مذبحة الأرمن… مئة عام على الإبادة المنسية…المصادر تتحاور كي لا تتحول إلى سرد تاريخي

مئة عام مضت على ارتكاب أبشع جريمة في تاريخ القرن العشرين قامت بها السلطنة العثمانية بحق الأرمن وراح ضحيتها حوالى مليون ونصف المليون شخص تمت إبادتهم جماعياً وبطريقة مدروسة،

ففي زمن سطوتها كانت الإمبراطورية العثمانية الأكثر تعدداً في الجنسيات بين الدول لكن التنوع الذي صنع قوتها انقلب ضدها فيما بعد وكان الباشاوات الثلاثة في جمعية الاتحاد والترقي الذين يسيطرون على اسطنبول لهم إيديولوجية مختلفة فهم عصريون مقربون من الغرب تقودهم قوميتهم المستوحاة من أوروبا إلى خلاصة مفادها: إنه من أجل أن تستمر الإمبراطورية يجب «تتريكها» أي يجب التخلص من الأقليات التي تزعزع استقرارها كما أن الدخول في الحرب إلى جانب ألمانيا ضد روسيا في خريف 1714 سيساعدهم على الشروع في برنامج اجتثاث تلك الأقليات من أرمن وسريان وكلدان وآشوريين ويونايين وهناك صراع في القوقاز والشعب الأرمني يقيم على جانبي الجبهات وأغلبه سيقاتل إلى جانب الروس فهذه حجة للحكومة العثمانية كي تؤجج الشبهات حول الأرمن لتقوم بتوقيف مئات الشخصيات من وجهاء الأرمن في اسطنبول في ربيع عام 1915 تم إعدامهم في ساحة المدينة.

وكانت تلك الإشارة الأولى كما أن الرجال الذين تم تحريكهم بحجة إبعادهم عن مناطق المعارك  ونزع سلاحهم تم قتلهم أيضاً، أما النساء والأطفال والشيوخ فقد تم رميهم على الطرقات دون طعام أو شراب ليسيروا قوافل نحو حتفهم في مسير بطيء باتجاه الأرض السورية في طرق وعرة صحراوية بالقرب من مدينة دير الزور حيث لا يزال المكان معروفاً بمكان الآلام ثم صحارى بادية الشام فمات معظم هؤلاء خلال المسير كما كان يتم الاعتداء على النساء واغتصابهن وبذلك تم إفراغ مناطق بأكملها من الشعوب المقيمة فيها منذ قرون.

كان ذلك الفصل الأول من المأساة، أما الفصل الثاني فيبدأ في تشرين الأول عام 1918 بعد انهزام الإمبراطورية العثمانية واحتلال عاصمتها حيث أعيد جميع الذين شاركوا في المذبحة إلى مناصبهم وشكلوا كوادر نظام جديد ليرتكبوا مذابح أخرى بحق السريان والآشوريين غير أن تلك المذابح لم تلق اهتمام المؤرخين ولا اهتمام الدول إلا متأخرة حيث اعترفت بعض المنظمات الدولية بهذه المجزرة منها الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي ومنظمة حقوق الإنسان ومجلس الكنائس العالمي وبعض الدول مع أن معظم المؤرخين والمختصين أطلقوا عليها «إبادة جماعية».

اليوم ومع مرور الذكرى المئوية لهذه الإبادة صدرت بعض الأعمال الوثائقية عنها بالفرنسية لباحثين إيف تيرنون وريمون كيفوركيان والخبير الجيوسياسي جيرار شاليان في كتاب ضخم بعنوان «مذكرات إبادة الأرمن» يجمع مصادر تاريخية تتضمن  وثائق دبلوماسية وشهادات وريبورتاجات وكان هؤلاء قد أصدروا في العام 1980 كتاباً بعنوان «مذبحة الأرمن» يعتبر من أوائل الكتب التي صدرت بالفرنسية حول هذه الجريمة ويعتبر كيفوركيان مدير الأبحاث السابق في المعهد الجيوسياسي الفرنسي من أفضل المختصين في العالم بالقضية الأرمنية وكان الباحثان قد بدأا العمل منذ عامين في جمع وانتقاء مصادرهما من جهات مختلفة غربية وتركية وأميركية لإنتاج مؤلف ضخم (800 صفحة) لم يسبق أن نشر مثله من قبل وتم نشره في دار سوي الفرنسية فهو كتاب مذكرات وتقاطع شهادات وروايات مجهولين توافق تصريحات القادة الأتراك المسؤولين عن المجزرة.

