العلاقات الكردية الأرمنية ودعوة للوقوف دقيقة صمت يوم 24 نيسان 2015 في الذكرى المئوية على المجزرة الأرمنية

– 2 –

بقلم: كونى ره ش*    

عطفاً على مقالي السابق (ذكرى مئوية الإبادة الجماعية الأرمنية في العهد العثماني وحكاية جدتي أوصنا نيرسيسيان)، بودي ان اصطحبكم معي في جولة بانورامية حول العلاقات الكردية الأرمنية ودعوة أبناء شعبنا بالوقوف دقيقة صمت يوم يوم 24 نيسان 2015، احتراماً لأرواح الشهداء وتضامناً مع الشعب الأرمني..

من خلال تتبعي لمجريات الأحداث التي تجري في سوريا والعراق من قتل وتشريد ومجازر دموية، على ايدي المسلمين المتشددين وبشكل خاص ما حل بأخوتنا الكرد اليزيديين في جبل شنكال ماضياً وحاضراً وأهالي مقاطعة كوباني الكردية، أرجعتني الذاكرة إلى مجازر الأرمن أو الإبادة الجماعية للشعب الأرمني قبل قرن من الزمن، وكأن التاريخ يعيد نفسه.. تلك المجزرة الرهيبة التي بدأت يوم 24 نيسان عام 1915م، من قبل جماعة الأتحاد والترقي التركية، وبأوامر من طلعت وأنور وجمال وباشتراك الأفواج الحميدية السيئة الصيت، واستمرت لعدة سنوات.. وما زالت بقايا ضحاياها مشتتين في أقطار الأرض الأربعة وهم يتذكرون بألم وحسرة ما حل بأهاليهم من قتل منظم وتشريد عن قراهم وديارهم وهم يحلمون بوطن يجمعهم…

أشاركهم مأساتهم التاريخية الأليمة، من خلال جدتي الأرمنية (اوصنا نيرسيسيان)، التي كانت إحدى ضحايا المجزرة تلك وكانت تسرد علينا ونحن صغار ما أصابها من ويلات خلال النفي وما حل بأهاليها من قتل ونفي وتشريد، تفوق ما حل بالفرمانات (74)، التي حلت بالكرد اليزيديين عبر التاريخ..

وهنا أقول، من الخطأ اتهام الكرد بالمجزرة وان كان بعض الكرد المغرر بهم من قبل السلطة العثمانية لهم مشاركة، إلا أن الكثيرين من رؤساء العشائر الكردية، ذوي الضمائر الحية رفضوا أوامر السلطان والأتحاديين بكل أبوة وحموا الأرمن وآووهم في قراهم ودورهم والأسماء كثيرة..

وهنا لابد من تسليط الضوء ولو بشكل بانورامي على العلاقات الكردية الأرمنية.

فيما مضى، كان الكرد والأرمن يعيشون بهدوء وصداقة وحسن جوار، وكان الكرد يترددون إلى الكنائس والأرمن إلى المساجد في كثير من الأحيان وذلك قبل مجيئ البعثات التبشيرية، إذ ادى المبشرون دوراً لا يستهان به في تأجيج الفتن والخلافات بين الكرد والأرمن والسريان والأشوريين.. وجاء اشتراك الأفواج الحميدية السيئة الصيت في المذابح الأرمنية، لتكون نقطة انعطاف مباشرة في سوء العلاقات الكردية – الأرمنية وتدهورها.

فعلاً، لا يمكن نكران اشتراك المؤسسة الحميدية في المذابح سواء في عهد السلطان عبد الحميد الثاني أو في عهد الأتحاديين، وحدث شرخ في علاقات الشعبين من خلال التفسير الخاطئ لاشتراك الأفواج الحميدية واعتبارهم ممثلين عن الكرد كقومية وشعب..! إلا إنه هناك العديد من المواقف الإنسانية المشرفة الذي اتخذه الشعب الكردي من الشعب الأرمني وبقية الشعوب المسيحية في الإمبراطورية العثمانية أثناء المذابح تلك؛ كإدانت جريدة (كردستان)، التي كانت ناطقة باسم الكرد، ما تعرض له الأرمن من قبل الدولة العثمانية بمساعدة الأفواج الحميدية.. وإنقاذ بعض الآغوات والبكوات الكرد للآلاف من الأرمن في مذابح ساسون (1894 – 1896)، وكذلك في مجازر (1915 – 1916)، وفي بداية الحرب العالمية الأولى عبر الشيخ سعيد النورسي (بديع الزمان) عن موقف مليء بالقيم الإنسانية عندما أنقذ أرواح 1500 أرمني من الموت المحتم، وذلك بتسليمهم إلى الجيش الروسي.. وفي ديرسم تمكن الكرد من الحفاظ على حياة 25 الف أرمني، في الوقت الذي كانوا فيه يعانون الجوع.. وفي أذار 1916 قدم الكرد اليزيديون في جبل شنكال، أقصى درجات الضيافة والكرم للأرمن والسريان المشردين، رغم معاناتهم.. وكان للشيخ أحمد البارزاني دور لا يستهان به في انقاذ العديد من العوائل الأرمنية.. وفي كثير من المناطق كان الكرد يخفون الأرمن في بيوتهم لإنقاذهم..

أجل، هناك بعض الكرد الذين اتخذوا موقفاً سلبياً أو حيادياً من مأساة المجزرة خوفاً من التهديدات التي كان يطلقها المسؤولون الحكوميون ووعيدهم بأشد العقوبات لمن يقدم المساعدة للأرمن، ونتيجة فهمهم القاصر للإسلام.. نعم، وقف غالبية الشعب الكردي وقفة إنسانية مع المنكوبين الأرمن، في محنتهم المريرة.. وانطلاقاً من ذلك فأنه من الخطأ تحميل الشعب الكردي إلى جانب الدولة العثمانية مسؤولية المجزرة، لأن الكرد لم يكونوا دولة واشتراك الأفواج أو الفرسان الحميدية فيها لم يكن بتوجيه من الشعب الكردي، فمنذ نشوء هذه المؤسسة السيئة في عام 1891، وقفت أغلبية العشائر الكردية والمثقفين الكرد ضدها..

في هذه الذكرى الأليمة، ادعو حكومة اقليم كردستان العراق ومجمل الحركة السياسية الكردية في سوريا إلى المشاركة بالوقوف دقيقة صمت يوم 24 نيسان 2015، تنديداً بالمجزرة وتضامناً مع أخوتنا الأرمن والأشوريين والكلدان والسريان واليزيديين.

نعم، أشارك الشعب الأرمني الشقيق في مأساته التاريخية بكل جوارحي وأستنكر بشكل قاطع تلك المجزرة الجينوسايدية ولا يمكن نسيانها، والتي تعد الحدث الأبرز في قرن العشرين مقارنة بالحربين الأولى والثانية….

وهنا لا يسعني، إلا أن أنحني إجلالاً وإكباراً لأرواح شهداء 24 نيسان 1915 وما بعدها.

*شاعر وكاتب كردي من سوريا

القامشلي، 01.04.2015

Leave a Reply

Your email address will not be published.