أُمومة الفن: كوهار- نقطة على الحرف

هنري زغيب

أن يتحوّل مدرج زوق مكايل الى جنّةٍ كما في السحر، ويَتَمَهْرَجَ عليه طوال ساعات ثلاث تسعةُ مغنّين ومغنيات، وخمسة عشر راقصاً وراقصة، وكورال من ستة وستين منشداً ومنشدة،  وأوركسترا سمفونية من خمسة وستين عازفاً، في أمسية كأنها من الخيال أحيتها “أوركسترا كوهار السمفونية”، فاحتفالٌ غيرُ عادي، في مناسبةٍ غيرِ عادية، لرسالةٍ غير عادية.

الرسالة: نقلُ التراث الأرمني الى الأجيال الجديدة. المناسبة: جولة “أوركسترا كوهار” بعناصرها المئة والخمسة والخمسين ناقلةً هذا التراث. الاحتفال: ضخامةُ إنتاجٍ غيرِ تِجاريّ لا تغطّيه المداخيل لأن سعر البطاقة رمزيٌّ يعود ريعه الى قطاعاتٍ تربوية أرمنية.

وفي جولات هذه الأوركسترا باحتفالها الضخم على دمشق وحلب واسطمبول ونيويورك ومونريال وموسكو ولوس إنجلس، كان الجمهور يُقْبِل على الاحتفال بسعر رمزيّ تشجيعيّ، من جهةٍ يتيح المتعة الفنية لأولئك الذين تَتعذّر عليهم مشاهدة الاحتفالات الضخمة الباهظةِ أسعارِ الدخول، ومن الجهة الأخرى يقدِّم التراث الأرمني في اللغة الأُم الى الأرمن المنتشرين في جميع أصقاع العالم.

وعلى ذكر اللغة الأُم: كلُّ هذا الاحتفال الضخم المتنقّل في العالم، هو على اسم أُمّ. وهي رسالةٌ بَنَوِيَّةٌ نبيلةٌ من الإخوة اللبنانيين خاتشادوريان، أطلقُوا اسم أمهم “كوهار” على الأوركسترا، فسمّوها “أوركسترا كوهار”، وأطلقوا في مدينتهم الأُم غومري أكاديميا للفنون الجميلة ما زالت تتوسّع وينضمّ إليها أعضاء جدد يتدرّبون ومنها ينطلقون في “أوركسترا كوهار” الى كل العالم. وبعد جولاتها انطلاقاً من غومري التي دمَّرها آخر الزلازل في أرمينيا، تعود هذه الأوركسترا قريباً الى احتفالٍ ضخمٍ مفتوحٍ للجميع في ساحة كبرى من يِرِڤان العاصمة الأُم، في الأرض الأم أرمينيا، وفي اللغة الأُم الأرمنية، وفي الجوهرة الأُم: كوهار.

إنه الفن في خدمة الرسالة. وإنها الرسالة في خدمة الأُمومة. وإنها الأُمومة التي تبدأ وفاءً للأُمّ وتتواصَل وفاءً لأُمومة الفن التي حين تُخيّم على الناس تُرقّيهم الى القيَم والأصالة، وتخلق فيهم حسّ الجمال. والفنّ، في جوهره، جمال.

وإذا “كوهار” معناها “الجوهرة”، و”كوهار” هو اسم الأم، والفرقة الضخمة اسمها “أوركسترا كوهار”، فهذا يعني أن الجوهرة هي أساس الجوهر، والأُم هي الجوهر، والفن في جوهره جوهرةُ جمال.

وما أنبلَ أن يرتفعَ الفنّ الى مستوى الرسالة، رسالةٍ تنشر تراثَ أجيالِ الأمس الى أجيالِ الغد، ليكونَ الفنُّ أنبلَ رسالةٍ يحملها الإنسان الى الإنسان، على اسم جوهرة الأُمومة، وهي أمُّ الجواهر

Leave a Reply

Your email address will not be published.