تركيا تستمر في تهجير الأرمن

إدمون ساسين

موقع التيار

التاريخ يعيد نفسه. هكذا يقول أي أرمني تلتقيه في شوارع العاصمة الأرمنية يريفان أو خلال زيارته للنصب التذكاري الذي يخلد ذكرى الابادة الأرمنية التي ارتكبها العثمانيون في حق الشعب الأرمني منذ مئة عام. منذ قرن يقول كريكور الذي جاء ينظر الى متحف الابادة ويتذكر ما أخبره به والداه عن فظاعة المجزرة التي ارتكبها العثمانيون في حق اهله فقتلوا مليون ونصف المليون أرمني وهجروا نصف مليون واحتلوا أراض يعتبرها الأرمن جزءا من بلاد أرمينيا. كريكور ولد في سوريا في عائلة هربت عام 1915 من همجية وبربرية العثمانيين الذين حاولوا ابادة شعب بكامله. كان الاستقرار يلازم العائلة وآلاف العائلات الارمنية في سوريا الى حين اندلاع الأزمة السورية. يقول كريكور ان المجموعات المسلحة جعلت الحياة في حلب مستحيلة في ظل النهب والقتل والمعارك وتدمير كنائس ومنازل ومحلات تعب السوريون الأرمن في تأسيسها عشرات الأعوام. هكذا اضطرت آلاف العائلات السورية الأرمنية الى الهجرة مجددا فعادت الى البلد الأم هربا من اضطهاد جديد.

يقول كريكور ان تركيا التي ترفض الاعتراف بالابادة الارمنية عام 1915 وترفض التعويض واعادة الأراضي الأرمنية تقوم اليوم باعادة اعتماد السياسة العثمانية والحنين اليها. يتحدث كريكور عن عمل ممنهج لتهجير الأقليات مجددا ويشير بوضوح الى أن تركيا التي فتحت حدودها مع المجموعات المسلحة في حلب هي التي تدعم هذه المجموعات وترسم سياساتها وتغطي أعمالها في تهجير الأرمن مجددا. عائلة كريكور التي عادت مجددا الى أرمينيا تتحدث عن قيام مجموعات تعمل لصالح تركيا بتفكيك المصانع والمعامل العائدة للعائلات الأرمنية في حلب وسرقتها ونقلها الى تركيا . يخبر أحد السوريين من اصول أرمنية أن الأتراك سرقوا له خمس معامل ونقلوها الى تركيا وقد تمكن بطرق معينة من دفع مبالغ مالية ضخمة لاسترداد معملين من أصل خمسة.

هكذا يعيد التاريخ نفسه وبدل أن تحاول تركيا معالجة ذيول الماضي تجعل الأرمن أكثر فأكثر يربطون بين العثمانيين وبين طموحات أردوغان بتكرار تلك التجربة. فالتهجير هو نفس الآداة التركية في وجه الأرمن منذ مئة عام كما استمرار احتلال الأراضي الارمنية التي لم ينسها الأرمن وقد وضعوا في الذكرى المئوية للابادة الارمنية شعارا لأحد المؤتمرات يقول ان هدفهم السير مجددا على سفوح جبل أرارات الذي تحتله تركيا مع مدن أخرى والذي يعني الكثير للأرمن. فعند هذا الجبل ثمة حدود مغلقة تفسر استمرار الانغلاق السياسي والنفسي والتاريخي  التركي ضد الأرمن الذين لم ينسوا بعد قرن من الابادة ما ارتكبه الاتراك وهم يخلدون هذه الذكرى في وجدان الاجيال الأرمنية المتعاقبة التي ترفض النسيان فتتذكر دائما وتطالب بالاعتراف التركي بالابادة التي اعترفت بها العديد من الدول.

صحيح أن الأزمة السورية أعادت كريكور الى البلاد الأم الاّ أن الأخير يعيش صراعا حقيقيا بين الحنين الى الجذور المتصلة بمأساة وابادة وشعب وبين الذكريات الجميلة التي رافقته منذ ولادته في حلب حيث ولد وعاش في أحيائها واضطر مكرها الى الرحيل عنها وترك كل ما يملك هناك. صراع سيجعل كريكور محتارا في العودة أم لا الى سوريا في حال استقر الوضع وانتهت تلك الأزمة الدموية التي دخلت عامها الرابع.

Leave a Reply

Your email address will not be published.