات هذا المكان الأثير، وهو الذي جعل هذا المكان الاسكندري في هذا النص الروائي المضّفر بزمن سياسي واجتماعي وقع عليه عبء تجسيد الواقع العام لمرحلة مهمة من مراحل الحياة في الإسكندرية، من خلال هموم وهواجس الذات الحائرة، وانعكاس زخم الممارسات المختلفة للحياة في هذا المكان على مستوى البيئة والواقع بحمولته المؤثرة والمتفاعلة مع ما تطرحه من ابعاد اختار لها الكاتب الأقوامي من جنس الأرمن الذين سكنوا هذا المكان ووجدوا فيه الأمن والأمان والحياة المتوافقة مع سماتهم الخاصة، ومن ثم وظف علاقة الأنا والآخر الموجودين معا في هذا الإطار ليعمّق من خلالهما بعد التجانس والتلاحم الإنساني في أسمى صوره، ولعل المزاوجة التي جاءت عبر النص بين الأنا الاسكندري الأصيل والآخر الأرمني الوافد من أرمينيا والمتجذر في فضاءات هذا المكان بكل قوة، قد أعطى النص بعدا حيويا تميزت به طبيعة المكان وخصوصيته، وعاشت من خلاله المدينة فترات خصبة متلاحقة كمدينة ساحلية لها سماتها الخاصة، ولها تاريخها الاجتماعي والسياسي والثقافي المحدد سلفا، واستمدت ملامح تكوينها وطبيعة أهلها من تفاعل العلاقات الإنسانية بين الأجناس المختلفة التي تسكن المكان وتمنحه بعدا كوزموبوليتانيا خاصا، وأيضا تغلغل الحس الإنساني الأصيل في وجدان ساكنيه، وحفره لأبعاد سطوة تغلغلت في عمق التجربة بقوة، وحفرت مسارات من الأخاديد الغائرة على مستويات الذات المختلفة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.
ولا شك أن الوطن والهوية والانتماء في هذا النص هو جزء من منظومة مرحلة من النصوص السابقة عليه، حيث سؤال المواطنة والانتماء والاغتراب، تيمة أساسية لعب عليها محمد جبريل، خاصة في أعماله الروائية الواقعية التي استهدفت المكان والشخصية الاسكندرية الأصيلة في تركيبتها وملامحها وظلالها، وعمق بها جوانب أصيلة تحملها التركيبة السكانية الاسكندرية المعتمدة على ابن البلد والأجنبي الوافد والمكونين في المدينة مزيجا من الحياة الطبيعية والمواطنة الأصيلة، وفي ذلك يقول محمد جبريل في تصديره للنص»:

كتبت «الشاطئ الآخر» تنويعا على لحن الوطن، وكتبت «زمان الوصل» تنويعا ثانيا، و»زوينة « تنويعا ثالثا.. هذه الرواية ـ صيد العصاري – تنويع ـ لعله الأخير ـ على اللحن الذي يبحث عن إجابة السؤال: ما الوطن؟» وقد جاءت الأنا مستكملة لشخصية حاضرة في النص تمثل هذا الشاب المصري صلاح بكر، بينما علاقته المختلفة مع كثير من التيارات السياسية في الإسكندرية، الإخوان والليبراليين واليسار، بينما الآخر في بؤرة الرواية هو من «الأرمن» الذين ارتأى بعض منهم في المكان الاسكندري وطنا جديدا لهم بعد هذا الشتات الكبير الذي مزق شملهم وتغلغل في حياتهم وفرق جموعهم، وطاردهم في كل مكان، حتى وجدوا الأمن والآمان على «الشاطئ الآخر» في الإسكندرية، ولعل هذا أيضا هو سر الإهداء الذي صدّر به محمد جبريل العتبات الأولى لنصه الروائي بقوله»: إلى الطبيب الأرمني مارديروس، جاري القديم الذي ظل ـ منذ طفولتي ـ حالة «تثير الذهن بالأسئلة والملاحظات».

