في ذكرى مجازر الأرمن

تقوم سياسة حزب «العدالة والتنمية»، منذ وصوله إلى الحكم في أنقرة على أساس أن هناك «عالماً تركياً» يمتد من بحر الأدرياتيك إلى سور الصين، على ما يقول زعماء الحزب، والأحزاب القومية قبلهم. تضم هذه المساحة الهائلة دولاً وأقاليم وإثنيات وقوميات مختلفة. لكن حجة الحزب أن بعضها يتحدث التركية. وكان يوماً ما جزءاً من الإمبراطورية العثمانية التي يتمثلها رجب طيب أردوغان وحزبه في كل خطوة يخطوها خارج بلاده. وجمع الرئيس السابق عبد الله غل في أنقرة، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، رؤساء الجمهوريات الإسلامية التي يجمعها الدين واللغة، وكانت في رعاية موسكو، تحت عنوان «رؤساء الجمهوريات التركية»، وبدأ وحزبه التحرك في اتجاه الشرق تعويضاً عن رفض أوروبا قبوله في جنة اتحادها.

ترافق ذلك مع انفتاح أنقرة على العالم العربي، انطلاقاً من سورية، خلال شهر العسل بين البلدين، ومحاولة المصالحة مع اليونان، وعقدت اجتماعات للدول المطلة على البحر الأسود لخلق سوق هائلة الحجم والثروة، تضاهي الاتحاد الأوروبي وتنافسه.

لكن هذا الحلم سرعان ما تبدد لأسباب كثيرة، أهمها أن المساعي السلمية لتحقيقه اصطدمت بعراقيل، منها التاريخي ومنها ما طرأ من تحولات على الدول التي كانت عثمانية وارتباطاتها مع أوروبا وأميركا، فضلاً عن القوميات الناشئة بعيداً من الدين. في التاريخي أصر أردوغان وحزبه على قدسية الرابطة العثمانية، بما فيها من أخطاء وخطايا طاولت شعوباً بأكملها، وأنكر تحولات ما بعد العثمانية كأنه السلطان يأمر وينهي، متجاهلاً المشاعر القومية التي ترسخت وأصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه. وتحالف مع «الإخوان المسلمين» في أي مكان وجدوا، من تونس إلى مصر، متجاهلاً الحكومات والشعوب، ومحاولاً مد نفوذه عبرهم.

سياسات أردوغان الحزبية جعلته يتحول إلى العنف الطائفي، حيث استطاع، فدرب وسلح ودعم سياسياً جماعات إرهابية في سورية. وتحالف مع الأكراد في العراق، بعيداً من بغداد. ودافع عن عنف «الإخوان» في مصر. واستمر في إنكار الجرائم والإبادات التي ارتكبت في ظل السلاطين، ومنها مجزرة الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، حين قتل وشرد أكثر من مليون أرمني، ما زال أحفادهم يطالبون أنقرة بالاعتراف بذلك من دون جدوى.

وفي مناسبة مرور مئة عام على تلك المجازر لجأ الأتراك إلى تبريرها بأنها وقعت خلال حروب أهلية راح ضحيتها أتراك مسلمون أيضاً. لكن واقع الأمر أن السلطان آنذاك كان مسؤولاً مسؤولية مباشرة عما حصل، إذ لم يكتف جيشه بملاحقة الأرمن في قراهم ومدنهم وطردهم منها بحجة أنهم عملاء للروس، بل شجع ميليشيات رسمية على قتل كل «ذمي». واستقدم قبائل كردية مسلحة إلى ديار بكر (وهي منطقة سورية) وشجعها على طرد السكان، خصوصاً السريان والأشوريين الذين قتل منهم أكثر من خمسمئة ألف، وشرد الآخرون إلى البلدان المجاورة، لتصبح هذه المنطقة ذات أكثرية كردية تسعى إلى الانفصال عن أنقرة. ومجزرة السريان لا تقل بشاعة وهولاً عن مجزرة الأرمن. لكن لا يذكرها كثيرون ولا تطالب دول بالاعتراف بها.

حالة الإنكار المستمرة مع كل الحكومات التركية منذ عام 1915 حتى اليوم. والعودة إلى العثمانية، وبناء أردوغان وحزبه سياسة أنقرة الخارجية على هذا الأساس، جعلت «السلطنة الجديدة» تتجه إلى الحروب والعنف. وانتهى حلم الانفتاح على الشرق وعلى العالم العربي.

مصطفى زين

الحياة

Leave a Reply

Your email address will not be published.