بيت كيليكيا الجديد

ما هي “أرمينيا الكبرى”، وما هي “أرمينيا الصغرى”؟ من أين أتى أرمن سوريا ولبنان، وكيف استقروا في هذه البلاد وباتوا من أهم مكوّنات النسيج الاجتماعي فيها، وما هو مصيرهم اليوم؟

تقع أرمينيا التاريخية في المرتفعات المحيطة بجبال أرارات، وتُعرف بـ”أرمينيا الكبرى”، وهي في الماضي مملكة تأسّست في العام 190 قبل الميلاد، ونمت بين أمبراطورية الروم وأمبراطورية الفرس، إلى أن تم اقتسامها بين الأمبراطوريتين في العام 387. سيطر الفرس على أربعة أخماس مساحة أرمينيا الكبرى، واسقطوا عرشها الملكي في العام 428. في المقابل، سيطر الروم على الجزء الغربي من أرمينيا وجعلوا منه ولاية من ولاياتهم في العام 391. دخلت المسيحية باكراً هذه الأرض على يدي اثنين من رسل المسيح هما تداوس وبرثلماوس، ولقبهما المنوّران الأولان. عظم شأن الكنيسة الأرمينية على يد قديسها غيرغوريوس المنوّر، وهو باللفظ الأرمني كريكور المنوّر، الأب الروحي لأرمينيا المسيحية. بحسب الرواية المتداولة، آمن الملك درتاد الثالث بعد شفائه على يد كريكور، واعتنق المسيحية، وجعل منها دين المملكة في العام 301. بهذا، كانت أرمينيا أول دولة تعتنق المسيحية في العالم، وكان ذلك قبل إصدار “مرسوم ميلانو” في عهد قسطنطين في العام 313، وهو المرسوم الذي أجاز حرية العبادة للمسيحية إلى جانب الديانات الأخرى في الأمبراطورية الرومانية. وقد تبنى الأمبراطور ثيودوسيوس الأول المسيحية في العام 380، وجعل منها ديناً وحيداً للأمبراطورية في العام 392.
في أول مملكة مسيحية عرفها التاريخ، شرع كريكور المنوَّر في بناء أول كاتدرائية في فاغارشاباد، العاصمة القديمة لأرمينيا. وحدّد موقع بنائها بعدما ظهر له المسيح حاملا بيده مطرقة من نار. لذلك سُمِّيت هذه الكاتدرائية باسم “إشميادزين”، أي “موضع نزول الابن الوحيد”. أصبحت إشميادزين مقراً للكنيسة الأرمنية، وأضحى القديس كريكور المنوّر الكاثوليكوس الأول (الأسقف الأعلى) لأرمينيا، والكرسي الذي يجلس عليه هو كرسي القديس تداوس، رسول المسيح. في القرن الخامس، وُلدت الأبجدية الأرمنية على يد الراهب مسروب. قبلها كانت الصلوات والطقوس الأرمنية تُقام باللغتين المقروءتين، اليونانيَّة والسريانيَّة، تقابلها شروح شفويَّة بالأرمنيَّة نظرا الى عدم وجود أبجديَّة. وقد أسند الكاثوليكوس ساهاك إلى الراهب مسروب مهمة وضع أبجدية أرمنيَّة خاصة، فكرّس الأخير نفسه لهذا الغرض وأفنى في سبيله خمساً وعشرين سنة من عمره. تقول الرواية إن اليد الإلهية أيقظت مسروب أثناء رقاده بعد بحث طويل في بلاد الرافدين ووادي النيل، وكتبت على حائط غرفته بأحرف من نور ستة وثلاثين شكلاً هي الحروف الهجائية التي تتألف منها الأبجدية الأرمنية، ثم أوصته باستخدامها بعد تلقينه إياها. نسخ الراهب بسعادة غامرة هذه الأحرف “المُنزلة” ونقلها الى تلاميذه الذين وضعوا قواعد النحو والصرف من بعده. يعتقد الأرمن أن الله هو من خطّ بيده أحرف العلة الخاصة بأبجديتهم، تماماً كما كتب من قبل الوصايا العشر على الألواح للنبي موسى. مثّل هذا المعتقد أساساً للعناية الفائقة التي أولاها الأرمن لفن الكتاب على مر العصور، حتى قيل إن الكتاب المخطوط في التقليد الأرمني نظير الأيقونة في التقليد البيزنطي.

