دياسبورا وطن بلا بديل

سيّار الجميل

طيف اجتماعي عراقي حيوي

عندما يذكر الأرمن في العراق، لا يمكن لأي إنسان أن ينكر خصوصيتهم التي تميزهم عن بقية أبناء المجتمع، اذ تعتبر بالنسبة للجميع خط احمر لا يمكن لأحد أن يتجاوزه أبدا، وتتمثل باستقلاليتهم في عاداتهم وتقاليدهم وعبادتهم ودراستهم وتربية أبنائهم وأفراحهم وأتراحهم.. انه طيف اجتماعي عراقي لا ينكر دوره البالغ في خدمة المجتمع، والمعروف عن الأرمن العراقيين مهاراتهم وحذاقتهم وذكائهم، فضلا عن أمانتهم وكلمتهم القاطعة، ولا يمكن أن تجد أي واحد منهم يتكّل على الآخرين، فهم منتجون وان شغلهم الشاغل عملهم وإجادتهم فيه، وهم بين خصوصيتهم واستقلاليتهم تجدهم من أكثر العراقيين مسالمة ومعايشة بين أبناء المجتمع.. يندمجون فيه أثناء النهار سواء في الشارع أو الورشة أو العيادة أو السوق أو المؤسسة.. الخ كما وأنهم ارتبطوا بتراب العراق ارتباطا وثيقا، وعشقوا العراق.. صحيح أنهم محافظون على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم.. وهذا من حقوقهم المشروعة كقومية لها وجود في هذا العالم، ولكنهم برعوا في خدماتهم وإبداعاتهم.. بعيدا عن التوجهات السياسية أو النزعات الإيديولوجية.. فكان إن حافظوا على وجودهم في وطنهم العراق..، ويقدّر الباحثون نسبتهم بالمرتبة الخامسة بعد كل من العرب والكرد والتركمان والفرس.. علما بأن المؤرخ بطاطو يقدر نسبة الفرس في العراق بالمرتبة الخامسة بعد الأرمن اعتمادا على إحصاء عام 1947.

إن غالبية الأرمن في العراق يتواجدون في العاصمة بغداد حيث يقدر عدد الأرمن في بغداد ما بين 10 إلى 12 الفا، في حين أن تعداد الأرمن في عموم العراق يقدر ب 20 ألف نسمة,كما توجد تجمعات وكنائس أرمنية في مدن رئيسية أخرى مثل البصرة والموصل وكركوك بالإضافة إلى وجود تجمعات للأرمن في بلدات صغيرة في كوردستان العراق مثل زاخو و افرروك. إن اغلبهم يتحدّرون من الناجين من المجازر التي ارتكبت إبان الحرب العالمية الأولى. ويقول تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إن الوجود الارمني في العراق يعود إلى القرن السابع عشر، عندما غامر تجار من الأرمن في التجوال ضمن قوس يمتد من إيران نزولا باتجاه مرفأ البصرة قبل أن يصعد باتجاه بغداد. ولدى كنيستهم الواقعة في ساحة الطيران ببغداد سجلات تعود إلى عام 1636. وقد كشفت عن وثائق تاريخية مهمة في ستات بيبلوتك ببرلين منذ ثلاثين سنة تشير إلى قوة العلاقة التي كانت تربط العراقيين بالأرمن إبان القرن الثامن عشر، وخصوصا بعد فشل حصار الموصل عام 1743 والذي قادة نادرشاه، اذ تعلمنا تلك الوثائق عن ازدهار الأسواق التجارية الدولية والإقليمية والمحلية في كل من بغداد والموصل والبصرة.. ويتحدث اغلب الأرمن في العراق باللغة الارمنية وبلهجة غربي أرمينيا.

الخصوصية والمثابرة

لم يكونوا أدوات للآخرين للإضرار بالعراق، إذ ليست لهم أية صلات سياسية أو إيديولوجية بأرمينيا ولا بغير أرمينيا، فعواطفهم مع العراق لا مع غيره أبدا.. وبالرغم من وجودهم في العراق منقسم بين أرمن ارثودكس وأرمن كاثوليك.. إلا أن الناس في العراق، لا تهتم لمثل هذه التقسيمات التي لم تكن إلا في أروقة الكنائس، إذ يعتبر الأرمن طيفا جميلا يتعايش سلما وبحيوية بالغة مع المجتمع العراقي، وليس له الا ان يكون منتجا في خدمة المجتمع وليس عالة عليه، ناهيكم عن ان هذا ” الطيف ” لا دخل له لا في السياسة ولا الأحزاب ولا يطمح لأي منصب ولا لأي جاه في الدولة وهنا أتكلم بشكل عام، ويمكن استثناء حالات فردية لانضواء بعض الأرمن في الأحزاب اليسارية، وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي وعلى رأسهم المناضل العمالي الصلب آرا خاجادور الذي كان له تاريخ رجولي في الحركة النقابية العراقية، فضلا عن المناضل سركيس بدروسيان الذي يحدثنا عنه الصديق ليث الحمداني في مقالة له وهو يصف عمق وطنية سركيس الذي كان يردد قائلا: ” انا عراقي أرمني وليس أرمني عراقي!