وقد أوضح هذا الإهداء آليات النص كلها وجسّد الشخصية الروائية التي امتزج واقعها بواقع «الأنا»، الشخصية الراوية والساردة للحدث التي امتزجت أيضا تماما مع شخصية «الآخر» العائش هموم وإشكالية الانتماء والاغتراب والمأساسة الحقيقية لهجرة شعب بأكمله، والحياة في قسوتها المحتدمة في الشتات، على أمل العودة والرجوع إلى الذات الحقيقية، الوطن السليب أرمينيا، وهو ما جاء على لسان أندريا بابيجيان والد نورا حين»: تحدث بلهجة تخلو من الكلفة. روى عن قدوم أبويه من أزمير، في هجرة الأرمن أواخر القرن التاسع عشر. آلاف الفارين من المذابح والمجاعات. استوعبتهم الخيام والعشش في أفنية الكنائس والمدارس الأرمنية، ثم خرجوا إلى وظائف الحكومة، والحرف التي يتقنها الأرمن، ونقلوها إلى مصر: التصوير، وصناعة الزنكوغراف، وصنع البسطرمة، وإصلاح الأحذية». وكانت هذه الأحداث وغيرها قد وطنّت موقف الأرمن في الإسكندرية، وهي المسكونة منذ وفادتها بهواجس هذا البحث الدؤوب عن الهوية الإنسانية المستلبة من تاريخها والموضوعة في واقع غير حقيقي تعيشه رغما عنها، وتتفنن من خلاله في البحث عن هويتها المفقودة بأي وسيلة من الوسائل، التي قال عنها أندريا بعد وفادة أبيه إلى المدينة، «عمل أبي ثلاث سنوات في وكالة ماتوسيان للسجاير بشارع فرنسا. لم تكن مهنته، فاستقال منها، وافتتح ورشة صغيرة لصناعة الجلود.. وكما ترى فإن إنجابي هو إنجاز أبي الأول”.

والسؤال الذي يطرح نفسه في بداية النص، وفق عتبته الأساسية هو العنوان الذي جاء على هيئة مقولة شهيرة معروفة لدى البيئات الساحلية، والمرتبطة بعملية صيد السمك، التي يطلق عليها «صيد العصاري»، وهي المرتبطة بصيد سمك المياس عصرا، وهي تحمل بالنسبة للكاتب هاجس سؤال البداية أو السؤال المرتبط بدلالات النص وحركته الداخلة في نسيجه وبنيته، وأيضا في مضمونه العام. إن البحث عن إجابة واضحة لهذا التساؤل إنما تكمن في المناخ العام الذي جاء عليه السرد ذاته في معظم نواحيه، وآلية خيوطه وأحداثه وشخوصه، وإسهام الكاتب في توظيف سلطته وهيمنته على مجريات الأحداث في نصه، بحيث يتلاءم الجميع ويتحلّقون تحت مسمى العنوان بتأويله وتواصل دلالاته الخاصة.. فداخل سياق النص صيغة ارتآها الكاتب، وجسد من خلالها عالمه الذي هو ذاته عالم النص، وعلى هذا الأساس جاء العنوان تحت مسمى «صيد العصاري» وهو صيد سمك المياس في منطقة بحري وقت العصر، وهو الوقت المناسب لهذا الفعل، وهي كما تبدو مقولة تحمل هواجس الكاتب، وذكريات استحضرها في النسيج العام للنص لتعبر عن مكنون الذات، والعلاقات الإنسانية المتشعبة داخل الأحداث، والوقائع المتراكمة والممتزجة على مدار الزمن الفعلي للنشاط الروائي، في نص يتخذ من المكان الاسكندري، والبيئة الساحلية الاجتماعية المعروفة بنشاطها في صيد السمك، والمرموز له بصيد هذا النوع الطاغي من الصيد، والمسمى «صيد العصاري»، خاصة عندما قدم له الآخر المتمثل في نورا وأسرتها وجبة سمك المياس على منضدة أرمينية تعيش الإسكندرية بكل زخمها وتنوع مسارها فيها