“الوطن” السورية تسلط الضوء على كتاب “شهود عيان عن الإبادة الأرمنية” لسفير أرمينيا د. أرشاك بولاديان…

السوريون شهود عيان على الإبادة الأرمنية …الإبادة الأرمنية من أبرز الظواهر الكامنة في ضمير جميع شرائح الشعب الأرمني

لم أكن أتخيل أهمية ما أطلعني عليه صديقي سعادة السفير الدكتور أرشاك بولاديان في مكتبه قبل سبعة أشهر، حيث كنت في زيارة له، فأطلعني على أول مؤلف باللغة العربية عن المذابح التركية بحق الأرمن، وهو ما عرف بحرب الإبادة،وكنت أسأل نفسي لماذا يستنكر السامع الأرمني كلمة المذابح، ويصرّ على مصطلح الإبادة؟ قلبت الكتاب مع صديقي، لكنني لم أقف على تفاصيله، لكنني فرحت بقوله لي يومها: إن أول من أنصف الأرمن وكان شاهد عيان قبل الأوروبيين هو كاتب ومحام سوري مسلم، وعنه أخذ كل من جاء بعده، وعدت إلى ما قبل عامين عندما ألقيت بحثاً عن الأرمن السوريين، وفي اليوم نفسه تعرضت لأمر مزعج ولا أنسى لهفة الموجودين، والذين عرضوا ما لم أكن أتوقعه، ولكنني فيما بعد عرفت أن من جرب الكي لا ينسى مواجعه، وتحولت لهفة أرشاك وسركيس وزوجته إلى علاقة أبدية لا تنتهي.. وما رأيته في ورق متهالك أصفر في مكتب السفير مع صديقي الدكتور سركيس لم يكن عادياً، وها هو اليوم يخرج إلى النور بحلة جديدة ليقدم وثيقة غير عادية، أهم ما فيها أنها جاءت من عربي لا أرمني، من مسلم لا مسيحي، من مثقف متنور لا من كاتب عادي.فماذا تحمل هذه الوثيقة والوثائق؟

من العربية وإليها وبها: فائز الغصين المحامي السوري الحوراني من اللجاة في البداية السورية بحوران خرج ليدرس المحاماة ويتسنم المناصب، ويحل عليه غضب السلطنة ليصبح منفياً ومشرداً من مكان إلى آخر، ويترافق نفيه وترحيله مع أعوام 1913- 1915 تاريخ الإبادة الأرمنية، وتكون رحلته إلى ديار بكر حيث وقعت أفظع حوادث الإبادة ليرى بنفسه، ويسجن ليسمع من السجناء ويدون، ويلتقي بمن قام بالإبادة أو بمن وقعت عليه الإبادة ليدون بألم كبير، ويسجل مشاهداته في وقت كانت الأقلام ذاهلة أو مقتولة أو مسجونة، ولأن الغصين ليس شخصاً عادياً يقوم بطبع مشاهداته عن حرب الإبادة للشعب الأرمني عام 1917 في القاهرة، وذلك قبل أن يفكر أحد بالكتابة عنها، ومهما كتب بعد ذلك، فإنه لن يكون بمستوى المشاهدة والمعايشة، وثمة فرق بين أن يقول رأيت، وأن يقول حكى لي من رأى أو جدي..

طبع الكتاب بالعربية وكان مخلصاً لموضوع الأرمن (المذابح في أرمينيا) وترجم إلى اللغات الأخرى، ومنها الأرمينية، ليأتي أرمني ويعيده إلى العربية التي خرج منها وبها مرة أخرى، وليعيد الاعتبار إلى فكر عربي حر يدين القتل والإرهاب، ويقف مع المظلوم ضد الظلم لا يمنعه من ذلك مانع وهو في قلب الخطر، يعيش النفي والتهديد والظلم والعسف.

مقدمة وفرش وتحقيق: مرة ثانية، وخلال عام واحد يسبق مئوية المجزرة والإبادة الأرمنية تسهم دار الشرق بإضاءة جوانب من هذه الإبادة التي جرت بحقهم، فمنذ أشهر أصدرت دراسة للصحفي سمير عربش، وها هي اليوم تقدم (شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية- مجموعة وثائق) للسفير الدكتور أرشاك بولاديان، وهو المتخصص في علوم التاريخ، قدم للكتاب الصديق الدكتور المهندس نبيل طعمة بقوله «مفردات لغة مَهَرها بدقة المحب لأمته وشعبه، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، كي تكون شهادات في شهادة، وإرادته لحظة مرور المئوية على أبشع مجزرة نفذها الحميديون الطورانيون العثمانيون بحق سكان جميع المناطق والمقاطعات التي سكنها الأرمن، وعبر العديد من الصور، تجويع، تهجير، ذبح، ومن ثم الإبادة، قتل متعمد وممنهج من قبل الإمبراطورية العثمانية، أكثر من مليون وخمسمئة ألف أرمني بين عامي 1915- 1916، هوجموا بوحشية نادرة، قيمها العالم بأمر أطلق عليها المحرقة الأرمنية، أو المذبحة الأرمنية، أو الجريمة الكبرى..