إن الارمني العراقي يحترم ذاته ويريد البقاء والحفاظ على كرامته.. والمشهور عن الأرمن اعتزازهم بنفسهم وبقوميتهم وتراثهم وشرفهم وأخلاقهم.. فهم لا يريدون أن يسببوا أية مشكلة لأحد، ولا يريدون من هذا الأحد أن يسببّ مشاكل لهم.. إن اندماجهم في المجتمع العراقي يشابه إلى حد كبير اندماج الأرمن في كل من سوريا ولبنان.. بل يتمتع الأرمن العراقيون ببقائهم محافظون على لغتهم الارمنية التي يتحادثون بها في بيوتهم، ولهم أيضا مدارسهم الخاصة التي ترعى أبناءهم وتعمل للمحافظة على تراثهم وفولكلورياتهم التي يعتزون بها اشد الاعتزاز. إن الأرمن العراقيون يختلفون عن الأرمن اللبنانيين كون هؤلاء لهم دور سياسي من خلال حزبهم وحركتهم الفكرية، وقد ساعد على ذلك اختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية بين كل من البلدين العراق ولبنان.

الارمن وارتباطهم بالعراق

لقد امتلك الأرمن العراقيون حضوراً متميزاً في العراق، إذ امتازوا كحرفيين مهرة ومتخصصين أذكياء في حقول مختلفة من الصناعة والتجارة، وقد عرف عنهم أن أعمالهم تتميز بالدقة والنزاهة، كما وأنهم أصحاب كلمة، وان سجاياهم الإنسانية عالية جدا، فان قالوا كلمة أوفوا بعهدهم، وان وثقوا بالآخرين، منحوهم صداقتهم وولائهم.. وقد اشتركوا جنبا إلى جنب مع بقية أطياف العراقيين في الحرب والسلم دفاعا عن العراق، وشاركوا مشاركة فعلية في بناء الاقتصاد العراقي، ورفد الخدمات للعراق. ولعل سائل يسأل سؤالا مهما: لماذا تمتّع هؤلاء الأرمن في العراق بخصوصيتهم وبنفس الوقت نجاحهم ومنجزاتهم مقارنة ببقية الجماعات العراقية الأخرى؟ استطيع القول بأنهم بقوا في وجودهم بالعراق، كتلة اجتماعية واحدة غير منقسمة على نفسها، وأنهم قد عاشوا في المدن الكبيرة، فكانوا جميعا أبناء مدن ولم يكونوا أبناء ريف، فلم يهمشوا أبدا , لم ينظر إليهم نظرة دونية.. إن الأرمن تعلقوا بالعراق وطنا وترابا، ولم تشغلهم السياسة أكثر من انشغالهم بالمجتمع.. صحيح أن لهم استقلاليتهم، لكنهم لم يتدخلوا بالشأن العام، أو يصطدموا مع الدولة.. فبقوا يحافظون على هويتهم. صحيح، أن قلة نادرة منهم انتمت إلى أحزاب سياسية، ولكن لم تصطدم هذه الجماعة بأي نظام سياسي في العراق. لقد تعرّضت واحدة من العوائل الارمنية في بغداد إبان السبعينيات أسوة ببقية العوائل العراقية الأخرى إلى هجمة ما سمي بابي طبر الذي شكّل ظاهرة مخيفة في العاصمة وقت ذاك لقتله عوائل بكاملها ليلا والتمثيل بجثثها.. ومن دون اية أسباب! وقد أثارت تلك الظاهرة المبيتة الرعب في المجتمع العراقي، وخصوصا في بغداد والمدن الكبيرة.