كنوع من التكريم ورد الجميل، أو نوع من التلاحم والتناغم الاجتماعي الذي يطلق عليه البسطاء «عيش وملح»، وهو ما يؤكد روح التآخي بين الأنا والآخر في البيئة الاسكندرية الشعبية في هذا الحي العريق «حي بحري»، وعلى ذلك كان العنوان دالا ومؤولا لطبيعة العلاقة المتجذرة بين الأنا والآخر في هذا السياق. كما أن الإشكاليات السياسية والاجتماعية الممتزجة بمجريات وممارسات الواقع في هذه البيئة تعتبر هي الأخرى خطوطا أساسية لنسيج السرد الوصفي والحواري الذي أعطاه الكاتب نشاطا روائيا متناميا في بلورة أحداث هذا النص. مما يجعل المنظومة الروائية في عالم محمد جبريل المتخذة من الإسكندرية خلفية تموج فيها تيارات متدافعة من الثورات والدفقات تتشبث بواقع ومناخ وتاريخ المكان والبيئة والشخوص والأحداث في مكان أثير لدى الكاتب صنع منه وحدة لها خصوصيتها، حين ولج عالما متداخلا ومتقاطعا ومشتبكا مع عالم المكان الأثير لديه في الإسكندرية، من خلال عالم جنس الأرمن بتاريخهم العام وتاريخ شخوصهم الإنسانية المنتخب بعض منها من الواقع الذي عاشته الإسكندرية في مرحلة من المراحل المهمة في حياتها الاجتماعية والسياسية.
ولعل ملامح وظلال الانتماء الذي يفرضه واقع خاص لإشكالية خاصة مثل إشكالية الأرمن في وطنهم السليب «أرمينيا» التي تشبه إلى حد كبير إشكالية الفلسطينيين على أرضهم فلسطين، والهنود الحمر على أرض أمريكا، وكثير من الجماعات والأقليات المتشابهة في الظروف والمناخ، وهي إشكالية التصفية والإبادة لشعوب ومجتمعات وبشر وهوية، وطمس لمعالم لا يمكن طمسها بأي حال من الأحوال، ومحو لأصول لا يمكن محوها أبدا، أو إزالتها من الوجود، لأن الجذور الأصلية في معظم حالاتها وفي واقعها الجديد لا زالت متشبثة بالأرض الأم، حتى لو تركت هذه الأرض إلى أرض أخرى، ولأن الانتماء الخاص بها نابع من الإصرار على العودة حتى مع كل هذا القمع والقهر الواقع على الجميع. لذلك نرى أن التقارب الذي حدث بين «صلاح بكر» و»نورا أندريا بابيجيان» في رواية «صيد العصاري»، قد جاء نتيجة تعاطف إيديولوجي قبل أن يكون تعاطفا روحيا وعاطفيا. فمن خلال واقعها الخاص مع جذورها في أرمينيا أرادت نورا بابيجيان أن تعود إلى تاريخ أهلها في أرمينياـ وتستعيد هويتها وتبثت انتماءها وانتماء أسرتها وأهلها إلى ماضيهم الأصيل، فقامت بتوجه خاص من خلال إعداد دراسة أكاديمية عن المذابح التي تعرض لها الأرمن قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، عل هذه الدراسة تجعلها تضع يدها على مأساة وطنها، وبالتالي يقوي لديها الانتماء إلى هذه البقعة من الوطن، والحنين المستلب، ومن ثم تعرف طريقها نحو المواطنة الحقيقية لها ولأسرتها ولكل الأرمن العائشين واقعهم الضائع المفقود. أما صلاح بكر فقد كانت ثقافته وأيديولوجية نابعة من حيرته في تعامله مع واقعه السياسي الآني، وهو الذي رأى في نورا ملمحا جديدا لضخ عاطفته الجياشة تجاهها، فاتجه ناحيتها بكل عنفوان الشباب، ولعل صلاح بكر ونورا بابيجيان حين فكر كل منهما في ذات الآخر، إنما