من هو القديس كريكور ناريكاتسي الأرمني، معلم الكنيسة؟

قرّر مجمع دعاوى القدّيسين في الفاتيكان منح لقب “ملفان أي معلّم الكنيسة” docteur de l’Eglise، القدّيس الأرمني كريكور ناريكاتسي.

وذكر الموقع أنّ هذا اللقب يمنح اللاهوتيين المخضرمين، وهو من أعلى درجات التكريم في الكنيسة الكاثوليكية، وبهذا يكون القدّيس كريكور (غريغوريوس) واحداً من ستّ وثلاثين مؤمناً فقط حصلوا على لقب “معلم الكنيسة” منذ ألفي سنة من تاريخ الكنيسة، وثالث شخصيّة تمنحه الكنيسة الكاثوليكيّة هذا اللقب الفريد خلال هذا القرن.

وأعلن قداسة البابا فرنسيس هذا القرار قبيل الاحتفال بالقدّاس الإلهي في بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان يوم 12 نيسان، في الذكرى المئوية الأولى للإبادة الجماعيّة للأرمن. ويتزامن هذا التاريخ مع عيد الفصح الشرقي وأحد الرحمة الالهية.

اسم كريكور “غريغوريوس” باليونانيّة يعني الساهر اليقظ المنتبه. ولقب “ناريكاتسي” نسبة إلى دير “ناريك” حيث نشأ وترهّب ودفن. يعد القديس كريكور من كبار آباء الأرمن اللاهوتيين والأدباء الروحانيين، ومن أشهر كتّاب القرن العاشر الميلادي، وأبرعهم في نظم القصيد في الأدب الأرمني. كان فيلسوفاً صوفياً، إضافة إلى كونه قدّيساً في الكنيسة الأرمنيّة.

ويلقّبه الأرمن بالقدّيس آغوستينوس، ليس لكثرة مؤلّفاته وإنّما للتأثير الذي تركه على المؤمنين. وهو يتمتّع بطابع مسكونيّ، إذ تعترف بسموّ تعاليمه الروحانيَّة وقداسته جميع فئات الكنائس الأرمنية الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية.

سِيرة القدِّيس كريكور ناريكاتسي

ولد كريكور في العام 951م، في قرية ناريك من مقاطعة “واسبوراكان” جنوب بحيرة فان، لوالدَين تقيّين، فكان طفلهما الثالث بعد إسحق ويوحنا. توفّيت والدته عندما كان طفلاً، أمّا والده خسروف فكان غزير العلم. وحينما ترمّل خسروف انتسب إلى سلك الكهنوت، ونظراً إلى ثقافته الواسعة نال درجة الأسقفيَّة.

وكل خُسروف أمر تربية ولدَيه الصغيرَين، يوحنّا وكريكور، إلى الراهب أنانيا (حَنَنيا) عمّ والدتهما، رئيس دير ناريك، ومن هنا ارتبط اسم كريكور بناريك. نال الشقيقان على يد الراهب أنانيا تربية دينية ممتازة وثقافة واسعة، إذ كان أنانيا متعمّقًا في الكتاب المقدّس واللاهوت ومتبحّرًا في الفلسفة والآداب والعلوم واللغات، حتّى إنّه لُقِّب بالفيلسوف.

جمع كريكور ناريكاتسي بين الدروس العالية والفضائل السامية. وبعد رسامته الكهنوتيّة بقي ناسكاً زاهداً في دير ناريك طول حياته، وتفرّغ لإرشاد الرهبان الأحداث، وتأليف الكتب.

عُرف ناريكاتسي بتواضعه مع غزارة علمه. وذاعت شهرته في جميع أنحاء أرمينيا، بسبب مقدرته على الوعظ وبلاغته في الكتابة لدرجة مُلفتة للنظر، في سبيل نشر كلمة الله. كما أنّه من أئمّة الموسيقى الليتورجيّة، ودُعي “كنارة العذراء مريم” إذ ألّف أنغام عدد كبير من الأناشيد التي كتبها مشيدًا بسيّدتنا مريم العذراء. وصفه المؤرِّخ صموئيل أنيتسي بقوله: “لمع كالشمس في الحكمة والعِلم”. توفّي كريكور سنة 1003م في رائحة القداسة عن عمر يناهز الخمسين عامًا وقد أنهكته حياة الزهد والتقشف.

زادت شعبيّة ناريكاتسي بعد وفاته، وكان المؤمنون يؤمّون ضريحه للتبرّك به. وكانت كُتُبه تُنسخ وتُوزّع على نحو منقطع النظير. فأُعلنت قداسته ودخل اسمه السنكسار الكنسيّ الأرمني.

من أهمّ مؤلَّفاته

“تفسير نشيد الأناشيد”، سنة 977م، ويُشير إلى ما يرمز إليه سِفْر الأناشيد من ارتباط بين الله وشعبه في العهد القديم، وبين الكلمة المتجسِّد والكنيسة في العهد الجديد بأسلوب بليغ وأفكار واضحة.