انفصلت الكنيسة الأرمنية عن الكنيسة البيزنطية بعد مجمع خلقيدونيا الذي انعقد في العام 451، وأعلنت رفضها قراراته بصورة رسمية في عامي 553 و555. وتكرّس هذا الانفصال بإعلان وحدة الإيمان مع السريان اليعاقبة في العام 726، وجاء هذا الإعلان بعد دخول أرمينيا المسيحية في كنف الدولة الإسلامية في العام 661 ونشوء ولاية أرمنية أموية في العام 699. امتدت حدود هذه الولاية من القوقاز إلى جبال طوروس، وكانت أرمينيا التاريخية قلب هذه الولاية العربية. عانت هذه المقاطعة من الصراع المحتدم بين العباسيين والروم، ولم تنعم بالاستقرار إلا في ما ندر. وجدت الكنيسة الأرمنية بين أمبراطوريتين متحاربتين، وانعكس هذا الصراع عليها، وتكفي الإشارة إلى أن اثني عشر كاثوليكوسا تعاقبوا على كرسيها بين العام 728 والعام 755. في القرن التاسع، هدأ الصراع المستديم، وحظيت أرمينيا بنوع من الاستقلال الذاتي أدى إلى نشوء سلسلة من الممالك التي تتشارك في حكمها. ازدهرت حركة البناء في مدينة آني وكثُرت فيها الكنائس حتَّى عُرفت باسم “مدينة الألف كنيسة وكنيسة”. في زمن تبدلت فيه الحدود وظهرت الانقسامات، كانت أرمينيا بحسب وصف القزويني “ناحية بين آذربيجان والروم، ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة، أكثر أهلها نصارى، بها عجائب كثيرة”. ضعفت الدولة العباسية وتفسّخت، وفيما غرق العالم الإسلامي في حروبه الداخلية، وصلت جحافل المغول والفرنجة لتشن حروبها عليه من الشرق والغرب. بدورها انقسمت الإمارات الأرمنية وغرقت في هذه الرمال المتحركة.

في كيليكيا، خارج حدود أرمينيا الكبرى، نشأت مملكة “أرمينيا الصغرى” في العام 1073 ودام عهدها إلى 1375 حيث قضى المماليك عليها. في العام 1293 استقر مقر الكنيسة في مدينة سيس، عاصمة مملكة كيليكيا، وتأثرت الحياة الكنسية تأثراً مباشراً بأحوال عصرها، وامتدت الجسور بينها وبين الكنيستين البيزنطية واللاتينية. في العام 1307، نجح اللاتين في دفع الكنيسة الأرمنية إلى الاعتراف بكرسي روما وإعلان الوحدة معها، إلا أن هذا الوحدة أُجهضت بسبب رفض الشعب والإكليروس لها. واستغل الأسقف الأرمني للقدس هذا الظرف التاريخي لإعلان بطريركيَّة مستقلّة في العام 1311، وتمّ هذا الإعلان بمباركة من حاكم مصر السلطان الناصر محمد. بعد سقوط مملكة كيليكيا، طلب أساقفة أرمينيا الكبرى إعادة الكرسيّ البطريركيّ إلى مقرّه الأول في إشميادزين، إلا أن أساقفة كيليكيا رفضوا نقله وأصرّوا على بقائه في كيليكيا، وقد أدى هذا الخلاف إلى “الانشقاق” بين الأرمن، فأصبح لهم كاثوليكوس يقيم في إتشميادزين، وكاثوليكوس آخر يقيم في سيس، أي كيليكيا، وهو الكرسي الذي نُقل في القرن العشرين إلى أنطلياس، محتفظا بلقب “كرسيّ بيت كيليكيا”.