اذكر أن استياء الارمن كان كبيرا من قرار نظام الحكم السابق بغلق مدارسهم الخاصة الأهلية، ودمجها بالمدارس الحكومية، ولم يراع مشاعرهم القومية التي يعتزون بها كثيرا، ويريدون من أبنائهم وبناتهم أن يتعلموها، ومن حقهم الطبيعي أن يتعلموها، وأنهم لا يمكن أن يتعلموها في مدارس حكومية أبدا، بل في مدارس خاصة بهم، ولم تكن مدارسهم تعمل إلا ضمن مناهج وزارة التربية والتعليم، وتخضع في مسؤولياتها لمديريات التربية والتعليم في العراق وأجهزة الرقابة والتفتيش عليها. لقد بقي القرار ساري المفعول طوال سنوات الحكم السابق حتى سقوطه، فكان أن عادت الحياة إلى مدارسهم الخاصة.

الخاتمة والنهايات

ماذا اخلص بعد هذه الجولة في تاريخ الأرمن العراقيين وتكوينهم؟ ماذا انتهت إليه الأحوال هذه الأيام؟ ما الذي يمكن فعله من اجل هذا الطيف العراقي الرائع؟ ولا يمكنني أن اختتم هذه ” الرؤية ” من دون الوقوف على المحنة التي تلم بالأرمن وكالتي يجتازها كل العراقيين اليوم.. ومتى تنفرج الأمور وتهدأ الأحوال وتستقر الاوضاع. فما نوع المحنة التي تعرض لها الأرمن في العراق مؤخرا؟

الاضطهاد الاخير

لقد دفع الأرمن العراقيون أسوة بغيرهم من العراقيين النجباء، أثمان باهظة من حياتهم ودمائهم وتشرّدهم على امتداد تاريخ طويل من وجودهم. ولعل مأساتهم التاريخية تشكّل خصوصيتهم التراجيدية ليس في العراق وحده، بل امتدت مع وجودهم عبر التاريخ.. وكان تشرّهم التاريخي ديسابورا حقيقية عند مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين.. قاد موجات كبرى منهم إلى الفناء حتى وصلت بقاياهم نحو الجنوب، ليستقر من بقي منهم على قيد الحياة في العراق، إذ رحب بهم العراقيون ترحيبا خاصا، وشاركوهم عواطفهم ومآسيهم، فوجد الأرمن في العراق أهالي لهم، وملاذا مطمئنا، ووطنا خصبا بديلا، وبلدا آمنا، ومجتمعا راقيا حماهم من كل غوائل التمزق والضياع.. وخّلصهم من كل تحديات البطش القاتلة، ومن قسوة القبائل الهمجية التي لاحقتهم. لقد استقروا في العراق وتجنسوا فيه، وأحبوه حبّا جمّا، وتخبرنا الروايات المختلفة أنهم قد تجانسوا مع كل تكوينات السكان الاجتماعية، فخدموه خدمات رائعة.. لكنهم اليوم يعانون ومنذ سقوط النظام السياسي السابق معاناة كبيرة لا يسمع الناس بها أبدا، فهم يؤثرون الصمت حفاظا على من تبقى منهم.. لقد خدم كل أولادهم في صفوف الجيش العراقي أسوة ببقية أبناء العراق، وامتزجت دماؤهم مع كل دماء العراقيين.. وكانوا هم أيضا مادة عراقية لخدمة العلم، ووقودا في الحروب سواء في حرب العراق وإيران 1980 – 1988 على مدى ثماني سنوات، أو حرب عاصفة الصحراء 1991، أو مآسي الحصار إبان التسعينيات ومرورا بحرب 2003 وانتهاء بمعاناتهم من حرب الإرهاب والتفجيرات والقتل والتهجير حتى اليوم.

دياسبورا جديدة

لقد تعّرض العراقيون الأرمن إلى الاضطهاد في خضم موجات الإرهاب الدموية التي اجتاحت العراقيين في السنوات الأخيرة على عهد الاحتلال، أي أنهم كانوا مادة دسمة للقتل والتهجير أسوة بغيرهم من سكان العراق.. وقتل العديد من أبنائهم وبناتهم، فكان أن بدأت هجرتهم المأساوية من جديد تاركين مالهم وحلالهم من بيوت وأراض ومزارع ومعامل ومحلات وأسواق.. إلى المجهول، بل غدا بعضها عرضة للتسيّب وبطش الآخرين. لقد فرغت مناطق بأكملها في العراق منهم، كما تعرّضت كنائسهم ومدارسهم للهجوم والتنكيل بالرهبان والقسس وخطف البعض منهم وفقد نهائيا ولم يعثر عليه.. كما ترك العراق حوالي 3000 أرمني عراقي في حين بقي حوالي 15 ألف آخرين داخل العراق حتى عام2007م. حيث يقدر عدد الأرمن العراقيين الذين نزحوا إلى سورية بعد احتلال العراق عام 2003 بحوالي ألفي ارمني، بينما ترك العراق 1000 أرمني توجهوا إلى أرمينيا في حين ترك العراق الى الاردن حوالي 500 شخص. كما قتلت أكثر من سيدة ارمنية في أكتوبر2007 / تشرين الأول عندما أطلق عليهن حراس أمنيون خاصون لشركة أسترالية النار في منطقة المسبح في بغداد.

