يريفان تحيي قرناً على الإبادة بعدما ردت أنقرة بروتوكولات التسوية

«أنا أتذكر، أنا أطالب» تحت هذا العنوان تطلق أرمينيا أوسع فعاليات في تاريخ الدولة لإحياء الذكرى المئوية لإبادة الأرمن في تركيا خلال الحرب العالمية الأولى.

تطل الذكرى في كل زاوية في مدينة يريفان الهادئة التي لم تتعرض منذ انهيار الاتحاد السوفياتي لعملية تحديث شاملة لبناها التحتية، فالجمهورية الصغيرة التي تعد من أفقر بلدان الدولة العظمى في السابق، تعاني هموماً معيشية واقتصادية دائمة بسبب الحصار المفروض عليها من تركيا وأذربيجان ما يجعل منفذها الوحيد على العالم الخارجي جورجيا التي لا تعيش أوضاعاً اقتصادية مزدهرة بدورها.

لكن الصعوبات المعيشية لا تبدو أولوية بالنسبة إلى الأرمن عندما يدور الحديث عن الذكرى التي يجمعون عليها من دون استثناء، الثلاثة ملايين نسمة التي تقيم في أرمينيا ونحو أربعة ملايين آخرين يتوزعون في أنحاء العالم غالبيتهم تقطن في روسيا والولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي والشرق العربي.

بالإضافة إلى نحو ثلاثة ملايين ما زالوا يقيمون في تركيا وقد تعرضت غالبيتهم على مدى السنوات المئة الماضية لمحاولة فك ارتباطها بأرمينيا عبر «سياسات الأسلمة» كما يقول مسؤولون ارمن يشددون على أن الجزء الأعظم من سكان أرمينيا الغربية التي تقع في أراضي تركيا المعاصرة أو «الأزمن- الأتراك» كما يطلق البعض عليهم ما زالوا محافظين على هويتهم الأرمنية وعلى ديانتهم. وإن كان جزء كبير منهم يضطر الى اخفاء تلك الحقيقة.

ليس مفاجئاً ان تكون ذكرى الابادة هي الهم الجامع للارمن، لكن ما يستوقف الزائر ان يحرص كل من يقابله على التذكير بضرورة نقل رسالة الارمن الى العالم. في المطعم او في سيارة التاكسي او في الفندق او في متجر. حتى السيدة التي جاءت من حلب وانخرطت في إدارة مركز تطوعي لخدمة اللاجئين الأرمن الذين عادوا من سورية بسبب الحرب، لم تنس بعد ان قدمت معطيات موسعة عن نشاط المركز وعن اوضاع من لجأوا الى وطنهم التاريخي بعدما ضاقت بهم السبل، ان تضيف: «هذا الهم نحن نعيشه ونتعامل معه كما يجب انما لا ينبغي ان يصرفنا عن الهم الأساسي لكل الارمن، عن ملف الابادة….اكتبوا عن ذلك».

لينا هالاجيان غادرت سورية عام 2012 في فترة شهدت نزوح جزء كبير من ارمن سورية الذين يبلغ تعدادهم نحو 100 الف نسمة بقي منهم في سورية حالياً نحو عشرين ألفاً فقط. لكن غالبيتهم لم تتجه نحو ارمينيا اذ لجأ كثيرون الى اقارب في الولايات المتحدة او كندا او اوروبا، كما انتقل بعضهم الى لبنان، وكانت حصة ارمينيا نحو 12 ألف نسمة، وهو رقم يبدو متواضعاً جداً بالمقارنة مع عدد اللاجئين السوريين في لبنان او في الاردن، لكنه مرهق اقتصادياً بالنسبة الى أرمينيا ذات الموارد المحدودة.

لم يتم التعامل مع الوافدين الارمن كـ»لاجئين» اذ اعتبر الرئيس سيرج سيركسيان انه لا يجوز ان يتم التعامل مع الارمني كلاجئ في وطنه التاريخي لذلك اصدر اوامر بمنح تسهيلات للوافدين وضعتهم في مساواة مع المواطنين لجهة مجانية التعليم والطبابة بما في ذلك العمليات المعقدة مثل القلب المفتوح، اضافة الى الخدمات الاخرى التي تقدمها الدولة، ناهيك عن ان الوافدين حصلوا على تسهيلات باستخراج جوازات سفر ارمنية من دون عوائق وهذا امر له اهمية قصوى كما قالت هالاجيان لانه يرفع جملة من المشكلات الاساسية خصوصاً انه يفتح الابواب امام ايجاد فرص العمل. مع اهمية هذه الخطوة لكنها لم تحل مشكلات اخرى واجهها الوافدون، على رأسها موضوع السكن، اذ لم يكن ممكناً استقبال وافدين ارمن في معسكرات لجوء، وهذا ما اظهرته تجربة هاروتوم توكافليان وزوجته زارميني ميناسيان صاحبا محلات «هاروت للفروج» الشهيرة في حلب. اخفق الزوجان في اطلاق بداية جديدة وهما يتحينان الفرص للعودة الى حلب.