ويتحدث إيف تيرنون لمجلة لوبوان الفرنسية عن فرادة هذا الكتاب قائلاً: لقد جعلنا المصادر تتحاور كي لا تتحول المجموعة إلى سرد تاريخي كلاسيكي وتم تقديمها بصيغة ريبورتاج طويل مباشر حول المجزرة للحصول على ترابط سلس بين شهادات الضحايا والمصادر الرسمية كما أخذنا جميع الشهادات التي تم جمعها بعيد وقوع المجزرة قبل عام 1923 من الذين كانوا في المناطق التي تمت فيها عمليات الإبادة والترحيل كما اعتمدنا الخرائط أيضاً والتوفيق بينها وبين الشهادات للتوضيح أكثر حول مسيرة النفي إضافة إلى أن الخرائط مع الصور وجداول الإحصاء تقدم للقارئ ما يعادل ريبورتاج حرب حقيقياً بحيث يلمس القارئ البعد الإنساني للمأساة ويشاهد صورة حية عما كان يحصل في قوافل الترحيل من خلال الصورة الجامدة أيضاً يعطي صورة عن الوضع السياسي في تلك المرحلة الممتدة ما بين عامي 1914-1923.

ومن بعض ما روي في الكتاب أن رافائيل دوناغاليس مينديز وهو ضابط فنزويلي كان في الجيش التركي الثالث يقول: «كنا في إقليم وان شرق الإمبراطورية العثمانية وعلى شاطئ بحيرة وان بعد ساعة ونصف من عمليات القتل لم يبق من الأرمن هناك سوى سبعة أحياء ولم أنجح بانتزاعهم من جلاديهم إلا بإطلاق بعض العيارات النارية حول هؤلاء المساكين الذين تم ربطهم بذنب حصاني وكأنه عوامة نجاة لهم يتبعهم في ذلك قطيع بشري آخر وقد اصطبغت أجسادهم بالدماء وأجبروا على حمل الغنائم. توجهت بهم نحو مركز المدينة عبر جمهور حاشد أغلبه من النساء التركيات والكرديات لكن ما أذهلني في تلك اللحظات مشهد هؤلاء النسوة اللواتي يحضرن هذا العرض المريع الفظيع وكأنهن تماثيل جامدة اصطفت على طول الطريق وعلى أسطحة المنازل، كان ذلك في 20 نيسان عام 1915».

يتميز كتاب «مذكرات إبادة الأرمن» بأنه شبه واف فهو مجموعة من الوثائق يجد فيها القارئ جميع المفاتيح لفهم الظروف والسياق التاريخي الذي تم فيه ارتكاب المجزرة.

الحدث الآخر بهذه المناسبة هو إخراج فيلم «الجرح» للمخرج فاتح أكين وهو تركي الأصل حيث يدحض أكين النفي الرسمي التركي للمذبحة التي بدأت من وسط الأناضول وبما أنه ليس بالأمر السهل أن يصور أكين الجحيم الذي لحق بمليون ونصف المليون فقد جسده بقصة نازاريت مانوغيان الشاب الحرفي من قرية هادئة يباغتها التاريخ ويختطف أبناءها كما اختطف عشرات الآلاف من غيرها في السلطنة العثمانية حيث يطرق الجنود الأتراك بابه لإبلاغه بالذهاب إلى الحرب فيذهب نازاريت ويلتقي مع أخيه ورجال آخرين في أرض صحراء ولا يتضح له ماذا يجري إلا حين يصدمه مشهد أرتال النساء والأطفال المذعورين المنهكين ضحايا «طريق الهلاك» الذي كان أحد الأسلحة الرئيسية لإبادتهم وينطلق نازاريت بين الجموع يبحث عن زوجته وابنتيه الضائعتين ليبدأ عنصر التشويق في الفيلم.

