وجع من أجل عذابات الأرمن

خضير طاهر


مأساة
الأرمن تعد وصمة عار في جبين البشرية، وهي شاهد على وحشية الأنسان ضد أخيه الأنسان، وعلى همجية التعصب الديني، والعودة الى عصور الأفتراس الحيواني، والمجازر التي تعرض لها الأرمن هي أحدى الصفحات السوداء في تاريخ الحقد الديني الذي سوف لن يختفي عن حياة للاسف الشديد مادام يوجد فوارق في مستوى الوعي ومصالح مختلفة تريد تحقيقها بعض الجهات من خلال تكريس التعصب والحقد الديني!

وللتذكير ان ما تعرض له الأرمن من جريمة إبادة جماعية في تركيا لم تكن الأولى، أذ سبقتها مجازر تعرضوا لها على يد الدولتين الأموية والعباسية حينما تم غزوهم من قبل العرب وقتل رجالهم ونهب مممتلكات وسبي نسائهم واستعمارهم.

عندما كنت أعيش في العراق.. لم أكن أعرف شيئاً عن مأساة الأرمن رغم أنني كنت أسمع بهم، وتوجد مناطق شهيرة ببغداد تحمل أسمهم، بل أكثر من هذا لم أكن أعرف ان الأرمن يعتنقون المسيحية.. فقد كان انتمائي الطائفي الضيق أغلق عليّ كافة منافذ الأنفتاح على الأخر المغاير، ولم أكن مهتماً بالتعرف على أبناء بلدي من الديانات الأخرى، وحينما خرجت من العراق كنت مازلت أجهل كل شيء عن الأرمن، وأنا هنا أتعمد ذكر هذه التفاصيل كجزء من توضيح خطورة التعصب الطائفي وغلقه لأبواب التفاعل الأنساني بين البشر، وأذكر كنت في أحدى المرات اتناول عشائي في مطعم في بلد عربي، وسألت صاحبه عن أغنية أجنبية كانت في منتهى الحزن، فأخبرني انها أرمنية، ثم سألني: هل سمعت بالأرمن؟

أجبته نعم، وكنت أقصد أنني سمعت بأسمهم، وأدركت فيما بعد كان قصده بالسؤال: هل سمعت بمأساتهم التي عاشوها ؟.. بعد خروجي من سجن الفكر الطائفي.. بدأت أتعرف على الأخر المغاير لي في العقيدة الدينية، وفوجئت بما عرفته عن الجرائم التي أرتكبت ضد الأرمن، وصرت أتعذب وانا أتخيل لحظة الفرار النساء والأطفال والرجال من الموت الذي لاحقهم في كل مكان ثم ظروف توزعهم على البلدان المجاورة وما رافقها من ذل ومهانة وفقر وجوع وآلام ونزيف العذابات!

في بلدي العراق عشت تجربة الأقتلاع ورعب الهرب من الموت، فبعد تحرير الكويت، واندلاع ألأحتجاجات الشعبية داخل المدن العراقية ضد نظام صدام المجرم… قامت قوات من الحرس الجمهوري بمهاجمة مدينتنا مما أضطرنا الى الهرب من القصف بشكل جماعي من بيوتنا الى المناطق الريفية المجاورة، كنت طوال طريق الهرب مذعوراً وانا أفكر : ماذا لو اصابتني قذيفة وقتلتني، من سيدبر أمور عائلتي الهاربة معي، وماذا لو قتل أحد افراد عائلتي، هل سأتركه على قارعة الطريق وأواصل هربي أم أحمله معي؟.. كانت تجربة مريرة رغم قصر مدتها الزمنية لعدة أيام لن أنساها ما حييت، ففي تلك اللحظات تشعر بقيمة الأمان، وتتيقن أن هذه الاوطان مقبرة لأبنائها وليست حضنا دافئا يرعاهم ويحتويهم!
وجع ودموع من أجل مأساة الأرمن، وحب أنساني لهم ولغيرهم من اتباع الديانات ألأخرى، وبهذه المناسبة أرفض بشدة ترديد دعوات “التسامح” بين أصحاب الديانات المختلفة.. لأنها تفترض وجود مذنب بحاجة الى الغفران والتسامح، بينما من حق كل أنسان اختيار المعتقد الذي يريده شرط ألا تتعدى مفاهيم معتقده على حرية الأخرين ومعتقداتهم، وعليه لايوجد مبرر للدعوة الى التسامح، وانما يجب الدعوة الى مفهوم احترام حق الأختلاف، والأيمان بالفروق الفردية والجماعية بين البشر.


ايلاف

Leave a Reply

Your email address will not be published.