الذكرى الأليمة وتداعياتها ..

يكاد المرء لا يصدق أن بين البشر صنف لا يروي عطشه سوى الدم . هذا الصنف من البشر ، عرفه سكان سورية أيام الاستعمار العثماني الغاشم الذي امتد أربعة قرون [ 1516 – 1918 ] مارست قواته خلالها أبشع أنواع الجرائم التي خبرتها البشرية ليس على غرار جرائم سبق أن ارتكبت أيام تيمورلنك وهولاكو وجنكيزخان فحسب بل أشد.

وللأرمن تحديدا في هذه الأيام كما في كل الأيام ، ذكريات أليمة في سياق الحديث عن مواقف العثمانيين منهم ، وما أصابهم بنتيجة ذلك من ظلم على خلفية نزوح الآلاف منهم إلى خارج الأرض التي ولدوا وعاشوا عليها منذ ألفي عام قبل النكبة التي أصابتهم في الصميم في العام 1915 على وجه التحديد كما في  العام 1937 . في العام المذكور قامت اللجنة الدولية بعملية استقصاء للوقوف على رغبات أهل لواء الاسكندرونة ، وفي سياق التآمر على أبناء اللواء ساهمت فرنسا في عملية استفتاء بجلب 2500 تركي إلى اللواء ومهدت لهم فرصة لاحتلال القسم الشمالي منه . وكانت نتيجة هذا التواطؤ ، كما هو معروف، إقامة ما عرف يومئذ باسم  “دولة هاتاي ” التي ضمت فيما بعد إلى تركيا.

ومعروف لدى متتبعي قضية اللواء وهجرة أربعين ألف سوري لوائي أرمني إلى حلب ودمشق وبيروت ودول الاغتراب بعد العام 1937، معروف أن كفاح الأرمن كان قد ظهر في أرجاء اللواء بأوسع صوره إلى جانب عرب اللواء، قبل عملية إبادة ما يقارب المليون ونصف المليون أرمني في حين لم تحرك دولة في ذلك الزمن ساكنا لتسجيل موقف ضد الجرائم التي كانت ترتكب على مرأى ومسمع الدول الكبرى في تلك الحقبة، بل كان البعض منها يدعم الحكومة العثمانية بغض النظر عن اتفاقية جنيف بشأن استقلال اللواء الذاتي ضمن سورية.

ولأن الأرمن كانوا فئة مخلصة من صلب نسيج سكان اللواء الأصيلين ، أتى الزعيم الوطني المعروف عبد الرحمن الشهبندر على وصفهم بقوله ” أظهر أربعون ألف أرمني في لواء إسكندرونة ، أنهم مواطنون مخلصون جدا ، وكانت علاقة الأرمن مع العرب عبر التاريخ جيدة دائما ، ووقوفهم الصامد والمبدئي في أيام محنة اللواء قد وطد العلاقة العربية أكثر فأكثر”. كذلك يشهد بذلك مؤلف كتاب “كفاح الأرمن من أجل عروبة لواء إسكندرونة ” الكسندر كشيشيان.

إن قضية إبادة الأرمن ، غدت اليوم في مناسبة مرور مائة عام على المجازر التي ارتكبت بحقهم غدت قضية ملحة تستدعي قراءتها بجدية، هذا فضلا عن عودة الحكومة التركية الحالية إلى ممارسة سياسة أسلافها عبر الاعتداء على الأرمن والسعي لتهجيرهم من مواطن سكناهم على غرار ما حدث مؤخرا في مدينة كسب السورية. إن هذه العودة لا بدّ أن تنبه العرب والأرمن على حد سواء، إلى المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تمادي حكومة أردوغان الحالية في إتباع سياسة العداء نحوهم. وحتى لا يكون مستقبلا شهود عيان على ما قامت به الإمبراطورية العثمانية قبل مائة عام على نحو ما ورد في كتاب “شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية” لسعادة سفير أرمينيا في دمشق البروفسور الدكتور أرشاك بولاديان، وما سبق ذكره في كتاب “مئوية الإبادة الأرمينية” للأستاذ سمير عربش، وما احتواه قبل ذلك كتاب “غوائل الأرمن” من إعداد الدكتورة نورا إريسيان. إن في صفحات كل من هذه الكتب معلومات موثقة وصور تقشعر الأبدان لمرآها، ولهذا الاعتبار من البديهي أن نأمل بأن تأخذ هذه الإبادة أبعادها لدى الرأي العالم العالمي، وخصوصا في المجالس الدولية المعنيّة.

د. اسكندر لوقــا

شمس برس

Leave a Reply

Your email address will not be published.