وحاولت المؤسسة التي تديرها السيدة هالاجيان حل المشكلة عبر اطلاق مشروع اسكاني لم ير النور لأنه بقي من دون تمويل.

وعلى رغم الشفافية التي يتعامل بها المركز مع المساعدات التي تصله لكنها ما زالت محدودة جداً ومن الجانب العربي مثلاً قدمت مؤسسات في الكويت التي تقيم بالمناسبة علاقات متميزة مع ارمينيا مساعدات مالية مباشرة وصلت قيمتها الى نحو 200 ألف دولار خصص جزء منها للتوزيع كمساعدات عينية بينما تم انفاق الجزء الآخر بطلب من المانح على قضايا التعليم والامور الثقافية. وتشكو السيدة من ان حوالى 7500 شخص باتوا بعد مرور عامين على انتقالهم الى ارمينيا بحاجة الى مساعدات سريعة.

وعلى رغم ان اوضاع الارمن في سورية تشغل بال المسؤولين في الحكومة الارمينية، لكن النقطة الاهم التي يتوقف عندها كل من يتحدث في هذا الموضوع هي فكرة «استمرار الابادة» بسبب غياب الاعتراف والعقاب ما يعني غياب الرادع عن تكرار جرائم مماثلة ضد الارمن او ضد غيرهم من الشعوب. وهذا بدا واضحاً في حديث الرئيس الارميني حول الموضوع عندما ربط رداً على سؤال «الحياة» بين عمليات القتل والاعدام الوحشية التي يقوم بها تنظيم «داعش» واستهداف القيم الثقافية والحضارية التي وصفها بانها انجاز تاريخي مشترك للبشرية.

هذا هو المدخل الرئيس الذي اختارته يريفان لإحياء الذكرى المئوية.

تشتمل الفعاليات التي تجري تحت اشراف مباشر من الديوان الرئاسي على اكثر من 5 آلاف نشاط محلي وإقليمي ودولي. وتتنوع بين الفعاليات السياسية والثقافية والفنية والانسانية، وتم تنسيق جزء كبير منها بالتعاون مع مؤسسات عالمية بينها جامعات ومتاحف كبرى وصالات موسيقى.

ويتولى مدير الديوان الرئاسي فيكين سركيسيان رئاسة اللجنة التنسيقية لفعاليات احياء الذكرى وهي تضم شخصيات سياسية واقتصادية وثقافية وفنية وعلمية بارزة.

وحدد سركيسيان ما وصفه بانه «أربعة أعمدة» تقوم عليها فعاليات احياء ذكرى الابادة. يقوم العمود الاول على التأكيد على ان الذكرى باقية ولا يمكن ان تمحى مع مرور الزمن، وهذا يتعلق بمواصلة ابراز المعطيات والادلة والمطالبة بانصاف ذكرى 1.5 مليون ارمني كانوا ضحايا الجرائم التي مورست ضدهم.

ويدخل في هذا المجال استمرار المطالبة بالاعتراف الدولي عموماً والتركي خصوصاً بالابادة، مع ما يترتب على ذلك من الاعتراف من نتائج بينها الاعتذار والتعويض عن الخسائر التي مني بها الشعب الارمني ويقدرها خبراء حالياً بنحو 3 تريليون دولار.

والعمود الثاني للفعاليات ينطلق من اهمية التذكير بدور الشعوب التي ساعدت الارمن في محنتهم، والاشخاص والمؤسسات التي لعبت أدواراً مختلفة لإبراز حقيقة ما جرى في تلك الحقبة.

وبين تلك البلدان والشعوب ايران وفرنسا وروسيا وكندا وشعوب العالم العربي وحتى عائلات تركية لعبت أدواراً في حماية الارمن ومساعدتهم.

وفي اطار مشاعر الامتنان أيضاً يدخل ابراز أهمية اعتراف عدد من البلدان بالإبادة ودعوة الآخرين الى الانضمام الى قافلة المعترفين.

العمود الثالث يركز على مواصلة الكفاح ضد الابادة والجرائم ضد الانسانية بكل انواعها، ويعتبر المنظمون ان هذا العنصر له اهمية قصوى في ظل التطورات التي يشهدها العالم حالياً.