كان يبحث لنفسه عن الانتماء الذاتي عبر الانتماء العاطفي، ولكن غلبت الهوية في نهاية الأمر، فتزوجت نورا الشابة الصغيرة الواعدة من الدكتور كارو، الذي تجاوز الثمانين من العمر، وكان هذا الزواج بمثابة مقاربة للهوية التي غلبت على واقع الأمر فتجمعت الهوية والانتماء في سلة واحدة، هي قالت «: تزوجني ليصحبني إلى أرمينية.. هذه فرصتي الوحيدة لأرى أرمينية». كان زواج نورا والدكتور كارو هو استكمالا للبحث عن الذات الضائعة والأفق المفقود وتوقا إلى الحرية المستلبة بالنسبة لمستقبل أرمينيا المتوحد في ذات نورا. كما أن مأساة الدكتور كارو وذكرياته القديمة كانت هي الأخرى مسرحا خصبا لعاطفته تجاه الآخر المتمثل في مواطني أرمينيا، الذين يعيشون مأساتهم في بيئته الخاصة بالاسكندرية، فوافق على الزواج من نورا ليصحبها إلى الأرض الأم ويحقق من خلالها مرحلة البحث عن الهوية واستعادة الانتماء مرة أخرى.

وقد اختار الكاتب مرحلة سياسية مهمة من حياة مصر، جعلها المناخ الرئيسي لنصه الروائي، ومن خلال هذه المرحلة تبلورت وقائع النص .. كانت هذه المرحلة هي فترة وزارة محمود فهمي النقراشي التي اعقبت وزارة صدقي باشا، هذه المرحلة التي كانت فيها مصر تزخر بالعديد من الجنسيات المختلفة العائشة على أرض الواقع المصري من خلال «الآخر» الباحث عن هويته وانتمائه الحقيقي، وهو أحيانا يستخدم الصمت والعيش داخل الذات المحملة بتاريخ نكبته «الدكتور كارو فارتان» و «نورا» وأحيانا يستخدم التاريخ الموثّق كعلامة مهمة لتأصيل عالمه الأصلي وجذوره العميقة على أرض الواقع، وقد كانت «نورا أندريا بابيجيان» التي تمثل جزءا فاعلا من ذات «الآخر» هي نفسها الفتاة المصرية المولد، الأرمينية الأصل، التي تقوم بتوثيق تاريخ أرمينيا والمذابح التي حدثت لقومها على يد الأتراك العثمانيين وكأنها بذلك تعيد إلى الأذهان أرمينيا كما هي تتمنى أن تعود إليها ويعود إليها الدكتور كارو فارتان ووالدها وكل أسرتها، كما أراد الكاتب أيضا أن يوثق مفهوم معنى الحرية كرؤية عامة مشتركة بين الأنا والآخر، وفي شهادته عن الحرية عدد محمد جبريل تفسيراته ورؤاه عنها متمثلا قراءات عدة فيقول»: لم تتعدد تفسيرات واحد من المعاني، مثلما تعددت تفسيرات معنى الحرية إنها ـ كما يقول التعبير الفلسفي ـ هي التي تجعل منه أشخاصا، لأننا بالحرية نهب أنفسنا الوجود، بعد أن كنا مجرد أشياء. وقد عرّف ابن رشد الحرية بأنها لقاء بين ضرورتين، ضرورة إنسانية وضرورة طبيعية، ويقول جون ستيورات مل: الحرية حق طبيعي يملكه الإنسان بحكم الطبيعة. أما برديائيف، فيعّرف الحرية بأنها القوة الداخلية المحركة للروح، وهي السير غير العاقل للوجود والحياة والمصير. وفي تقدير هارولد لاسكي أن الحرية هي الأحوال الاجتماعية التي تنعدم فيها القيود التي تقيّد قدرة الإنسان على تحقيق سعادته، أما ديفيد هيوم، فيعرّف الحرية بأنها: القدرة على التصرف طبقا لما تحدده الإرادة. ولكامي مقولة أذكرها: إن الذي يغفر للإنسان كل شيء هو الحرية.. الإنسان حرية قبل كل شي.

