الأرمن وأنا والمذبحة

أعترف، وأنا أكتب هذا المقال، بأنني منحاز ومغلوب عاطفياً على أمري، فأنا أحب الأرمن، وهي محبة بدأت مع منتصف ستينات القرن الماضي، من خلال زمالتي في بنك الخليج مع سركيس جيدجيان، وصداقتي مع المعلم أكوب مصلح مكيفات السيارات، اللذين كانا يشاركانني، بكل كرم ومحبة، ما كانا يحصلان عليه من «راشن كري ميكنزي»، دون مقابل. ومع الوقت، ترسخت تلك العلاقة، من خلال شخصيات أرمنية جميلة أخرى، على مدى نصف القرن الماضي، ولم يأتني من اي منهم إلا كل جميل، فنياً وحرفياً، فهم، بشكل عام، مبدعون وفنانون ومهرة ومخلصون في عملهم، وربما كان ذلك ضمن الاسباب التي ألبت الكثيرين عليهم، وبخاصة من جماعتنا.

تمر هذه الأيام الذكرى المئوية على المذابح التي تعرض لها أرمن الإمبراطورية العثمانية المريضة. وبالرغم من أن المذابح بدأت مع نهاية القرن 19، على يد السلطان عبدالحميد الثاني، فإنها بلغت ذروتها مع بداية القرن العشرين. وتراوحت تقديرات من وقعوا صرعى تلك المذابح بين المليون والمليون ونصف المليون، وغالبيتهم العظمى من الأبرياء العزل. كما صاحب وتبع عمليات القتل الجماعية تلك، سلب كل الممتلكات الشخصية والعقارية للضحايا، الذين رحلت أسرهم في قوافل بشرية رهيبة في الجبال والصحارى، ليتعرضوا في الطريق لأقسى أنواع المعاملة من اغتصاب وسلب وسبي، وكان الموت الرهيب مصير غالبيتهم، والمحظوظون من تمكنوا من الوصول إلى بوادي الشام. وبالرغم من تعرّض مجموعات مسيحية أخرى، كالسريان والكلدان والأشوريين واليونانيين من سكان الإمبراطورية المريضة لنفس المصير الأسود، فإن مأساة الأرمن كانت الأشد والأكثر دموية ووحشية، والسبب أن تطلعاتهم القومية كانت أقوى من غيرهم، وبخاصة بعد نجاح غيرهم في الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية وتكوين دولتهم المستقلة. كما كان لوقوفهم مع الغزاة الروس للأراضي العثمانية ثمنه، ولكنه كان ثمناً غالياً ورهيباً، وغير مبرر، لا إنسانياً ولا عقلياً. وقد تأخر العالم كثيراً في توصيف ما تعرّض له عام 1915 من إبادة جماعية، خوفاً من غضب الأتراك، الذين يشعرون حتى اليوم بحساسية شديدة من ذكر تلك المذابح التي تعتبر الأكبر بعد الهولوكوست. وقد دان بابا الفاتيكان تلك المذابح أخيراً ووصفها بالإبادة الجماعية. كما اعترفت دول كثيرة بتلك الإبادة. وقد أبرزت الصحف الأميركية في حينها أخبار تلك المذابح على صدر صفحاتها، وتعتبر مرجعاً للكثير من أحداثها. وقد حاولت بريطانيا، التي احتلت قواتها تركيا عام 1919، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تقديم كبار المسؤولين عن تلك المذابح للعدالة، إلا أنها لم تقبض على غير متهم واحد فقط، وتمكن البقية من الفرار.

أحمد الصراف

كلام الناس

Leave a Reply

Your email address will not be published.