شموع الحقيقة الأرمنية يجب أن تضاء، والأهم أن تنتشر، فإنك بعملك هذا تضيء شمعة لم تنطفئ وأثراً لن يبيد، بل سيحرك الواقع الحاضر قبل أن يسكن الذاكرة التي لا تمحى في المستقبل، وأنتم ذاكرة شعب ووطن.

والدكتور بولاديان قبل أن يضع الوثائق في مواجهة القارئ مباشرة يقدم بمقدمة وفرش هو أقرب للدراسة المعمقة، فلا يترك الوثيقة وحدها أمام القارئ.

وتمثل وفاء السفير لسوريته واضحاً في إماطة اللثام عن الوثائق، وعن الإحساس العربي تجاه الإبادة الأرمنية، والتي كانت سبّاقة إلى تسجيل بشاعة ما حدث وبعد مقدمة سياسية لم تغفل رنين أصداء الإدراك في تركيا في الأعوام الأخيرة، واستعراض تاريخي لمسيرة الأرمن، يدخل المؤلف في (الأرمن تحت نير العنصر التركي) وفي ذلك إشارة واضحة إلى الفعل العنصري الذي كان دافعاً لحدوث ما حدث، وفي حديثه عن تدويل القضية الأرمنية يشير بوضوح إلى تخاذل المجتمع الدولي وفقاً لمصالحه في إنقاذ الأرمن «المحادثات بين السلطات التركية من جهة والقوى الأوروبية العظمى من جهة أخرى والتي كانت تهدف إلى الحصول على منافع اقتصادية وسياسية بدلاً من الدفاع عن الأرمن وقضيتهم، أدت تلك المراوغات العثمانية والأوروبية إلى توجه الأرمن إلى الثقة بالنفس والانخراط الثوري.

وفي هذه الإشارة ذكاء وسياسة من أن القوى الكبرى المتحكمة لا تعنيها الشعوب بقدر ما تعنيها المنافع الاقتصادية والسياسية، ومن أن تحقيق أي مصلحة بين الدول الإقليمية القوية، والدول العظمى يمكن أن يغير المسار في أي لحظة من اللحظات. ولا يقتصر الإجرام بحق الأرمن على مرحلة السلطان عبد الحميد أو مرحلة أتاتورك الطورانية، فقد يتبادر إلى الذهن أن من قام بالجريمة أتباع الدولة العثمانية التي تأخذ الإسلام شعاراً، فماذا كان من العلمانيين الكماليين عندما جاؤوا إلى السلطة؟ لذلك قسم المؤلف المسألة الأرمنية إلى ثلاث مراحل:

■مرحلة السلطان عبد الحميد الثاني 1876- 1908.

■مرحلة حزب الاتحاد والترقي 1909- 1918.

■مرحلة تركيا الكمالية 1919- 1923.

وفي هذا التحديد إشادة ذكية وسياسية، فالإبادة المهولة والمروعة تمت في مرحلة الاتحاد والترقي، وكانت قد بدأت مع مرحلة السلطان عبد الحميد واستمرت في المرحلة العلمانية، مما يدل على أن هذه السياسة هي سياسة عنصرية متفق عليها مهما اختلف المتحكمون في السلطة، وأن المخطط الموضوع المدروس بعناية يجب أن يتم ويتابع، وإن تغيّر من هو في موقع السلطة! وفي المراحل الثلاث كانت الخطة كما شرحها المؤلف ممنهجة وهي: – اعتقال كبار الزعماء الأرمن من مفكرين، وسياسيين، وأدباء في القسطنطينية.

■نزع جميع أنواع الأسلحة المتوافرة لدى الأرمن.

■بدء عمليات القتل والنفي والترحيل بكل قوة من كل المناطق الأرمنية.

بداية اعتقال القادة أو الذين يمكن أن يمثلوا القادة، وتالياً نزع السلاح الذي يدافع به الأرمني، وثالثاً قتل العزّل ونفيهم وترحيلهم.

