الإبــــادة ومســـيرة المـــوت… مـــن الأرمـــن إلـــى العـــرب

العالم في صيغته الراهنة مدى مفتوح ولا تتوارى الأفعال العدوانية عن ظهور في أي مكان تجد فيه المساحة المناسبة لممارسات القتل والذبح والتدمير.

كان الاستعمار يأتي مستتراً تحت شعارات ظاهرها الخير وباطنها الشر والموت، وانتهت لعبة التناقض هذه لأن قابلية العدوان وجدت نفسها أمام مقاومة الشعوب والأمم الحية وبدا العالم كأنه يتوزع بين بيئات منكوبة وأخرى مسلوبة الإرادة وأن بقع الظلام والظلم مازالت تتمارى في انتشارها.‏

ويبدو أن القوى الاستعمارية قديمها وحديثها قد استمرأت لعبة النهب والسيطرة وفاضت الأدوار المرعبة عن كونها استراتيجيات ومصالح لأن الكثير من مفاهيم المستعمرين استقرت على لحظة مشوهة خيانية أساسها النظرة للجغرافيا البشرية على أنها من ممتلكات الأقوياء والمعتدين بل هي حدائق خلفية لمجمل القوى الاستعمارية التي ترى في الأوطان مجرد بيئات لاحقة وخادمة للأمن القومي للدول الاستعمارية، ورأت في الشعوب والأمم مجرد كميات من البشر لابد من السيطرة عليها وإدماجها في منحى خدمة الآخرين وسحقها إذا ماملكت إرادتها أو تمردت على الجلاد.‏

وبهذا المعنى استباح المستعمرون في العصر الحديث شرف الأوطان وقيمة الإنسان وكان صراع الأقوياء هو فيما بينهم وأنتجوا بفعل هذا الصراع حروباً عالمية مدمرة ولاسيما الحرب الكونية الأولى والثانية وعانى العرب من هذا التوجه الخطير فكانوا باستمرار موقعاً يديره الغرباء عبر المؤامرات والأتباع وينفذه حاكم عربي هنا وهناك يروج للسيطرة ويرتبط عضوياً ومصيرياً بالأجنبي المعتدي حتى لكأن الواقع صار يشهد نظاماً سياسياً عربياً يقوم على فكرة الارتباط بالأجنبي وعلى عمق الاعتماد الكامل على الحماية من الخارج، وهذا ماجعل المعادلة المرة تفرض حضورها فهناك باستمرار غزو واستعمار من الخارج ومشاريع في ركاب هذا المستعمر، وهناك حكام ولدوا في هذا المناخ الأسود.‏

ومع مرور الأيام كان لابد من دور لهذه الأنظمة السياسية العربية وهي أنظمة على المجاز بالمعنى السياسي وبالمعنى الدولي وبالمعيار الموقفي، فالحكام هنا هم مجرد أدوات ترويج واستدعاء للغزو الخارجي برتب ومرتبات متنوعة وسرعان عبر هذا المعنى ماتحول المتخلف والحاقد إلى أمير أو ملك أو رئيس.‏

وكان لابد في سياق المهام الجديدة أن يكون لهذه الأنظمة العربية دور مشبوه في السياسة ودور قاتل في سفك الدم، وهكذا صار النظام التابع نظاماً منفذاً وقد بتر كل الوشائج والأواصر التي اعتقدت أمتنا أنها متينة للغاية مابين العرب وعروبتهم والعرب ومصيرهم وواقعهم الذي يفترض أن يكون حياً ومنبعثاً.عند كل ظرف صعب لايوجد زمن عربي راهن منذ القرن التاسع عشر، بل هناك وقت مستقطع ومستهلك زرعت فيه أنظمة وممالك وإمارات لها مهمة قطع العرب عن ذاتهم بحيث لايكون لهذه الأمة وزن أو كيان أو مساهمة في مسيرة العالم ومهمة أخرى هي أن يعتاد العرب أنظمة وشعوباً على أنهم موجودون لخدمة الآخرين وبرعايتهم وأن مصادر امنهم وأمانهم هي خارج حدود الوطن العربي وبأن العرب أصلاً لايصلحون إلا للاقتتال والاحتراب وإلا لابادة بعضهم في البعض الآخر.‏

ومن هنا اندفعت الفكرة المحمومة التي تؤكد أهمية حضور العدوان والمعتدين علينا لكي يضبطوا إيقاع فكرنا وتفكيرنا على قاعدة أن الآخر الغريب هو الذي ينقذنا من أنفسنا ويضمن لنا المناصب والكراسي والألقاب السياسية والاجتماعية لقد كان من العناصر الأهم في مسيرة القرنين التاسع عشر والعشرين عند العرب هو أن يكتفوا بهذا الدور القائم على الترويج للمستعمر المعتدي والانتماء له عند الحاكم والارتباط به عند الشعوب وفي هذا المناخ الأسود اختطفت مكونات الحقيقة العربية فصارت العروبة زياً وادعاءً ووجاهات وامتدت أيدي المجرمين إلى الإسلام السامي الحنيف لكي يخرج عن دوره ومعالمه ويصبح سيفاً صدئاً مثلوماً، القتل والذبح والتدمير أخطر وظائفه وأكثرها قرباً من المستعمر في الخارج ومن العميل المنحط في الداخل وكأنما البناء هو متشعب في استطالتين عند العرب في الاستطالة الأولى يجب تدمير الذاكرة العربية وفي عمقها الحضارة والرسالة والإسلام والمسيحية, أي أن نتحول إلى أمة مغيبة بفعل فاعل وغائبة بفعل القوى الرجعية المستبدة بها وكان من مستلزمات ذلك أن لانعيش اللحظة الإنسانية التي تهم البشرية كلها وبالمحصلة صار يتوجب علينا أن نسبح بحمد الهمجية العثمانية وأن نبارك مسيرة الإبادة للشعب الأرمني الطيب والصديق والتي تجاوزت حدود العقل والنقل.‏

فهناك مليون ونصف مليون من أبناء هذا الشعب أبيدوا، وتفاصيل الإبادة يعجز الوصف عن الإحاطة بها، والموت من الطورانية العثمانية مازال في الساحات وفي المشاريع الأردوغانية ينتظر الفرصة للانقضاض علينا، وفي الاستطالة الثانية صار على العرب واجب التنكر لوجودهم التاريخي ولمسيرة عمرهم عبر آلاف السنين وعندها تنتفي معيارية التمييز مابين الموت والحياة ومابين الفناء والبقاء وهذا مايعطي المدى لأنظمة مثل آل سعود وآل ثاني في قطر وآل العدالة والتنمية في تركيا لكي يأخذوا المهام من العدو المستعمر مباشرة وتكون الوظيفة الأولى لهم هي تدمير العقل العربي وسفك دم الإنسان العربي مادام هذا الإنسان مازال يحتفظ بقواه وبمصادر تكوينه وبحقه المشروع في رد موجات الظلم والظلام والتشبث بسيادة الأوطان وكرامتها.‏

ليس عجيباً أن نرى عند الحكام العرب من يبارك ذبح اليمن الشقيق الآن وليس غريباً أن نرى الحاكم العربي وهو يمجد الإبادة العثمانية للشعب الأرمني هذه حقيقة وليست مجرد مفارقة عابرة.‏

د. أحمد الحاج علي

الثورة

Leave a Reply

Your email address will not be published.