فصول المحاكمة التركية للجريمة في حق الأرمن

طُرحت المسؤوليات عن الجرائم التي ارتكبت في الحرب العالمية، غداة توقيع الهدنة بين السلطنة العثمانية وبين الحلف الدولي. وكشف هرب أبرز المسؤولين عن الإبادة (الصدر الأعظم طلعت باشا، إلى أنور باشا وجمال باشا و4 آخرين من قادة «الأتراك الفتيان») الى ألمانيا، على متن سفينة حربية ألمانية في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1918، عن إدراك قادة لجنة الاتحاد والترقي فداحة الجرائم التي ارتكبوها. والسلطة المطلقة على السلطنة، منذ كانون الثاني (يناير) 1913 إلى هرب أعضاء اللجنة، اجتمعت في أيدي هؤلاء الأعضاء، فأتاح هربهم، وخلو رأس السلطة من شاغليها السابقين، استبعادهم وتكليف حكومة من الأعيان المقربين من الدوائر السلطانية والليبرالية تولي تصريف شؤون السلطنة في 8 تشرين الثاني. وفي 13 الشهر، رست سفن الحلف الدولي الحربية في ميناء اسطنبول (القسطنطينية).

ومذذاك، تصدرت مهمات الحكومات التركية بعد الحرب مهمة مفاوضات السلام مع الدول المنتصرة على أفضل الشروط وأكثرها مراعاة للمصالح التركية. وفي رأس هذه المصالح الحفاظ على أراضي الدولة وممتلكاتها. واحتل ما سمي يومها «الفظائع الأرمنية» مكانة بارزة في المفاوضات. فهي ساهمت بشطر راجح في تسويد صفحة تركيا في نظر دول الحلف والرأي العام فيها خصوصاً. فعمدت الحكومات التركية الجديدة الى استعمال قضية «الفظائع الأرمنية» و»الجرائم الاتحادية» في تجريم العهد السابق، وتبرئة تركيا الجديدة. فنظمت، في هذا السبيل، منذ كانون الثاني 1919، محاكمات سياسية كبيرة أوكلت إليها الأمرين (التجريم والتبرئة).

وإلى حين انتصار مصطفى كمال في 1922، لم تنكر السلطات الرسمية باسطنبول، ولا أنكر طرف رسمي أو حكومي واحد، حصول عملية الإبادة أو مسؤولية الدولة عنها. فصرح وزير الداخلية، مصطفى عارف (ديمير)، الى صحيفة «وقت» في 13 كانون الأول (ديسمبر) 1918: «في أثناء الحرب، طبق حكامنا قانون الترحيل تطبيقاً تفوق جرائمه أفعال قطاع الطرق الدموية، وقرروا استئصال الأرمن واستأصلوهم. وهذا القرار اتخذته اللجنة المركزية للاتحاد والترقي ونفذته الحكومة». وكانت بداية المحاكمة الأولى في 5 شباط (فبراير) 1919. والقضية التي نظرت فيها هي الجرائم التي ارتكبت في حق السكان الأرمن في قضاء يوزغات بولاية أنقرة. وتورط قائمقام يوزغات في 1915، كمال بك، في تنظيم واحد من أكبر «مسالخ» الولاية، بوغازليان، حيث قتل آلاف الأرمن عن يد عصابات المنظمة الخاصة في تموز 1915.

وأشهدت المحاكمة الرأي العام التركي على مسؤولية القائمقام، وقوات الأمن المحلية، عن ارتكاب المجازر إنفاذاً لأمر صادر عن وزارة الداخلية ولجنة الاتحاد والترقي. وجاء على لسان الشهود أن أمين سر الحزب وولي ولاية أنقرة حضرا الى يوزغات، وأشرفا على تنظيم الترحيل والمجازر. وقال الشهود أن إشهار الإسلام لقاء الإعفاء من الترحيل القسري لم يعمل به، وإن «التمرد الأرمني» رواية مختلقة من الأساس. وفي 8 نيسان (ابريل) 1919 صدر حكم المحكمة في كمال بك بالموت. فأعدم بساحة بايزيد في 10 نيسان، وحضر الإعدام حشد من كبار المسؤولين وجمهور من 10 آلاف شخص، جاؤوا لتحية «الشهيد البريء». وقبل شد الحبل على رقبته، قال كمال بك: «عاش المسلمون وعاشت تركيا. الموت للأرمن أعداء السلطنة الدائمين».