واعتمادا على تقرير مهم صادر عن واحد من مراجعهم، جاء فيه: لقي ما لا يقل عن 45 أرمنيا مصرعهم منذ سقوط النظام السابق عام 2003 في أعمال عنف طائفية أو إجرامية، وقد تعرض 32 منهم للخطف مقابل فدية مالية لا يزال اثنان مهم في عداد المفقودين. ويؤكد مصدر أعلى، وهو من مراجعهم الارمنية قائلا: أن عمليات الخطف توقفت عام 2008. وكان في أواخر عام 2004، أضرم مهاجمون النار في كنيسة للأرمن تم تشييدها حديثا في مدينة الموصل قبل تدشينها بأيام. وللكنيسة الأرمنية مدرسة ومقبرة تبلغ مساحتها حوالي نصف هكتار.

صامدون ومثابرون

ولم يزل هناك من الأرمن الصامدين الذين لم يبرحوا العراق أبدا، ويصر بعضهم على البقاء والالتصاق بالتراب حتى لو طاله القتل ـ كما تخبرنا مقالة واثق الغضنفري ـ فهم متعلقون بوطنهم. فمثلا كانت هناك 225 عائلة ارمنية تسكن الموصل قبل 2003… اما بعد 2003، فلم يبق إلا حوالي 10 عوائل فقط قبل ثلاثة اعوام. ولقد حصلت على معلومات خاصة من أعلى المصادر الارمنية في العراق تقول بأن إحصائية للأرمن الموجودين حاليا فعليا في الموصل هم 45 عائلة فقط وكل عائلة تتكون من 2 شخص في البيت… أما الباقون، فقد آثروا الهجرة إلى خارج العراق والقسم الآخر أصبح متشتت بين القرى المسيحية في سهل نينوى… هذه الإحصائية من رئيس طائفة الأرمن… وبخصوص الحلة!!! هناك لدى الأرمن أراضي خاصة لهم من قديم الزمان وقبل الهجرة، اذ سكنوا في تلك المناطق انذاك واليوم أصبحت للوقف لان كل اهلها وناسها سافروا إلى خارج العراق وبقيت الأراضي وقف. ويقول الارشمندريت ناريغ اشكانيان (63 عاما) بينما كان احد الكهنة يسجل آخر الولادات والوفيات في صفوف الطائفة، ” نحن هنا لنبقى فهذه أرضنا أيضا، رغم ما نواجهه من مصاعب في بعض الأحيان”. ويبلغ عدد أفراد الطائفة حاليا نحو 12 ألفا بينهم سبعة إلى ثمانية آلاف في بغداد، فيما يبلغ عدد السكان في العراق 29 مليون نسمة.

وأخيرا: منوال التشظي

أود هنا القول، بأن الأرمن كانوا وما زالوا عراقيين، فهم متجنسّون عراقيا، وليس هناك كائنا من كان أن يبخس حقهم المشروع في العراق، أو أن ينفي دورهم التاريخي في خدمة العراق والعراقيين، أو يلغي مواطنتهم العراقية الصرفة.. فضلا عن كونهم لم يتقدموا بأية مطالب.. ولم نشهد وجود أي أرمن جدد يطالبوا بتجنيسهم. إن تشرّدهم اليوم في أماكن عدة في العالم أسوة بغيرهم من العراقيين الآخرين، يشكّل نكسة مريرة للمجتمع العراقي الذي اختلف بين الذي كان عليه في بدايات القرن العشرين عندما استقبلهم ورعاهم، وبين بدايات القرن الواحد والعشرين عندما لم يقف معهم في محنتهم القاسية اليوم! إن مناشدات عدة تأتي من راعي كنيستهم بطريرك الأرمن يطالبهم فيها بالبقاء في العراق وان يحفظوا وجودهم وموروثهم الخصب، وان يستمروا في خدمة العراق، ويواصلوا مسيرة الابآء والأجداد، وخصوصا ذاك الذي قدموه للعراق والعراقيين في القرن العشرين.

www.sayyaraljamil.com

Leave a Reply

Your email address will not be published.