في قلب البركان 

دخلت أرمينيا في منعطف تاريخي جديد مع نشوء الدولة العثمانية وتحوّلها سريعاً إلى أمبراطورية مترامية الأطراف. كما في القرون الميلادية الأولى، عانى الأرمن من الحرب الضروس بين العثمانيين والفرس، وتبدّلت أحوالهم تبعأً لتحولات هذه الحرب. على الصعيد الداخلي، تحولت أبرشية القسطنطينية في العام 1461 إلى بطريركية، وحظي بطريرك الآستانة بنفوذ فاق نفوذ كاثوليكوس كيليكيا. في بلاد الفرس، نقل شاه عباس سكان مدينة جفلا إلى أصفهان حيث أنشأوا “مدينة” خاصة بهم عُرفت باسم جفلا الجديدة. في القرن التاسع عشر، انتزعت الأمبراطورية الروسية خانات يريفان وقره باغ من الدولة الفارسية الصفوية بين 1813 و1815، وضمّت بذلك “أرمينيا الشرقية” إلى حدودها. في المقابل، تعرض الأرمن إلى الاضطهاد في زمن انهيار الخلافة العثمانية، وبلغت هذه الحملات ذروتها بين 1894 و1896 في ظل حكم السلطان عبد الحميد الثاني.
في تلك الحقبة، تأسست “جمعية الاتحاد العثماني” في نهاية القرن التاسع عشر، وضمت اتحاد “تركيا الفتاة” المؤيد لإصلاح الإدارة في الأمبراطورية، ثم تحولت إلى جمعية “الاتحاد والترقي”، التي وصلت إلى سدة الحكم في الدولة بعد تحويل السلطنة إلى ملكية دستورية وتقليص سلطات السلطان في العام 1909. في المقابل، أنشئت “جمعية العربية الفتاة” في باريس في العام نفسه، ومهّدت هذه الخطوة لعقد “المؤتمر العربي” في العاصمة الفرنسية في العام 1913. دخل العرب في مواجهة مفتوحة مع الأتراك، واشتدت هذه المواجهة مع نهاية العثمانيين. تصارع الطرفان على حكم حلب، وانتهى هذا الصراع بعقد ما يُعرف بمعاهدة لوزان، حيت فُصلت حلب عن مدن الأناضول وبلداته التي كانت تابعة لها، ولم يبق من لواء حلب سوى العاصمة ولواء الإسكندرونة. في العام 1939، ضمّت الدولة التركية هذا اللواء بمؤازرة من الانتداب الفرنسي، وحُرمت حلب من مينائها الرئيسي، وباتت معزولة عن محيطها الأناضولي “التاريخي”. لم تعترف الدولة السورية بهذا الفصل، وظلت حتى الأمس القريب تعتبر “اللواء السليب” جزءاً من أراضيها، وعمدت على إظهاره على خرائطها الرسمية.

وجد الأرمن أنفسهم في وسط هذا البركان المتفجر، وعاشوا في العقود الأولى من القرن العشرين سلسلة متواصلة من المآسي. تجددت حملات الاضطهاد في أضنة في العام 1909، وأدت إلى سلسلة من الهجرات العرضية. تواصلت هذه الهجرات في حقبة بناء الدولة التركية في ظل جمعية “الاتحاد والترقي”، وأدت إلى ترحيل كثيف للأرمن. عقب حملة “الإبادة الجماعية” في العام 1915، تمّ تهجير الناجين من الحملات التركية، وأُخليت آسيا الصغري من سكانها الأرمن.

على مثال كل الشعوب التي عاشت تحت ظل الحكم العثماني، سعى الأرمن القاطنون في أرمينيا الشرقية إلى إقامة دولة لهم، وأعلنوا ولادة الجمهورية الأرمينية في 28 آيار 1918. شنت تركيا الحرب على هذه الجمهورية في خريف 1920 واحتلت مقاطعتي كارس وأرداهان اللتين كانت روسيا القيصرية قد سلختهما من الأتراك في العام 1878، كما احتلت مقاطعة سورمالو التي تضم جبل آرارات. أمام هذا التقدم التركي، استجابت الجمهورية الأرمينية لطلب السلطات الروسية السوفياتية، وانضوت في كنف الاتحاد السوفياتي، وباتت “جمهورية أرمينيا السوفياتية الاشتراكية” التي سرعان ما حظيت بدعم الجيش الأحمر. قامت هذه الجمهورية على جزء صغير من “أرمينيا التاريخية”، وبذا أمكن إنقاذ ما تبقى من الأراضي التي كانت تبلغ 300 ألف كلم مربع. في الجهة المقابلة، لم يتخلّ الأرمن المهجرون من آسيا الصغرى عن حلم العودة، وكاد هذا الحلم أن يتحقق مرتين، لكن الحسابات الدولية أدت إلى إجهاضه. في المرة الأولى، أُعيد مئة وخمسون ألفاً من المهجرين إلى كيليكيا عندما سعت فرنسا إلى تحويل هذه المنطقة مقاطعة ذات استقلال ذاتي خاضع للانتداب الفرنسي، لكن هذه التجربة باءت بالفشل عندما عدلت فرنسا عن مشروعها وتنازلت عن كيليكيا لصالح تركيا بموجب معاهدة لوزان في تموز 1923. جاءت المحاولة الثانية في نهاية الثلاثينات حين سعت فرنسا إلى إسكان الأرمن في سنجق الإسكندرون بعد ضمّه إلى سوريا المستقلة، لكنها عادت وتنازلت عن السنجق إلى تركيا مما أدى إلى انتقال الأرمن من هذه المقاطعة إلى سوريا، باستثناء سكان جبل موسى الذين نُقلوا إلى عنجر.