وتولت المحاكمات التي افتتحت في 28 نيسان 1919 تحطيم لجنة الاتحاد والترقي. وعلى رغم غياب كبار المسؤولين عن عملية الإبادة، وإقامتهم آمنين بعيداً من اسطنبول، اقتادت السلطات الى قفص الاتهام 12 شخصية من أعضاء اللجنة المركزية في أثناء الحرب، وهي الهيئة السياسية العليا في تنظيم تركيا الفتاة. وهؤلاء كانوا متورطين في الجريمة على وجهين: وجه أول هو تحريضهم النظري على الجريمة أو شغلهم مناصب ولاة أو مسؤولين في المنظمة الخاصة الموكل إليها استئصال الأرمن، ووجه ثان هو توليهم وزارات ضلعت إداراتها في أعمال الإبادة. وكلهم كانوا أعضاء اللجنة المركزية في الاتحاد والترقي. وأقرّت اللجنة مجتمعة خطة إعدام الجماعات الأمنية والقضاء عليها على أراضي السلطنة. فالمسؤولية الأولى عن الجرائم تقع على عاتق هذه الهيئة.

ولكن القضاة ميزوا 9 من 12 من القادة البارزين والهاربين، وحمّلوهم المسؤولية الأولى عن الجريمة، ودانوا الـ 12 الماثلين في قفص المحكمة بـ «التواطؤ» على ارتكابها. وهذا التمييز ذريعة قريبة الى إلقاء التبعة عن الفعل على عاتق المدانين الهاربين، ومعاقبتهم بأحكام الإعدام من غير إنفاذه فيهم، والتلفظ في حق الحاضرين والماثلين بأحكام خفيفة. ولم تتستر مطالعة الاتهام، في 28 نيسان 1919، على مسؤولية لجنة الاتحاد والترقي المشتركة والعامة. فنبهت الى قيامها مجتمعة بالتخطيط المنظم لإبادة السكان الأرمن في السلطنة، وإلى تلاعبها برأي الجمهور وبث أخبار ملفقة عن «انتفاضة الأرمن» وعن تبرير الترحيل القسري بضرورات عسكرية مزعومة. وأثبتت المطالعة سيطرة الحزب على مرافق الدولة، وتوسله بها الى إنفاذ سياسة الاستئصال. وبناء على هذا، فاللجنة كلها، وأعضاؤها كلهم فرداً فرداً متهمون بالمسؤولية عن الجريمة.

وبعد انعقاد 7 جلسات وقع في 28 أيار (مايو) 1919 ما لم يكن في الحسبان: قررت السلطات البريطانية من غير مداولة ولا مشورة نقل 67 سجيناً اتحادياً من استطنبول الى مالطا. وعلّلت قرارها القاطع بأمر ظرفي هو قرار الحكومة العثمانية اطلاق سراح 41 سجيناً غداة تظاهرات اتحادية عنيفة. والعلة الثانية التي دعت البريطانيين الى اجرائهم هي معارضتهم تولي السلطات العثمانية المسؤولية عن المحاكمات، وتفضيلهم تولي محكمة دولية عليا الإجراءات القضائية الآيلة الى محاكمة هذه «الجرائم في حق الإنسانية»، وكانت دول الحلف نددت بهذه الجرائم منذ 24 أيار 1915. وأثبتت ثغرات التدابير القضائية العثمانية التحفظات البريطانية، وأيدت تفضيلهم المحكمة الدولية. وأدت حزازات دول الحلف وخلافاتها الداخلية الى التخلي عن المحكمة ووأدها في مهدها.