ثمّ كتاب “تاريخ صليب أبارَانْك Aparank، يصف فيه كيفيّة انتقال ذخائر الصليب المقدَّس من القسطنطينيَّة إلى أرمينيا. ثمّ مَديحَان هما تحفة في الجَمال: “مَديح الصليب المقدَّس” و”مَديح السيّدة العذراء”، سنة 984م. ومديح السيّدة العذراء يتالّف من خمسة وعشرين مقطعاً، يتغنّى فيه بأُمومة مريم وكمال النِعمة فيها وانتقالها إلى السماء وشفاعتها القديرة لدى السيّد المسيح. ويُعَدّ من أجمل ما كَتَبه الآباء في العذراء مريم دائمة البتوليّة.

له مَديح في “الرسل والتلاميذ السبعين” الذين يعدّهم أعلى مرتبة من سائر القدِّيسين. ومَديح في “القدِّيس يعقوب النصيبيـنيّ” الذي يحظى بإكرام خاصّ لدى الأرمن. أضف إلى ذلك نحو عشرين نشيداً روحانياً، وثلاث عظات في صورة طلبة، عنونها “كنـز”: في “حلول روح القدس”، وفي “الكنيسة المقدَّسة”، وفي “الصليب المقدّس”.

أمّا أفضل ما كتبه القدّيس كريكور، واقترن باسمه واشتهر به هو مؤلّفه الأخير: “كتاب المراثي” الذي رفعه إلى مرتبة القدّيسين الأدباء رفيعي المستوى، وتجلّت فيه عبقريّة الشاعر والفيلسوف، وأنجزه عام 1002م قبل عام من وفاته. هذا الكتاب تحفة من آداب القرون الوسطى وتجدر الوقفة عنده.

يشتمل الكتاب على خمس وتسعين صلاة تجمع ما بين رفعة التصوّف وروعة الشعر. جاء الكتاب على هيئة مناجاة “حوار مع الله من أعماق القلب”. وقد أُطلق على هذه الصلوات تعبير “المراثي” لتميّزه بأسلوب الرثاء والفنّ الأدبيّ المأساويّ، وفيها يرثي الكاتب وضعه الخاطئ ويذرف دموع الندامة، ويصف صراعه الداخليّ بين الخير والشرّ، وبين الجسد والروح، وبين النُور والظلمة. وقد دخلت بعض هذه الصلوات في الطقوس الليتورجيّة الرسميّة، وتستخدمها الكنيسة الأرمنية حتى يومنا هذا، لما فيها من سموّ روحانيّ وعُمق إيمانيّ.

ولمّا كانت الصلوات مؤلّفة بلسان أرمنيَّ كلاسيكيَّ قديم (كرابار)، نُقلت (أي تُرجمت) إلى اللغة الأرمنيّة الحديثة وإلى لغات أُخرى. ولكن للأسف لا ترقى “الترجمات” إلى بلاغة الأصل. ذكر القدّيس في صلاته الثالثة أنّ كتابه موجَّه إلى “جميع أجيال الجنس البشريّ على الأرض… وإلى سائر جماعات المسيحيّين العديدين في العالَم كلّه”! وقد تحقّقت رغبته هذه بالترجمات التي بدأت سنة 1961م.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب اقترن باسم القدّيس واشتهر به، فالأرمن لا يذكرون عنوان الكتاب، بل يقولون: “ناريك”. وبعد أن كانت هذه الكلمة تُشير إلى الدير الذي أقام فيه القدِّيس كريكور، أصبحت مرادفًا لكتابه، وعلى مرّ الأجيال، وغدا اسماً للذّكور، ويُطلق على الكهنة يوم رسامتهم تيمّنًا بالقدّيس وكتابه.

يُعدّ كتاب “ناريك”، عند المؤمنين الأرمن، قريباً نوعاً ما للكتاب المقدَّس فيُجلّونه ويحفظونه بتقوى، ويجدون في صلواته غذاءً روحيًّا وملاذاً يستغفرون به، يشفي المرضى ويحمي من المكروه والشرور ويقود إلى الكمال، حتّى إنّ بعض المؤمنين يحفظون كتابات قدّيسنا هذا عن ظهر القلب. ويُنصح بوضع الكتاب قرب السرير وفوق رأس المريض أو المنازع… فلا تجد بيتًا إلاّ وفيه نسخة من كتاب “ناريك”!.

من الجدير بالذكر أنّ “كتاب المراثي” كان بنعمة الله سبباً لتوبة كثيرين من الخطأة، ونبراساً للمؤمنين في سلوك طريق الندامة فدعاه بعضهم بحقّ “دواء الحياة”.

خاتمة

كان تأثير ناريكاتسي كبيراً على تطوّر الأدب الأرمني والقصائد الروحانيّة، وازدهار الشعر الغنائي في القرون الوسطى. وتبقى أعماله خالدة في كنوز الإبداعات الانسانيّة. وقالت إذاعة الفاتيكان أنّه “من أعظم شخصيّات القرون الوسطى في الفكر الديني الأرمني والأدب”. ولعلّ كلمات السيّد المسيح تتمّ أيضًا في قدّيسنا: “يشبه ملكوت السماوات ربّ بيت يخرج من كنزه جُددًا وعُتقاً”.

القدس – أشخين ديمرجيان 

Leave a Reply

Your email address will not be published.