بوابة الحركات الإسلامية في مصرتتطرق الى إصدارات لجنة إحياء الذكرى المئوية بالقاهرة حول موضوع الإبادة الأرمنية للمؤرخ محمد رفعت الإمام

نشرت بوابة الحركات الإسلامية في مصر مقالاً تحدت فيه عن كتيبات صدرت في مصر في إطار الاستعدادات لإحياء الذكرى المئوية لإبادة الأرمن (1915 – 2015)، حيث أصدرت اللجنة إحياء الذكرى المئوية بالقاهرة مجموعة من الكتيبات للدكتور محمد رفعت الإمام، منها (القضية الأرمنية في المصادر العربية 1878- 1923)، و(أرمن الإسكندرية ودورهم في الحياة المصرية)، و(القضية الأرمنية في المعاهدات الدولية)، و(الإبادة الأمنية في الدولة العثمانية 1915 – 1916)، و(مفهوم الأمم المتحدة للإبادة 1948)، و(الحالة الأرمنية في الدولة العثمانية 1915- 1916)، و(المذابح في أرمينيا رؤية لشهادة فائز الغصين)، وسبقها كتاب (قضية الإبادة في أضنة).

وحول هذه الدراسات يقول الباحث أحمد التهامي: “تكمن أهمية الدراسة التي أعدها د. محمد رفعت الإمام وفيها رصد الجذور التاريخية للقضية الأرمنية في الدولة العثمانية في محاولة منه لتوضيح حقائق وجوانب هذه القضية التي يكتنفها الغموض، وقد حدد فترة الدراسة بين عامي (1878 – 1923)؛ لأن سنة البدء تمثل المرحلة التي تبلورت فيها القضية الأرمنية من صفتها المحلية إلى طبيعتها الدولية، وسنة الختام هي انتهاء القضية بموجب معاهدة لوزان، وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة فصول وخاتمة؛ يبدأ الفصل الأول بعرض لموقع أرمينيا الاستراتيجي المتحكم في مفترق الطرق التجارية والعسكرية؛ الأمر الذي أدى إلى محاولة كل من الشيعة الصفويين والدولة العثمانية السيطرة عليه، وتقسيم أرمينيا إلى شرقية روسية وغربية عثمانية، ويتناول الكاتب كيفية تنظيم الأرمن في الدول العثمانية وإدراك العثمانيين لذكائهم ومهاراتهم، ونقل الكثير منهم إلى الأستانة وانخراطهم في الهيكل الوظيفي للدولة، ويوضح بعد ذلك العوامل التي مهدت لظهورهم على الساحة السياسية، ورغم كل ما سبق لم يطالب الأرمن بحكم ذاتي بسبب تجمعاتهم الصغيرة وانفصال زعمائهم عن واقع حياة الأرمن في الولايات، إلى جانب سلبية الموقف الأوروبي تجاه قضيتهم، ويلقي الكاتب الضوء على تمرد إقليم زيتون الجبلي الذي شهد ميلاد أولى الحركات الانفصالية عن الدولة العثمانية، وإصدار عبد الحميد الثاني دستورا ليبراليا يسوي بين المسيحيين والمسلمين، بعدها أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية، واندلع القتال على جبهتين:

أرمينيا الغربية وأوروبا الشرقية، ورحب الأرمن الغربيون بالجيش الروسي، متطلعين إلى حياة أفضل، ولكن إيقاف إطلاق النار أدى إلى دعوة زعماء الأرمن لروسيا لتبني مستقبل أرمينيا في محادثات السلام، وتضمنت معاهدة سان ستيفانو 1878 بعض الإصلاحات وضمان سلامة الأرمن من اعتداءات الأكراد، ويظهر الكاتب تخوف بريطانيا من هذه المعاهدة، ثم انعقاد مؤتمر برلين 1878 الذي اتخذت فيه القضية شكلا دوليا وتحول الوجهة الأوروبية بعيدا عن القضية الأرمنية، ومن ثم تطور الحركة الأرمنية من فكرة إلى جمعيات ثورية سرية، شملت أنشطتها أقاليم الدولة العثمانية، وتأسس حزب الأرميناجان الذي نظم جماعات مسلحة، وحزب الهانشاك، وحزب الطاشناق.