اعتمدت “لجنة الاتحاد والترقي” سياسة “تتريك المكان”، وأدّت هذه السياسة إلى هلاك ثلاثمئة ألف مُرحَّل بين خريف 1915 وشتاء 1916. وصل الناجون إلى حلب، ومنها توزع بعضهم على دمشق وحماه وحمص. سعت السلطات التركية إلى “أسلمة” الأرمن بغية تذويبهم، وارتضت السلطة الكنسية الأرمنية هذا الحل “الظرفي” في انتظار مرور العاصفة. صُدم السكان العرب من هذه السياسة، وأبوا دخول هؤلاء “المتأسلمين” ظاهرا إلى مساجدهم، بينما استمر تهجير الأرمن إلى الأردن وحوران من جهة، وإلى الموصل وبغداد من جهة أخرى. اتخذت قيادة الحلفاء قرارا يقضي بإعادة المرحَّلين بشكل واسع في كانون الثاني 1919. أدى تدفق الأرمن على حلب إلى إثارة حفيظة الأوساط الإسلامية المتشددة، تبعها اندلاع مواجهات خطيرة في لواء اسكندرون مع السكان المسلمين المحليين، وحرب في حلب أوقفها تدخل الجيش البريطاني المباشر. أمل الأرمن المهجّرون ببناء موطن جديد لهم في كيليكيا، لكن فرنسا خذلتهم وضحّت بكيليكيا لتأمين سيطرتها على سوريا ولبنان. أدى تبدل السياسة الفرنسية إلى هجرة جماعية من كيليكيا في اتجاه سوريا ولبنان خصوصا، ونظّم الفرنسيون هذه الهجرة، فعاد عشرات الآلاف من الأرمن بغالبيتهم إلى المنفى في سوريا ولبنان، وذلك بعدما أعيد إيواؤهم قبل ثلاث سنوات في كيليكيا. في المقابل، أدت السياسة الكمالية إلى استمرار هجرة أرمن تركيا في اتجاه سوريا في العشرينات، ولم تتوقف هذه الحركة إلا في مطلع الثلاثينات.

إعادة بناء الأمة

مع زوال النظام العثماني وصعود الحلم بالاستقلال القومي، شكّل بعض أرمن مصر من الفارّين القدامى من الجيش العثماني، جماعة عُرفت بـ”جماعة يوتغبريان”، كان هدفها “استرداد نساء وأطفال ما زالوا محتجزين لدى القبائل البدوية في سيناء وفلسطين ومنطقة دمشق”. ساند الأمير فيصل هذه الجماعة، فانتدبتها السلطات السورية لجمع أرمن حوران، وتعهدت بنقلهم مجاناً بواسطة السكة الحديد إلى دمشق ودرعا. سعى الأرمن إلى تحقيق “فكرة إعادة بناء الأمة”، و”العودة إلى المجتمع الأصلي”، لكنهم واجهوا صعوبات جمة في تحقيق ذلك. لجأت الهيئات الأرمنية إلى التعبئة العامة، ودعت إلى رفض التكلم بالتركية، باعتبارها “عبودية ثانية”، وبشّرت بالتحرر القومي المطلق. في لبنان كما في سوريا، وجد الأرمن المهجّرون أنفسهم مع أرمن استقروا في هذه الأراضي منذ زمن طويل. كان أرمن لبنان “الأصليون” خاضعين لسلطة بطريرك القدس الأرمني، بينما كان المهجَّرون تابعين لكاثوليكوسية بيت كيليكيا الأكبر، وكان مقر هذه الكاثوليكوسية في مدينة سيس منذ أواخر القرن الثالث عشر، ثم انتقل بعد مجازر 1915 إلى حلب، ثم إلى القدس، وارتحل إلى أضنة بعد 1918 لفترة وجيزة. في نهاية العشرينات، تخلى بطريرك القدس عن سلطته في “المشرق”، وتنازل عن ممتلكاته في بيروت ودمشق واللاذقية لمصلحة الكاثوليكوس.