لقد حاول الدكتور كارو استرجاع فظائع الإبادة التي تعرض لها الأرمن بمعرفة الأتراك العثمانيين، وكأنه كان يحتاج إلى هذه الفرصة ليجتر مأساة وطنه بعد أن تقدمت به السن وبدأت ذاكرته تخونه، وأحداث أرمينيا تبدو غائمة وباهتة في بعض الأحيان، وبحسب ما ذكره بول ريكور عن الذاكرة المعاقة التي يقول عنها بودلير في إحدى قصائده»: أنا الذاكرة المشؤومة»، أو الذاكرة المحبطة الكئيبة، الذاكرة الجريحة المريضة». لذا كان لا بد من استعادة هذه الذاكرة الجريحة المؤودة بدماء شابة جديدة، كان لا بد أن تظل القضية قائمة ومعروفة، وكانت نورا بابيجيان هي هذه الدماء الجديدة للشعب الأرمني، التي تبقي القضية موجودة دائما فقد كانت كل الشواهد والإجراءات وأخبار الصحف دلت على أن إبادة الأرمن على أيدي قوات الأتراك كان مخططا لها من قبل. وتبدو شخصية الدكتور كارو فارتان طبيب الأمراض الباطنة والقلب وكأنها هي الشخصية المحورية بخلاف شخصية الراوي صلاح بكر وقد جسده الكاتب في عتبة النص بصورة متميزة وكأنه يعيش الصمت الكامل ولا يقنع إلا بواقعه الآني، يرى فيه الانتماء الحقيقي، كما يدل على ذلك الإهداء في عتبة النص الأولى، إلى الطبيب الأرمني جار الكاتب الذي كانت شخصيته تثير الجدل، وكان الكاتب يرى العالم من خلال مأساته، يعطي واقعه كل ما عنده من علم وخبرة، وكما قال عنه الكاتب: «رسم لوحة للعالم، وشّاها بالألوان والظلال، استقر على أن هذه صورة العالم. رفض ما عداها من صور تختلف عما رسمه في لوحته. بدا العالم غريبا ومعقدا ومربكا ومن الصعب تغييره». لقد كانت المأساة التي عاشها الدكتور كارو تجعله ينظر إلى الحياة بمنظار المدرك والواعي لظلال الخير والشر فيه، وأن ماضيه بالنسبة له ما هو إلا زمن ولى ومضى ولا يمكن إرجاعه، بل هو يتمنى من هول ما رأى ألا يعود هذا الزمان حتى جاءته نورا تطلب منه المعونة والمساعدة لإتمام رسالتها عن الفظائع التي تعرض لها الأرمن في نكبتهم الشهيرة، فكانت فرصة الحكي والتنفيث عما يحمله في صدره من ذكريات مؤلمة تعويضا حقيقيا له عن واقعه، فكانت الكثافة الإنسانية التي مرت بذكرياته، وجالت بخاطره واستدعاها بكل ما فيها من فظائع وسطوة طاغية في نسيج النص، قد جاءت في رؤية خافتة بالكاد تنبض وسط ركام من الخرائب والقتل والتشريد والقهر والقمع الذي استحضره الدكتور كارو ليتجه بالقارئ إلى مأساة الإنسان المعاصر في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث.

شوقي بدر يوسف

القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published.