ولاية حلب التركية … بقلم ليون زكي

تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشكل علني وسافر في تعديل مسار معركة شمال حلب لم يكن مفاجئاً لدى مراقبي العملية العسكرية التي يشنها الجيش العربي السوري لإحكام الطوق الأمني إلى حلب وذلك لرفع سقف المفاوضات المرتقبة لفصائل المعارضة المسلحة التي تدور في فلكه وفق مبادرة المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي مستورا. كما أن الانتهاك الذي يتنافى مع المواثيق والأعراف الدولية لحكومة أحمد داوود أوغلو لحرمة الأراضي السورية والمتمثل بنقل جثمان الجد الأكبر للعثمانيين سليمان شاه إلى مقر آخر داخل الأراضي السوري غير مبرر سوى أنه يخلق ذريعة جديدة بمثابة مسمار جحا للاعتداء على الأراضي السورية وانتهاك سيادتها.

حكومة “العدالة والتنمية” لا تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية السورية وهي مطالبة بموجب عقيدة العثمانيين الجدد بتوسيع رقعة إمبراطوريتهم الجديدة بدليل التهكم الذي وجهه الكاتب الإسلامي أحمد هاكان عبر صحيفة حرييت عندما تساءل عن الوعود التي قطعها أردوغان بأنه سيجعل الموصل الولاية الثانية والثمانين تليها القاهرة وأنه سيدخل دمشق خلال ثلاث ساعات ليصلي في المسجد الأموي. أما حلب فلها حكاية أخرى تختصر أحلام وطموحات العثمانيين الجدد ولا ترتبط بزمان ومكان محدد إلا في ضوء مجريات السيرورة التاريخية للأحداث.

ذاكرتي وحدها التي تنجدني في المآزق، وهي أعادتني إلى الوراء إلى بداية حقبة تطبيع العلاقات الاقتصادية بين سورية وتركيا أيضاً. ففي مؤتمر اقتصادي بحلب فجّر وزير الدولة التركي لشؤون الاقتصاد والتجارة كورشاد توزان قنبلة مماثلة عندما أعلن صراحة، رداً على سؤال عن كيفية الإفادة من التجربة التركية في تجاوز المعوقات والصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها سورية، وقال: “البحر من أمامكم والتخلف من ورائكم وعليكم خوض البحر حتى لو غرقتم”، في إشارة إلى نرجسية الحكومة التركية التي ليست في وارد تقديم أي مساعدة حقيقية لسورية للنهوض باقتصادها وأن عليها تقليع شوكها بيديها.

ومن هنا لم يكن مفاجئاً تصريح أحد برلمانيي “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا على إحدى الفضائيات بأنه يحق لها في حال حدث التقسيم في سورية استرجاع حلب والموصل إليها بموجب دستور تأسيس الجمهورية التركية. نية وممارسات حكومات “العدالة والتنمية” حيال ضم حلب إلى إمبراطوريتها العثمانية الجديدة قديمة قدم استلاء الحزب على السلطة وفي أدبياته قبل ذلك على اعتبار عاصمة الاقتصاد السورية “ولاية عثمانية” قبل انهيار “الرجل المريض” وانفصال سورية عن الإمبراطورية العثمانية مطلع الحرب العالمية الأولى.

عين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسلطة على حلب منذ كان رئيساً للحكومة قبل ولادة الأزمة السورية، فعلى الرغم من تغذيته للإرهاب وافتعال إطالة أمد الحرب في سورية إلا انه استهدف بشكل مباشر تدمير البنية التحتية لاقتصاد حلب لغايات عديدة منها المساهمة في إعادة إعمارها عندما تحين الفرصة وإضعاف منافستها للاقتصاد التركي.

الأتراك طالما احتقروا العرب والأقليات السورية عبر التاريخ، والآن يبدو بأن أردوغان يستعيد القدرة التشريعية والعسكرية على التدخل في حلب ومدن وأراضي سورية لتحقيق حلم العثمانيين الجدد بعودة ولاية حلب إلى حضن إمبراطوريته الموعودة، على الرغم من أن وقائع التاريخ تقول غير ذلك فغازي عينتاب لم تكن إلا بلدة صغيرة تابعة لولاية حلب الكبيرة…! ولتحقيق ذلك تورط أردوغان من دون مواربة في تسهيل صعود وتمدد “الدولة الإسلامية” (داعش) وقبل ذلك “جبهة النصرة” القاعدية لتفتيت بلاد الشام كوسيلة وحيدة لتبرير التدخل العسكري التركي لاحقاً عبر إقامة “منطقة عازلة” للانقضاض على سورية بيد أنه اصطدم بفيتو أمريكي أوربي وموقف قوي من الحكومة السورية التي توعدت برد قاس على مثل هذه الخطوة.

“أردوغان يعتبر أن إفلات الملف السوري من يده يفضي تلقائياً إلى خروجه من المعادلة الإقليمية ومن السلطة ومن التاريخ أيضاً”، هذا ما قاله الوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لنطيره الأمريكي جون كيري، وهنا تكمن المشكلة التي لا يدركها الأعراب والخائضين في المستنقع السوري ومن يركب ركبهم. ومن المؤكد أن حلب لم ولن تكن أبداً ولاية تركية أردوغانية شاء من شاء وأبى من أبى.

Leave a Reply

Your email address will not be published.