حبيب السيوفي في موسوعية زيدان في سورية

هناك الكثير من الأدباء والمفكرين الذين كتبوا وأعطوا الكثير في مجالات العلم والأدب والمعرفة، لكنهم لم ينالوا حقهم وغالبا ما تنقرض هذه الأعمال مع نهاية حياة الكاتب بعد أن ينالها الإهمال وتذبل وتموت مع موت الأديب. فقبل عصر الصحافة الرقمية والتي تسمح بنشر الأعمال بأبسط التكاليف كان من الصعب على الكاتب أن ينشر أعماله من دون وجود جهة داعمة وممولة لهذه الأعمال بحكم غلاء تكاليف الطباعة والنشر في تلك الأيام.

قبل ثلاث سنوات قصدني الصديق الدكتور جورج كردي وزوجته الفاضلة المهندسة منى سيوفي لأملأ لهم طلب استمارة لسمة سفر إلى دولة أرمينيا كونهما لا يكتبان اللغة الأرمنية، وأثناء الحديث أخبرتني السيدة منى أن جدها صدر له كتاب باللغة الأرمنية في القاهرة عام 1928 بعنوان المماليك والأمراء الأرمن في الخلافة الفاطمية، ولم أكن أتصور أن أجد كتاباً مطبوعاً باللغة الأرمنية صادرا في مصر من أعمال مؤلف دمشقي أرمني وتمنيت عليها أن تعيرني الكتاب المذكور، بعد قراءتي الكتاب بدأت الاهتمام بحبيب السيوفي والبحث عن أعماله لكن الظروف الحالية كانت عائقاً لإكمال بحثي بسبب غياب السيدة منى عن البلاد، وكان من دواعي سروري أن أجتمع بها ثانية قبل شهرين من هذا التاريخ حيث تكرمت علي إعطائي كامل أعمال جدها، بعد المطالعة وجدت نفسي أمام رحالة وكاتب موسوعي يصف الوقائع والتجارب والذكريات التي عاشها بلغة عربية رائعة بالإضافة إلى مقالاته الأدبية ومسرحياته والعديد من الدراسات والمقالات في الفرنسية والإنكليزية والأرمنية.

ولد حبيب سيوفي في مدينة دمشق عام 1871 لأبوين من أصل أرمني من مدينة ماردين وهو والد الطبيب الدمشقي المشهور جوزيف سيوفي، وجد الدكتور حبيب سيوفي المقيم في أميركا حالياً درس في مدرسة الآباء العازاريين في عنتورة لبنان حيث كان على موعد مع العلم والمعرفة والفضيلة، ومن المعروف أن مدارس الآباء العازاريين كانت تعتبر منارات علمية وأدبية ونبراسا للوطنية، خرجت العديد من الرجال الوطنيين والأدباء نذكر منهم شكري القوتلي، فخري بارودي وغيرهم… بعد تخرجه من مدرسة عنتورة توجه حبيب السيوفي إلى دير بزمار للأرمن الكاثوليك في جبال كسروان لبنان ليكمل تحصيله العلمي والديني حيث تعلم اللغة الأرمنية وخاصة لغة الكرابارkrapar، وهي اللغة الأرمنية القديمة المستخدمة في المخطوطات التاريخية وتعادل تقريبا الفصحى في اللغة العربية، بعد فترة من الدراسة ترك الدير وانخرط في الحياة العملية حيث عمل في الشركة التي قامت بإنشاء سكة حديد دمشق مزيريب حوران. وفي عام 1896 هاجر إلى إفريقية الجنوبية ليجرب حظه هناك ووصل إلى إقليم الترنسفال وأقام في جهنزبرغ وحاول أن يعمل في التجارة ولم يوفق. في عام 1899 قامت الحرب الأولى بين البوير والإنكليز، والبوير شعب استوطن في إقليم الكاب والترنسفال ومكوّن من المستوطنين الأوروبيين من أصول هولندية وفرنسية، تطوع حبيب في جيش البوير ثم أسر ورحل إلى إنكلترا كأسير حرب، لكن الإنكليز أنزلوه في فرنسا التي بقي فيها فترة من الزمن وقرر العودة إلى الترنسفال ثانية ليجرب حظه في التجارة، والبوير شكلوا اتحاداً بين مستعمراتهم وهي الترنسفال والكاب، والاورنج، ونتال، فقيام اتحاد مستعمرات البوير وخوف الإنكليز من تكرار تجربة اتحاد المستعمرات الأميركية التي تطورت إلى استقلال الولايات المتحدة، واكتشاف الذهب في تلك المنطقة وطمع الإنكليز في هذا الذهب جعل الإنكليز يخوضون حرباً ثانية ضد البوير، تطوع حبيب سيوفي في هذه الحرب الثانية هذه المرة لدى الإنكليز بحكم حاجته إلى المال، انتهت هذه الحرب بعقد صلح بشروط حسنة أهمها الاستقلال الداخلي التام لبلاد البوير، في عام 1903 أقام في بريتوريا عاصمة الترنسفال وعمل فيها حتى عام 1905 حيث قرر الرحيل إلى مصر وعمل في ديوان الري في القاهرة وهو فرع من فروع وزارة الأشغال العمومية، حيث أمضى 24 سنة في مصر، وأثناء إقامته صدر له كتابان باللغة الأرمنية الأول عام 1913 بعنوان لبنان واللبنانيون يشرح فيه عن الطبيعة والمناخ في لبنان وعن الحياة الاجتماعية فيه، والثاني عام 1923 بعنوان المماليك والأمراء الأرمن في الخلافة الفاطمية ويتحدث فيه عن فترة حكم الوزراء في الخلافة الفاطمية وعن أشهر الوزراء من أصول أرمنية كبدر الدين الجمالي وابنه الأفضل شاهنشاه وغيرهم.