وأخيراً، لا يكتفي الارمن في الفعاليات المقامة بالتذكير بالجرائم والمطالبة بالقصاص، اذ تعد الذكرى المئوية كما يقول سركيسيان دافعاً مهماً للاحتفال بإعادة احياء الأمة الارمنية وتحقيقها إنجازات عدة بينها إقامة الدولة والمؤسسات في أرمينيا المعاصرة.

وعلى رغم أن الفعاليات ستستمر خلال العام كله، كما ان بعضها سيجري خلال العام المقبل، لكن اللقاء المنتظر الاهم سيكون في 24 من الشهر المقبل، وهو التاريخ الذي يعتبر عند الارمن رمزاً لكل عمليات الابادة.

في 24 نيسان (أبريل) من عام 1915 تم التنكيل بمئات الشخصيات التي تعد الابرز من الارمن في الدولة العثمانية في المجالات المختلفة، كان المقصود كما يؤكد المؤرخون «قطع رأس الأمة».

وتنتظر ارمينيا في هذا اليوم من الشهر المقبل حضور عشرات الزعماء وممثلين من بلدان مختلفة، لإحياء الذكرى، وعلى رغم أن كثيرين أعلنوا نيتهم الحضور كما تؤكد الحكومة، لكن هذه الفعالية تبدو التحدي الأساسي، في ظل مساعي انقرة للتخريب عليها، عبر التأثير على دول لمقاطعتها او عبر إقامة فعالية كبرى تتزامن معها. ففي اليوم ذاته تقيم انقرة احتفالاً ضخماً لاحياء الذكرى الـ100 لمعركة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى.

وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن ممثلين لنحو 50 دولة، منهم رؤساء دول ورؤساء وزراء، من المتوقع أن يحضروا الفعاليات في جاناكالي، على مسافة 280 كيلومتراً جنوب غربي اسطنبول.

ومعلوم ان معركة غاليبولي، المعروفة أيضاً بمعركة مضيق الدردنيل، تعتبر من المواقع التي حققت فيها الامبراطورية العثمانية انتصاراً مهماً على الحلفاء اجبرهم على التراجع.

وتشكل شبه الجزيرة الضفة الشمالية لمضيق الدردنيل، وكانت تعد طريقاً للبحرية التابعة للامبراطورية الروسية وكان يمكن للسيطرة عليها فتح الطريق امام الحلفاء نحو عاصمة العثمانيين. لكن تم التصدي للهجوم بعد قتال دام ثمانية اشهر وانسحبت قوات الحلفاء إلى مصر.

وهذه المرة الأولى التي تحتفل فيها تركيا بالمناسبة، ما دفع الارمن إلى اعتبار الاحتفالات محاولة للتغطية على الذكرى المئوية للإبادة.

على رغم ذلك، تعتبر الحكومة الارمينية ان الدعوة الى اوسع تضامن عالمي مع الشعار المرفوع «أنا أتذكر… أنا أطالب» سوف تلقى استجابة.

وهذا ما اشار اليه الرئيس سيرج سركيسيان في المنتدى الاعلامي الذي استضافته يريفان أخيراً لاطلاق الفعاليات وحمل عنوان «على سفوح ارارات» وقال إنه دعا الرئيس التركي لحضور الاحتفالية الرسمية في 24 نيسان لكن دعوته قوبلت بالتجاهل.

واتهم تركيا بأنها ما زالت تتبنى سياسة الإنكار على رغم خطورة هذه السياسة وما نجم عنها من استمرار لجرائم الابادة مثل الهولوكست وعمليات الإبادة في رواندا وأخيراً ما يقوم به تنظيم «داعش» في العراق وسورية.

واوضح انه اضطر أخيراً الى سحب بروتوكولات التطبيع التي وقعها البلدان عام 2009 وكانت معروضة امام البرلمان للتصديق عليها، بسبب قيام انقرة بوضع شروط اضافية على رأسها ربط ملف التطبيع مع تقديم تنازلات ارمينية في موضوع النزاع على قره باخ مع اذربيجان.

وهي شروط لا يمكن ليريفان التي تصر على الفصل بين الملفين ان تقبلها.

لكن سركيسيان شدد في المقابل على ان تجميد المصادقة على البروتوكولات لا يعني سحب توقيعه عليها، مؤكداً ان يريفان لا تربط تطبيع العلاقات مع مسألة الاعتراف بالابادة، وأنها لم تغلق الباب أمام تركيا التي أعلنت عن تبني سياسية «صفر مشاكل» مع الدول المجاورة لها ولكن اتضح انها تسعى الى تصدير أزماتها الى كل دول الجوار.