يضيف التهامي: “يتناول الكاتب أهم الأهداف والبرامج التي حددتها هذه الأحزاب وأهم ما قامت به من أعمال ضد الدولة العثمانية وكيفية مواجهة الدولة العثمانية لهذه التهديدات، وكان ذلك على مستويين ديموجرافي وسياسي ومع تزايد الضرائب الفادحة على مدينة سامسون تم إعلان العصيان ودام صمودها لمدة شهر”.

وجاء استسلام أهلها بعد وعود بالعفو العام، ولكن بدلا من العفو تعرضوا لمذابح بشعة ليس في سامسون وحدها بل في جميع الولايات الأرمنية؛ مما أدى إلى مقتل 100 ألف وتشريد نصف مليون آخرين إلى جانب قتل الحكومة لزعماء الأرميناكان والهانشاك، ومع توالى مظاهر الاعتراض توالت أيضا حركة الإبادة، إما بالقتل المباشر أو الجوع والتشريد والقتل والمرض، ويوضح الكاتب أسباب فشل الثورة الأرمنية، ومن تلك الأسباب ابتعاد الرأسماليين الأرمن عن الأحزاب، انتهاجا لسياسة الإرهاب والعنف وتبني أيديولوجية اشتراكية، وعدم توحيد الحركة الأرمنية القومية، إلى جانب سياسة القمع الشديدة التي مورست ضدهم، وسلبية الدور الأوروبي تجاه الأرمن، وتمسك العثمانيين بالولايات الغربية بعد فقدهم للبلقان.

وفي بداية الفصل الثاني يعرض المؤلف كيفية سيطرة الاتحاديين على الدولة العثمانية وسياستهم في التعامل مع الأقليات، باعتبارهم متساوين بغض النظر عن الديانة، والسماح لهم بالتمثيل السياسي في البرلمان، ومع اندلاع الحرب في البلقان تم تجنيد المرن في جيوش الدولة العثمانية، وبعد خسارة الحرب سعى الاتحاديون إلى تجميد الأمة التركية، وأصبح (الاتحاد والإخاء) شعاراً لتزيين الخطب الرسمية، وجاءت الدعوة لتكوين برجوازية قومية تركية، لمواجهة التغلغل الأوروبي؛ مما أدى إلى صدام مع الأرمن، خاصة مع تطلع الأرمن إلى المساعدات الخارجية وتجديد الدور السياسي الأرمني، والاتصال بروسيا والدول الكبرى وانزعاج الأتراك لتدخل الدول الأوروبية في الشؤون الداخلية، وجاء اندلاع الحرب العالمية ليطيح بآمال الأرمن في الإصلاح.

ويشرح المؤلف أسباب هزيمة الجيش العثماني وجعلهم من الأرمن كبش فداء لهزيمتهم واتهامهم بالخيانة العظمى، ويضيف أحمد التهامي قائلا: “يعرض الكاتب لمذابح البشعة التي ارتكبها الاتحاديون دون رحمة أو شفقة، واعتقال الشعراء والصحفيين الأرمن، وإعدام قادة الهانشاك، ومن القتل والتشريد إلى الموت في الصحارى والحروق في الكهوف نجا حوالي 600 ألف من أصل 2100000 نسمة، وبعد قيام الثورة البلشفية في روسيا وتراجعها عن احتلال أرمينيا الغربية مع تهديدهم للأرمن بحق تقرير المصير، وتلاشي هذه الوعود مع معاهدة (بريست ليتوفسك) والتي بمقتضاها سلمت أرمينيا الغربية إلى الدولة العثمانية، ويعرض المؤلف لكيفية وأد الألمان والعثمانيين لدولة ما وراء القوقاز، ومحاولتهم لتفسيخ عرى قوميات ما وراء القوقاز، وتصدي الأرمن الشرقيين لهم رافعين شعار (لن يمر العدو)، فكانت معاهدة باطوم 1918 التي أعطت لأرمينيا 10 آلاف كيلو مترا لإنشاء دولة أرمينيا، مع بعض الشروط المجحفة.. وكانت أسباب فشل قيام دولة أرمنية لطبيعة الأرض الوعرة وقلة الثروات الطبيعية وتفشي الأمراض والأوبئة.

