ليون زكي: التغريبة الأرمنية مستمرة وأفضل الخيارات… ليس حلو

الإحساس بالضياع يرافق السوريين الأرمن في رحلة تغريبتهم الثانية التي ترسمها تركيا وتتولى أدواتها تنفيذها، وتقف عواصم القرار بلا حراك تتفرج على مشهد القتل والتهجير والاستهداف العلني الممنهج بحقهم.

سورية ورشة عمل وبيت جميل ووسادة هنيئة للنوم، أغرت اللاجئين الأرمن الهاربين من الإبادة الأرمنية لصنع حلم جميل وبناء وطن للعيش المشترك يتسع للجميع طوال مئة عام من تغريبتهم الأولى، قبل ان تهب عواصف تغريبتهم الثانية التي اقتلعت الحجر وشردت البشر وحرقت الأخضر واليابس واستهدفتهم بشكل خاص في أحيائهم وتجمعاتهم ومعاملهم وكنائسهم على يد العثمانيين الجدد الذي لا زالوا يتطاولون بجرأة على التاريخ والجغرافية ومستقبل الشعوب والأقليات وإرادة الحياة.

فبرغم الموت القادم من الشمال وبرغم طيور الظلام وخفافيشه وبرغم الرجال المتوحشين وفتاوي التكفير ولعنة القتل، نزعتنا إلى الحياة ومواجهة مصيرنا المحتوم سنظل نقاوم بأعيننا مخرز الجزارين إلى أن يظهر الحق ويزهق الباطل. لقد أنعشنا هواء سورية وأغرتنا مياهها بالبقاء حتى أصبحنا سوريون بالفطرة، لا غرباء ولا ضيوف بل أصحاب حق وشركاء أصلاء في المجتمع الذي تهدد وحدته الوطنية وتوازنه الديموغرافي رحيلنا وتهجيرنا.

يقلقنا أننا أمام خيارات تشكل منعطفات حاسمة أحلاها مر وعلقم في مسيرة ومستقبل أبنائنا، فما من مكان على وجه الأرض يليق بتثبيت جذورنا فيه ثانية وبتطلعاتنا التي أطلقنا العنان لها في وطننا سورية، وندرك حجم الأخطار التي لا زالت تهددنا وتهدد المسيحيين بشكل عام في ظل إطلاق المشروع السعودي الوهابي، الذي يستهدف إقصاءنا وتهميشنا وتشريدنا، من قمقمه.

الحقد المتفشي أفقدنا الإحساس بالتوجه والارتقاء وتحولنا إلى كائنات بيولوجية تتعاطى مع الكسل والانزواء والانكفاء على أنهم ظواهر اجتماعية وسياسية طبيعية في التأقلم مع العيش والمرحلة الجديدة، حتى صار القتلة والمقتولين شهداء على حد سواء، وغدا التدين سياسة ولم يعد الدين لله، فالكل يبحث عن إثبات وجهة النظر وليس الحقيقة… والغد لم يعد الحلم الذي نود صنعه بل الذي تفرضه علينا الأحداث…

كل يوم نقول متى ستنتهي الحرب… كنا نتفاءل بالأيام ثم بالأشهر والسنوات لوضع حد للخراب ونزيف الدماء أما الآن فلا ندري أيحل السلام يوماً ما في ربوعنا أم لا بغض النظر عن الوقت.

الخوف من التهجير والقتل واستفحالهما أصبح هاجساً أكبر لدى الأرمن، هذه القلة من الأقلية المسيحية. والسوريون الأرمن هم نسبياً أكبر فئة متضررة من الحراك المسلح وخاصة من تنظيم “داعش” وأخواته… وما لا يعلمه بعضهم أن المهاجرين الأرمن يعيشون مشاكل كثيرة في المهجر عموماُ، لأن اللجوء الديني غير معترف به، ويعتبرونه لجوءاً إنسانياً، وهذا لا يعني تحسن أوضاعهم هناك كأقليات دينية.

في الروايات الدينية، سكن أدم دمشق وتوفي في الزبداني… وفي التحقيقات أن قابيل قتل أخيه هابيل في ضواحي دمشق أيضاً… فهل شرعّنا نحن أن يواصل الأخ قتل أخيه هنا في أرض الديانات على الدوام؟.

يقول جبران خليل جبران: “قتل أمرئ في غابة جريمة لا تغتفر… وقتل شعب آمن مسألة فيها وجهة نظر…”!

Leave a Reply

Your email address will not be published.