“النهار”: “عند سفوح أرارات” بدأت إبادة الأتراك للأرمن.. “أن يعيش المرء على ذكرى أهل قضوا جميعاً”

كتب بيار عطا الله في “النهار” أن الأرمن لم ينتظرعلى جري عادتهم منذ عشرات السنين حلول 24 نيسان لكي يتظاهروا متذكرين ضحايا الإبادة الارمنية. هذه السنة تحل الذكرى المئوية للمجزرة التي تعرضوا لها على يد العثمانيين، والشعلة الدهرية المضاءة على الجبل قرب العاصمة يريفان تكريماً لمليون ونصف مليون ضحية لا تخلو من الوفود الزائرة تباعاً لوضع الزهور والصلاة، علّ الذكرى تنفع في استحضار العدالة للضحايا في الذكرى المئوية للمجزرة، هؤلاء الذين كانت قضيتهم عنوان المؤتمر الذي افتتح في العاصمة الارمنية تحت عنوان “عند سفوح أرارات” (At the foot of Ararat) والمقصود جبل ارارت التاريخي الذي تستحوذ عليه تركيا منذ الحرب العالمية الاولى، ويؤكد الارمن أن ملكيته لهم في صراع بلا رحمة تختلط فيه الجغرافيا بالتاريخ والدين والاساطير، وكان ضحاياه بالآلاف حتى اليوم، ولا يزال مستمراً بأوجه مختلفة.

الرئيس الأرمني سيرج سركيسيان أكد رغبة بلاده في السلام مع جيرانها واستنكاره الحروب واستذكر ضحايا الابادة. وناقش المؤتمر الذي يشارك فيه ممثلون للانتشار الارمني إضافة الى اعلاميين أتى بعضهم من الارجنتين حيث جالية أرمنية كبيرة، اطلاق سلسلة الاحتفالات في المئوية، اضافة الى ما يسمى بالمسؤولية الاخلاقية، وما وصفه أحد المنتدين بـ”حدود التسامح في المجتمعات الديموقراطية، مع سؤال كبير عن الجدوى في موازاة المجازر الحديثة التي تشهدها الانسانية وخصوصاً ما قامت وتقوم به التنظيمات الارهابية مثل “بوكو حرام” وراعيتها الفكرية “الدولة الاسلامية في العراق والشام”، الى تساؤلات وأسئلة عن المحاسبة في مجازر كبرى جرت في دول مثل رواندا ويوغوسلافيا السابقة وغيرها من المجتمعات التعسة التي اصابتها لعنة الحروب ولم تسقط مجازرها في ذاكرة النسيان ولا الصفح وتنقية الذاكرة. ويفترض في نهاية المؤتمر غدا الجمعة اعتماد توصيات بعضها عملاني وبعضها الاخر يحمل ما يشبه الاشادة بنضالات الارمن في اعادة بناء دولتهم الارمنية والفوز بالاستقلال في خضم التحولات الكيرة ابان سقوط دول المنظومة الاشتراكية، الى التنويه بالحفاظ على الهوية الارمنية وبناء شبكة تواصل مع الانتشار الارمني في العالم وحماية حقوق الارمن، وصولا الى المبدأ الاساس الذي اعتمد عنوانا للمئوية الاولى للابادة: “انا أتذكر، وأنا أطالب”. وحض الاجيال الأرمنية على الاستمرار في الدفاع عن هذه الاهداف حتى تحقيقها.

لم ينس لحظة

لكن المشهد الحقيقي وعلى أهمية الحشد الكبير في المؤتمر، يبقى عند النصب التذكاري للابادة والمتحف الملاصق على أعلى تل يشرف على العاصمة الارمنية حيث يمكن مشاهدة جبل ارارات، ويحتشد المئات يومياً من الطلاب والمواطنين العاديين في مشهد حزين قبل شهر من الذكرى السنوية. هناك يسيرون بصمت حاملين الزهر والورد الى شعلة ضخمة تنبعث منها النار مدار الساعة، يضعون الازهار ويتلون صلوات على وقع تراتيل وموسيقى حزينة، قبل أن يغادروا الى المتحف الملاصق الذي يحوي صورا تاريخية ووثائق وخرائط وبقايا بعض الناجين وحوائجهم الشخصية، اضافة الى صالات تعرض الافلام الوثائقية عن الابادة وما يتصل بسيرة الاتهام والانكار المتبادلة والطويلة على امتداد مئة عام بين الاتراك والأرمن، أو بين الجلاد والضحية.

عند الساحة المؤدية الى الشعلة يقف الكاتب الارمني – السوري مهران ميناسيان ويشير الى حائط كبير دونت عليه أسماء المناطق والبلدات التي وقعت فيها الابادة، ويروي ان جده لأبيه سار طفلاً مع رفاق له أكثر من ألف كيلومتر حافيا، من تركيا الى صحراء سيناء قبل أن يعود ويستقر به المقام في حلب. ويقول بحزن أن جده وعلى رغم السنين الطويلة التي عاشها حتى جاوز التسعين كان يصحو وينام ويعيش كل لحظة على وقع الذكريات والحلم الذي لا ينتهي بالعودة الى عائلته وكرمه وبيته الذي تهجر منه في مرعش او شرق تركيا، أرمينيا الغربية في المصطلح الأرمني.

Leave a Reply

Your email address will not be published.