وقال رئيس أرمينيا إنه على رغم المصاعب التي تواجهها بلاده إلا أنها نجحت في بناء دولة ديموقراطية تتبنى مبدأ الاقتصاد الحر، وفيها صحافة متعددة ونشاط حزبي معارض.

اللافت في حديث سركيسيان انه عكس دقة حسابات الديبلوماسية الارمينية في التعامل مع تطورات الموقفين الاقليمي والدولي. فمن جانب تعد روسيا الشريك الاهم لأرمينيا بحجم تبادل تجاري يصل الى 1.3 بليون دولار، وتشكل السوق الروسية المركز الاهم لترويج البضائع الارمنية. ومن جانب آخر تعد ايران شريكاً أساسياً ليريفان، هو «الاقرب» كما يقول مسؤولون ارمن، وتشارك طهران في تنفيذ مشروعات اقتصادية وانسانية بالغة الاهمية في ارمينيا. كما ان الاتصالات السياسية وثيقة ومتواصلة.

لكن في الوقت نفسه تحافظ يريفان على علاقات «ممتازة» مع جورجيا العدو اللدود للروس، والتي تقترب اكثر واكثر من حلف الاطلسي في مواجهة طموحات روسيا الاقليمية. ووصفها الرئيس الارميني بأنها تعد عنصراً مهماً للاستقرار والسلام في جنوب القوقاز وتعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي مع بلاده.

وتعد جورجيا الرئة التي تتنفس منها ارمينيا بسبب الحصار المفروض مع استمرار إغلاق للحدود البرية في اوروبا، بحسب وصف الديبلوماسية الارمنية، في اشارة الى قيام تركيا واذربيجان بـ»خنق» ارمينيا عبر استمرار اغلاق حدود البلدين معها.

وهذه واحدة من النقاط الاساسية التي تهدف فعاليات احياء ذكرى الابادة الى تسليط الضوء عليها باعتبارها «الحدود الوحيدة التي ما زالت مغلقة في اوروبا بعد انهيار الدولة السوفياتية».

ويشكل اصدار «اعلان ارمينيا» لمناسبة الذكرى المئوية خطوة جديدة نحو تنظيم الحملات الدولية المطالبة بالاعتراف بالابادة وإدانتها، ويضم الاعلان عشرة بنود ابرزها الدعوة الى تخليد ذكرى 1.5 ارمني هم ضحايا الابادة والتأكيد على ان الشعب الارمني سيواصل نضاله ضد كل اشكال الابادة والجرائم ضد الانسانية.

ويعبر الاعلان عن امتنان الارمن للدول والشعوب التي وقفت بجانبهم في المحنة التاريخية، ويعرب عن تأييده «الاصوات الشجاعة» التي بدأت تظهر بقوة في تركيا وتطالب بالاعتراف بالابادة.

وعلى رغم بنود الاعلان حملت تأكيداً وتكثيفاً للمطالب التي قدمتها يريفان في اكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، لكن أهميته تكمن كما قال مسؤولون في تحويله الى وثيقة رسمية تسعى ارمينيا الى حشد أوسع تأييد دولي حولها.

لكن اللافت ان اصدار الاعلان قد يباعد اكثر من احتمالات تقريب المواقف مع انقرة، باعتبار انه تحدث عن ارقام الضحايا وطالب بالاعتراف في حين ان البروتوكول الموقع بين البلدين والمجمد حتى الآن كان نص في احد بنوده على تشكيل لجنة مشتركة من الخبراء لدراسة أحداث الاعوام بين 1915 و1917 في الدولة العثمانية.

على سفوح ارارات، لا ينتهي المشهد الارمني بإطلاق الفعاليات الواسعة، ففي اعلى التلة المشرفة على مدينة يريفان، تم تشييد متحف الابادة، هناك تطالع الزائر وجوه الضحايا وبقايا حاجياتهم الشخصية، في صور واعداد من الصحف العالمية التي غطت المجازر في تلك الفترة بالاضافة الى وثائق وخرائط، كما يحتوي على صالات تعرض الافلام الوثائقية عن الابادة. هناك يتركز الجهد لتكريس الشعار «انا اتذكر، انا اطالب».

وعلى مسافة خطوات من المتحف ترتفع شعلة نار لا تنطفئ على مدار الساعة ويحتشد المئات يومياً من الطلاب والمواطنين حاملين الأزهار ليضعونها حول النار المشتعلة على وقع تراتيل حزينة.

وهنــاك من هذا الموقع الذي اختير بعناية ليشرف على يريفان كلها، تظهر من خلفها جبال أرارات الشاهقة التي تذكر الارمن في كل يوم بأحداث مأسوية عاشها اجدادهم.

رائد جبر

الحياة

Leave a Reply

Your email address will not be published.