إخلاص عربي وتعاطف: عنون المؤلف بالإبادة الأرمنية في المصادر العربية، وقلما يعلم القارئ إسهام العرب في توثيق الإبادة الأرمنية الرهيبة، وربما كان للعرب، وللسوريين تحديداً هذا الاهتمام بسبب ما كان ينال سورية والسوريين من ويلات العثمانيين والأتراك، وما رافق هذه المرحلة من ثورة عربية أرادت مواجهة الطغيان التركي وحركة الأتراك والتتريك، فقد وحّد بين الشعبين العربي والأرمني الظلم والحيف الذي وقع على كليهما، ولكن أن يكون القلم العربي في ذلك الوقت هو من أنصف الأرمن فذاك ما يستحق الإعجاب والتقدير، وقد قوبل من الأرمن بالامتنان والعرفان.. عكست المصادر العربية بامتياز القضية الأرمنية بكل أبعادها وملابساتها وتداعياتها منذ تدويلها وفق المادة (61) من معاهدة برلين عام 1878 حتى إجهاضها دولياً في مؤتمر لوزان عام 1923، ومن هذا المنظور يثير الاهتمام كتابات أو مذكرات شهود عيان كتبها عرب سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية.

يدون المؤلف ثلاث شهادات أولاها وأشملها وأبرزها وأقدمها للمحامي الحوراني فائز الغصين الذي يقول عن المؤلف: «يعتبر المحامي السوري فائز بن زعل الغصين (1883- 1968) بحق رائد التاريخ لوقائع الإبادة الأرمنية عام 1915 إذ إن كتابه «المذابح في أرمينية» صدر قبل مؤلفات برايس وتوينبي وغيرهما من شهود عيان للإبادة الأرمنية، وكرّس لنفس الموضوع بعض الصفحات في كتابه الثاني «مذكراتي عن الثورة العربية، وبدون مبالغة يجب الإشارة أن معلومات فائز الغصين تعتبر حتى وقتنا هذا من أهم المراجع المكتوبة باللغة العربية». وكان دافع الغصين كما يرى المؤلف نبيلاً فهو:

1- يتعاطف مع الأرمن وقضاياهم، ويقاوم الظلم.

2- يبعد تهمة القتل عن المسلمين، ويبرئ الإسلام مما يمثله العثمانيون.

المرأة والطفل إكمال الحكاية:لابد من دخول عالم شهود العيان، فمن السهل أن يتحدث المنظرون، ومن السهل أن نقرأ لهذا وذاك، ولكن دون أن نقتنع، فالأهوال والأحداث لا يمكن أن تكون مؤثرة وصادقة إلا إذا كانت صادقة الحديث، والكاتب الغصين ينقل لنا ما شاهده بصدقية مطلقة ومؤثرة، وكل ويلات الحرب والإبادة وقعت على الأرمن، لكن الذي يدمي هو حديثه عن الطفل والمرأة، وللنظر إلى الحكاية كما يرويها الغصين «جاءت قافلة أرمن من رأس العين إلى دير الزور، فأراد المتصرف أن يختار له خادمة من بين تلك الأرمنيات، فوقع نظره على بنت جميلة دنونا منها، ولكنه عندما دنا منها اصفر لونها وكادت تقع على الأرض، فقال لها: لا تخافي وأمر الخادم أن يأخذها لداره، وبعد أن رجع سألها عن سبب خوفها عندما اقترب منها فقالت إنها أرسلت هي وأمها من رأس العين مع نفر دركي من الشركس، وكان معهما نساء أرمنيات كثيرات، ولما وصلت تلك القافلة إلى محل من الطرق نادى الدركي أمها وطلب منها أن تعطيه دراهم وإلا قتلها، فقالت إنه لا يوجد معها دراهم، فعذبها فأعطته ست ليرات، فقال أيتها الخائنة ألا تتركن الخيانة إنك رأيت ما حلّ بالأرمن جميعهم ويحل بهم ولم تعتبري، فإنني سأربي بك جميع من يراك من الأرمن. فضربها بالخنجر على يدها فقطعها ثم قطع الثانية وقطع رجليها، كل ذلك على منظر مني ومرأى وأخذني من يدي لمحل بعيد قليلاً من النساء وافتض بكارتي ووالدتي بحالة النزع تنظر إلي ودموعها تسيل على خديها تأثراً عليّ. ولما رأيتك تذكرت حالة والدتي فخفت منك ظناً أنك ستفعل معي كما فعل ذاك الدركي بأمي أمام عيني وبي أمامها…

هل يمكن أن توصل أعمق الدراسات مقدار الألم والصدق الذي توصله هذه الحكاية من شاهد عيان، ألا تستحق واحدة من هذه الحكايا أن تؤكد وقوع الإبادة، وأن تربي النشء على رفض العنف والقتل وما بعده..

شهود عيان حكاية رويت، وحكاية تروى، والعرب والسوريون هم الموثقون الذين عرفوا معنى الإبادة فحفظوها لنا، فهل نتعظ؟

إسماعيل مروة

الوطن السورية

Leave a Reply

Your email address will not be published.