بعض النقاد وجدوا أن الفيلم دقيق تاريخياً خاصة في وصف المسير البطيء في صحراء دير الزور التي قضى فيها عشرات الآلاف بالمقابل يترك جانباً موضوع سياق الجريمة لكن أكين يرد بالتساؤل عن درجة جهل الجمهور حقيقة أي شيء عن الإبادة الأرمنية ثم السؤال: لماذا حدث فظيع كهذا لم يطرق خلال مئة عام إلا قليلاً.

المؤرخون جميعهم يستشهدون برواية وحيدة كتبها النمساوي فرانس ويرفل «الأيام الأربعون لجبل موسى» عام 1930 يروي فيها الكاتب حلقات حقيقية من المجزرة.

وهناك فيلم يروي قصة عائلة نجت من المذابح للمخرج هنري فيرنوي وفيلم «أرارات» للمخرج أتوم ايفويان.

إن الهاجس العصابي للجيل الأول الذي بقي على قيد الحياة بعد المجزرة جعلهم يكتمون صدمتهم الكبرى وهذا ما يفسر صمتهم الأول وهو الموضوع الذي تصدى له الممثل والمخرج سيرج آفيديكيان في فيلمه «دون عودة ممكنة» عام 1983 وهو وثائقي تلفزيوني حول آخر الناجين ممن تحفظوا على الكلام فجميع الناجين من هذه الإبادة أبدوا رغبتهم في النسيان.. أما تركيا التي كانت ترى نفسها منتصرة عام 1923 ولها أهميتها الاستراتيجية في ذلك الوقت فقد أتيح لها أن تفعل كل شيء في السعي لفرض رؤيتها على العالم وبالتالي نفي المجزرة تماماً حتى بعد قيام جمهورية أتاتورك لم يبدأ الحديث عن المذبحة إلا في الذكرى الخمسين لها عام 1965 ذلك لأن أنقرة الحليف الأكبر للولايات المتحدة الأميركية منذ العام 1945 فلا يجوز إزعاج إحدى دعائم الناتو الأساسية، ومما قيل بعد ذلك إن الولايات المتحدة ليست الاتحاد السوفييتي ففيها يتمتع المخرجون بحرية اختيار مواضيع أفلامهم إلا أنه في واقع الأمر لم تقدم هوليوود حتى اليوم أي مشروع حقيقي حول هذا الموضوع.

يقول المخرج آفيديكيان: لقد حكم على الأرمن بعقاب مزدوج القتل وحمل ذكرى الرعب، ثم سعيهم دون توقف لإثبات أن المذبحة وقعت فعلاً وحكومة أردوغان اليوم كسابقاتها في حالة إنكار أما بالنسبة للشعب التركي فلم يكن الأمر سهلاً فهو يتحرك بخطا واسعة منذ اغتيال الصحفي التركي هرانت دينك عام 2007 الذي أراد لبلده أن توضح تاريخها وتسلط الضوء عليه فكتب مقالة تحدث فيها عن إبادة الشعب الأرمني وتشريده من أرضه فتم اغتياله وكان لموته دور الصدمة الكهربائية التي أيقظت ضمائر الشجعان ففي العام 2008 أصدرت محامية الصحفي كتاباً عنوانه «كتاب جدتي» يفشي سر عائلتها وهو أن جدتها اعترفت لها قبل سنوات قليلة بأنها أرمنية وكان عليها إخفاء ذلك عن العائلة لتبقى على قيد الحياة ومئات الآلاف من الأتراك لهم الحكاية ذاتها، وقد حقق «كتاب جدتي» مبيعات هائلة.

وفي العام 2012 نشر الصحفي حسان سيمال كتاباً بعنوان «1915 الإبادة الأرمنية» والمثير في الأمر أن هذا الصحفي من أحفاد جمال باشا أحد قادة ارتكاب الجريمة وحين قرأ فاتح أكين هذا الكتاب وهو المخرج في هامبورغ وابن أحد المهاجرين الأتراك هناك قرر أن يساهم في إعادة بناء وإصلاح الذاكرة التركية.

إعداد: مها محفوض محمد

الوطن السورية

Leave a Reply

Your email address will not be published.