في العام 1930، اتخذت “كاثوليكوسية بيت كيليكيا الأكبر” مقراً دائماً لها في أنطلياس، وتزامن هذا القرار التاريخي مع إقامة مؤسسات أرمنية متعددة تنظم مختلف شؤون الحياة الداخلية للطائفة. في زمن الانتداب الفرنسي، تحول الأرمن مواطنين بعدما كانوا غرباء، وجاء هذا التحول نتيجة الاستراتيجيا الفرنسية الطامعة إلى كسب الدعم الأرمني لمخططاتها في لبنان وسوريا، وتحقق عبر مادتين نص عليهما اتفاق معاهدة لوزان في تموز 1923، وهما المادة الثلاثون والمادة الثانية والثلاثون. تعددت المواقف الأرمنية إزاء فرنسا، فقدمت السلطة الدينية الدعم، وانحاز لها حزب الطاشناق، بينما بدا حزب الهنتشاك الاشتراكي الديموقراطي وحزب الرامغفار الليبيرالي أكثر استقلالية. تخوف اللبنانيون من أن “يصير لبنان أرمينيا جديدة، ويغدو اللبنانيون غرباء في بلادهم”، وكتبت صحيفة “لسان الحال” في آذار 1925: “إذا كنا نشفق على الأرمن، فإننا نشفق كذلك على أنفسنا، ونشك في ألا يزيد اندماجهم في جنسيتنا من انقساماتنا وألا يشكل نكبة جديدة في جوهر طائفيتنا، وكلاهما موضوع خطير”. بعد عامين، كتبت “الأخبار المصوّرة”: “العلة هي أن الأرمن يؤلفون نسيجاً قائماً بذاته، لهذا يرفضون الانصهار مع الوطنيين… انهم لا يدرسون لغتنا ولا يكترثون بأدبنا، إنما هم بالأحرى يتصفون بتعصب أعمى للغتهم الأرمنية. ومجرد حضورهم بيننا يؤدي إلى هيمنة اللغات الأجنبية على لغة البلد. سوف تتحول لغتنا رطانة ومزيجاً من اللغات الأجنبية كما هي الحال في مالطا وفي بلدان المغرب وتونس والجزائر”. تعددت أسباب التحفظات المحلية في مواجهة “توطين” الأرمن الذي شكل “أمراً واقعاً” فرضه الانتداب، وفي النهاية، اندمج الأرمن من دون أن يتخلوا عن خصوصيتهم، ومن مظاهر هذا الاندماج قيام مفتي الجمهورية بتكليف المعماري الطونيان مهمة ترميم أحد المساجد القائمة وسط المدينة، وذلك قبل اختياره لبناء المقر الجديد للبرلمان في العام 1934.

تحولت مخيمات اللاجئين إلى أحياء حضرية في سوريا ولبنان ضمن “مشروع إسكان الأرمن النهائي” في هذين البلدين. بعد عقود من الزمن، سكن هذه الأحياء “مهجّرون” من الفلسطينيين والشيعة والأكراد، لكن الظروف الجيوسياسية المغايرة لم تؤدِّ إلى “عملية اندماج سلمي”. على العكس، أصبحت هذه الهجرات مصدر صراعات، وساهمت في اندلاع الحرب الداخلية التي عصفت في لبنان. شكلت هذه الحرب تحولاً كبيراً في تاريخ هذا الوطن الصغير، وأدت إلى تغير ديموغرافي كبير في جماعاته الطائفية. ضعف ثقل الوجود المسيحي، وضعف معه ثقل الوجود الأرمني، غير أن الحديث عن هذا الضعف يبقى من المحرّمات. عانى الأرمن من الحرب اللبنانية في الأمس القريب، وهم اليوم يعانون من الحرب السورية المتواصلة بضراوة منذ أربع سنوات. يتجلى ذلك بنوع خاص في حلب حيث ضعف الحضور الأرمني بشكل كبير، وبات اليوم مهدداً بالتلاشي.

محمود الزيباوي

النهار

Leave a Reply

Your email address will not be published.