فلم يبق في قفص الاتهام باسطنبول، في الجلسة الثامنة المنعقدة في 3 حزيران (يونيو) 1919، غير 3 أعضاء في اللجنة المركزية الاتحادية، بينما الـ 12 عضواً الهاربين ما زالوا على هربهم، والـ 9 الذين نقلوا الى مالطا تركوا اسطنبول حكماً. وفي 9 تموز (يوليو) 1919 أصدرت المحكمة حكمها: فحكمت بالإعدام غيابياً على طلعت وأنور وجمال وناظم، وبرأت بعض الآخرين أو حكمت عليهم بالسجن غيابياً. ومن المدانين الثلاثة الحاضرين، حكم بسجن شخص اضطلع بدور ثانوي هو وزير الشؤون الدينية الشيخ موسى كاظم، وأفرج عن الإثنين الآخرين.

وافتتح الفصل الثالث من التشهير بالهيئة العليا للاتحاد والترقي في 12 حزيران 1919. فنظرت المحكمة في مسؤوليات «أمناء السر» و»المندوبين» الاتحاديين، أي مسؤولي الحزب في الولايات، وهم من ألزمت أوامرهم الحكومات المحلية بالتنفيذ والطاعة، وأشرفوا مباشرة على أعمال الإبادة. وفي موازاة هذه المحاكمات، جرت محاكمة المسؤولين المحليين، ودامت الى تموز 1920. وعقدت محاكمات أخرى في الولايات، ولم تنتهِ إلا إلى عدد ضئيل من الإدانات. وتلفّظت المحكمة العرفية التي نظرت في الجرائم المرتكبة بقضاء أرزنجان بحكم الإعدام الثاني في حق موقوف حاضر، هو حافظ عبدالله عوني، أمين جندرمة أرزنجان في 1915. ونفذ حكم الإعدام فيه في 22 تموز 1920، في ساحة بايزيد، وكان آخر قوله: «عاش حزب الاتحاد والترقي! خدمت بلدي خدمة كبيرة حين قتلت الأرمن».

ويدل توقيت الإعدام، عشية توقيع معاهدة سيفر في 10 آب (اغسطس) 1920، على نيات الحكومة. فالعملية القضائية خسرت فحواها حال الإعلان عن مواد المعاهدة التي قضت بسلخ 4 أخماس ممتلكات السلطنة عنها، وعلى الخصوص الولايات العربية وأرمينيا. فارتأت الحكومة، وقد اقتصرت سلطتها على اسطنبول وجوارها، أن توقف المحاكمات. وفي الإثناء، كان الاتحاديون القدامى، في قيادة مصطفى كمال، يعدون العدة بالأناضول للحرب على اليونان وأرمينيا، وعمدوا الى طرد اليونانيين والناجين الأرمن من أهل الأناضول، أو الى قتلهم.

وكانت الحكومات التركية في أعقاب الحرب عوّلت على جني نتائج سياسية ايجابية في الداخل والخارج، جزاء المحاكمات العلنية التي باشرتها. ولكن هذه النتائج لم تنعقد ثمرتها. فرأت دول الحلف أن العملية القضائية بقيت سطحية، ولا تستحق أن تدخل في حساب السلطات الإيجابي، أو تساهم في تلطيف أحكام معاهد سيفر في آب 1920. ولم يتضامن الجمهور التركي مع الليبراليين والمحافظين، بل مال الى الاتحاديين، وانتصر لهم، وسوّغ الجرائم التي ارتكبت في الحرب، وعينه شاخصة إلى الأناضول والتهديد الذي يخيم عليه.

وأظهرت السلطات الجديدة عجزها عن الاضطلاع بأعباء محاكمة تطاول مليوني شخص، بين ضحايا وجلادين. ولم تتح ظروف عامي 1919 و1920 فرصة محاكمة سياسية على مستوى معاني الجريمة ودلالاتها. فالإدارة العثمانية، شأن الجيش، كانت تعج بمسؤولين اتحاديين ملتزمين التزاماً لا يلين بالدفاع عن رفاقهم المتهمــين. وكان لهذه الحال أثر فادح في المحاكمات. فتبددت الوثائق والمحاضر الحاسمة، وهـــرب المــتهمون والمسؤولون البارزون.

ميكاييل نيشانيان،

مؤرخ، عن «ليستوار» الفرنسية، 3/2015، اعداد م. ن.

الحياة

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.