100 عام على مذابح الأرمن.. بقعة الدماء مازالت تلطخ “الثوب التركي”

“فرنسيس الأول”، إنه الإسم الذي سيذكره الأرمن إلى الأبد كأول بابا للفاتيكان يطلق لفظ “إبادة” على المذابح التي وقعت لأسلافهم على يد الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، والتي خلفت ما بين مليون إلى مليون ونصف قتيل، طبقاً لرواية الأرمن، وحوالي 300 ألف، حسبما يرى الباحثون الأتراك، الذين لم تصمت دولتهم على ما اعتبرته “تحيزاً غير لائق” من الجالس على كرسي القديس بطرس، قبل أن تسارع إلى استدعاء سفيره وإبلاغه احتجاجها، في ذات الوقت الذي كان فيه السفير التركي بالفاتيكان يحزم حقائبه عائداً إلى مطار أنقرة.

حدث ذلك قبل أيام قليلة من حلول الذكرى المئوية لـ”بقعة الدماء الكبيرة” التي لطخت ثوب الدولة العثمانية، وورثتها “تركيا أتاتورك”، والتي مازالت تأبى إزالتها حتى الآن بـ”الاعتراف والاعتذار”، حسبما يرى الأرمن.

على خلاف الشائع يعتقد البعض أن “مذابح الأرمن” لم تبدأ في 24 أبريل 1915، عندما اعتقلت السلطات العثمانية 250 من أعيانهم في إستانبول، ثم أقدمت على قتل وطرد الألوف منهم، بل قبل ذلك بعقدين من الزمان، عندما أبادت القوات العثمانية، والقبائل الكردية المتحالفة معها، ما بين 30 إلى 80 ألفاً من مسيحيي شرق الأناضول، الأرمن والأشوريين والسريان، في الوقائع التي امتدت بين عامي “1894 – 1896″، والتي عُرفت بإسم “المجازر الحميدية”، نسبةً إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي جرت في عهده.

أكثر من 13 حرباً خاضها العدوان اللدودان، روسيا، والدولة العثمانية، خلال ثلاثة قرون ونصف من الزمان، تبادلا فيها الانتصار، ولكن هذه كانت الحرب الأخيرة..

إنها الحرب العالمية الأولى، اليوم هو 31 أكتوبر 1914، الأسطول العثماني يقصف مينائي أوديسا وسباستبول الروسيين على البحر الأسود، معلناً التحالف مع ألمانيا وإمبراطورية “النمسا – المجر”، في مواجهة بريطانيا وفرنسا وروسيا، الإمبراطورية الروسية ترد بشن “حملة القوقاز”، ومئات الآلاف من الجنود الروس يندفعون جنوباً نحو الأراضي العثمانية، لينضم لهم “الثوار الأرمن” الحالمين بالاستقلال عن “الباب العالي”، وتأسيس وطنهم القومي.
في مايو من عام 1916 اقتحمت القوات الروسية والميليشيات الأرمينية بقيادة الجنرال “جيورونزبوف”، بلدتي “راوندوز” و”خانقين”، شمال شرق العراق، حيث قتلت نحو 5 آلاف من الأهالي الأكراد، الذين حاولوا مساعدة العثمانيين في التصدي للهجوم، فيما فر الآلاف منهم إلى دهوك والموصل، هرباً من القوات الغازية.

تُعد “مذبحة راوندوز” من الدعائم الرئيسية للرواية التركية، حيث يرى الأتراك أن الأرمن المسيحيين كانت تحركهم رغباتهم القومية، والدينية، في الاستقلال عن العثمانيين، وإنشاء وطنهم القومي، وهو ما دفعهم للانخراط في المؤامرات الأوروبية ضد الدولة، فطالما اتهمتهم السلطات العثمانية والمنافحين عنها بالخيانة، والعمالة لبريطانيا تارة، ولروسيا تارة أخرى، وكان من بين الذين تبنوا هذا الطرح، الزعيم التاريخي المصري “مصطفى كامل”، حيث قال في كتابه، “المسألة الشرقية” :”ولكن إنكلترا اشتهرت بأنها لا تقف أمام عائق لبلوغ غايتها، وإدراك بغيتها، فقد سلّحت الأرمن البروتستانت، وألقت عليهم التعليمات بإحداث هيجان عام في كافة أنحاء المملكة العثمانية، والاعتداء على المسلمين في كل بلد، ووعدتهم بالمساعدة والتداخل، وإيجاد مملكة أرمنية مستقلة”.

كان هذا قبل أن تنخرط الميليشيات الأرمينية بشكل علني في حملة القوقاز الروسية، وتفتح الباب الشرقي للدولة، ليندفع منه طوفان من جنود القيصر، وهو ما أثار عاصفة الانتقام العثمانية، التي لم تقتصر على المقاتلين، بل أطاحت بالبشر والحجر.

أبادت القوات العثمانية مدعومةً بالميليشيات الكردية عشرات القرى الأرمينية، في صورة بدت مُكررة من “المجازر الحميدية”، ولكن على نطاق أوسع، فقد أقدم “الباب العالي” على تهجير الأرمن من الأناضول جماعياً نحو “ولاية حلب”، لتنطلق قوافلهم بالصحراء، ويهلك نحو 75% منهم، برصاص الجيش العثماني، أو بسيوف الجوع والعطش، كما رُويت الكثير من أحداث الخطف والاغتصاب للنساء الأرمينيات، ليكون ذلك إيذاناً ببدء “عصر الشتات الأرميني”.

“نتمنى أن يرقد الأرمن الذين قتلوا وسط ظروف مطلع القرن العشرين في سلام ونعرب عن تعازينا إلى أحفادهم”، هكذا قال رئيس الوزراء التركي -آنذاك- رجب طيب أردوغان، عشية الذكرى السابقة لـ”مذابح الأرمن”، وهو التصريح الذي أثار جدلاً واسعاً، واُعتبر الأول من نوعه لمسؤول تركي منذ الحرب العالمية الأولى، حيث حاول الرئيس الحالي -الذي بذل مساع للتقارب مع الأرمن والأكراد منذ توليه السلطة- أن يذيب “الجليد الدموي” بين الشعبين.

ولكن يبدو أن جهوده قد باءت بالفشل، فالأرمن لازالوا يطالبون تركيا بالاعتراف بـ”الإبادة الجماعية”، والاعتذار عنها، فيما يصر ورثة العثمانيين على أن القتلى سقطوا في المعارك والمجاعات، مثل غيرهم من سكان العالم، الذين تضرروا من الحرب العالمية الأولى.. لقد صار جلياً أن محاولات أردوغان لم تفلح -حتى الآن- في شفاء غليل الأرمن، أو في تنظيف بقعة الدماء الدينية والإثنية الأكبر، والأكثر بشاعة، في تاريخ الشرق الأوسط.

 محمد شرف الدين

التحرير المصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published.