في نهاية 1928 غادر مصر متوجهاً إلى مسقط رأسه دمشق ليعمل في وزارة الأشغال العامة لفترة وجيزة كما عمل مدرسا للغة العربية في معهد الفرانسيسكان، وبعد استقراره في دمشق نجده مراسلا نشيطا لجريدة البشير البيروتية باللغة العربية، كما كتب في جريدة أصداء سورية وهي جريدة دمشقية فرنسية العبارة صاحبها جورج سليم فارس حيث تطرق فيها إلى بعض الحوادث التاريخية التي جرت في سورية وإلى آداب اللغة العربية.

عرف بكتاباته الغزيرة فصدر له العديد من المقالات منها السوريون واللبنانيون في إفريقية الجنوبية، مدافن المسيحيين في دمشق، ومن أشهر الكتب التي نشرها رواية من الحقل إلى القصر المطبعة الكاثوليكية بيروت 1939، روسيا ما بين سنتي 1911 _ 1918 والدجال الذي عبث بمقدراتها المطبعة المخلصية صيدا 1940، رحلة إلى القسطنطينية في عام 1912 المطبعة المخلصية صيدا لبنان 1846، الانكشارية في الدولة العثمانية صيدا 1940، كتاب عرب سورية لبنان وفلسطين في القرن 18، كما وصفها فولنيvolney الرحالة الفرنسي- جزءان- المطبعة المخلصية لبنان 1949، ولعل العمل الأهم الذي تركه ذكرياته المكتوبة بعنوان ذكريات عابر سبيل والتي وصلتنا بخط يده بدفتر من القطع المتوسط يضم 197 صفحة.

توفي في دمشق عام 1968 عن عمر يناهز 97 عاماً، احتفظ بكامل قواه العقلية وذاكرته الطيبة حتى آخر يوم من حياته، والجدير ذكره أنه فقد بصره في آخر سني حياته ولما كان محباً للقراءة ومحبا للمطالعة لم يستطع أن يحيا دون المطالعة والقراءة، ورغم فقدانه بصره وجد الحل من خلال المطالعة بواسطة الاستماع، فكان يطلب من حفيدته المحببة له أن تقرأ له من الكتب الموجودة في مكتبته والتي كان يعرف أمكنتها بدقة فيحدد لها الكتاب ثم تبدأ منى بالقراءة، ظل حتى آخر يوم من حياته يسعى المعرفة، هذا هو حبيب السيوفي الرحالة والأديب والمؤرخ والصحافي، نهاية لم أستطع أن أعطي هذا الكاتب الموسوعي حقه من الدراسة في هذه العجالة ولم أعط الرجل حقه من خلال دراسة إرثه الأدبي فأنا لست من أهل الاختصاص ولست بناقد أدبي بحكم دراستي الجامعية الأولى في الفرع العلمي، وللأمانة سلمت صديقي الكاتب والناقد د. إسماعيل مروة كامل إرثه الأدبي الذي حصلت عليه وأنا واثق أن الدكتور إسماعيل بما عرف عنه من أمانة علمية ونظرة أدبية ثاقبة سيعطي هذا الإرث ما يستحقه من دراسة نقدية أدبية، فله مني سلفا جزيل الشكر والامتنان.

سركيس بورنزسيان

الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published.