وينتقل بنا المؤلف ليعرض علينا مذبحة جديدة ارتكبها الأتراك في باكو بعد دخولها، ولكن هزيمة الأتراك بسقوط دمشق وحلب وحمص وبيروت، وهزيمة الجيش البلغاري أدى إلى محاولة الأتراك وقف القتال، وكان ذلك بموجب هدنة مودروس، وانسحاب العثمانيين من أذربيجان وباكو، وكانت هذه نهاية الاتحاديين بعد موت مئات الآلاف من الجنود ومذابح الأرمن المدنيين وحل محلهم ائتلاف الأحرار ويتابع الفصل الثالث “الكماليون والأرمن” (1919 – 1923) تكريس الكماليين للذاتية التركية، وأثرها على كيان الشعب الأرمني، وتفاؤل الأرمن ببقاء جمهوريتهم وتحسن أوضاعهم وقرار المثقفين وبعض الماليين الذهاب لبريفان لتقديم خدماتهم إلى الجمهورية، ولكن مع دخول الشتاء ترددت الأوضاع؛ حيث عانت أرمينيا شتاء قارساً عام 1919..

وانتظر الأرمن مفاوضات السلام وقدموا مذكرة للدول المنتصرة، من أهم بنودها الاعتراف بالدولة الأرمنية وتأمين كيانها، والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالأرمن، وإجلاء القوات العثمانية عن أراضيها ووضع أرمينيا تحت انتداب دولة قوية، ويشرح الكاتب أسباب رفض الدول المنتصرة الانتداب على أرمينيا ورفض الكونجرس الأمريكي للانتداب لتبتعد عن مشاكل القوقاز التي لا تنتهي، ويتابع بداية ظهور الكماليين ووقوفهم في وجه دول الوفاق والسلطان العثماني في نفس الوقت الذي اعترفت فيه أمريكا بالدولة الأرمنية؛ مما أثار غضب الكماليين الذي كان أهم أهدافهم وطن قومي لا يتجزأ فبدءوا بإثبات جدية نواياهم وذلك بشن هجمات منظمة على قيليقيه ومدن الأرمن وقراهم، تحت سمع وبصر فرنسا، دون أن تحرك ساكنا أمام قتلهم وتشريدهم، وفي سان ريمو بإيطاليا وافقت دول الوفاق على أن يعطوهم بعض المدن مع منفذ على البحر الأسود، وأيقن الوفاق أن هذا الاتفاق يعد ميتا؛ لعدم وجود دولة تتعهد بتأمين كيان أرمينيا وحدودها، ثم كان رفض الكماليين لمعاهدة سيفر (10 أغسطس 1920) ودخلوا في حرب على جبهتين: الأرمن واليونان، ومساعدة الروس لهم بعد معاهدة الصداقة بينهما وسحق الجيش التركي للدولة الأرمنية وهم على يقين من مساعدة البلاشفة وسلبية أوروبا وحياد أمريكا، وسيطر الكماليون على المنطقة بأسرها؛ مما أدى إلى خلاف البلاشفة من تعرض مصالحهم في القوقاز للخطر، وحاولوا التدخل لصالح بريفان، ولكن بريفان رفضت الوساطة الروسية وتفاوضت مع أنقرة، ثم عادت المصالح الروسية الكمالية لتلتقي مرة أخرى وعقد اتفاقية صداقة أخرى أنهت دولة أرمينيا بعد حوالي ألف يوم من تأسيسها. وفي عام 1921 تلاشت صورة أرمينيا حرة مستقلة، ثم كانت معاهدة الصلح مع فرنسا حيث تعهدت فيها برد كل أراضي الكماليين، ودخول قوات الكماليين إلى أزمير، فكانت مذبحة للأرمن، وأخيرا انضمت جورجيا وأذربيجان ومعهما أرمينيا الاشتراكية إلى الاتحاد السوفيتي، وبانعقاد مؤتمر لوزان ورفض تركيا أي مشاركة من أي جانب أرمني، ولو حتى بالسماع دون المشاركة الفعلية- تخلصت تركيا من أكبر أقلية غير تركية وترسخت أسس الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923، وكأنه لم يكن هناك أثر للوجود الأرمني في تركيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published.