كلمة رئيس الجمعية الوطنية في جمهورية أرمينيا هوفيك أبراهاميان في مجلس الشعب في الجمهورية العربية السورية 23 تشرين الثاني 2010

سيادة الدكتور محمود الأبرش المحترم،

أيها الزملاء الأعزاء،

أيها السيدات والسادة،

إنه من دواعي سروري أن أكون ضيفاً في برلمان بلد، الذي حسب قول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، هو الوطن الثاني للأرمن. أي أنا موجود الآن ليس في بلد صديق فقط بل وعزيز أيضاً.

إن أرمينيا وسورية منذ العهد القديم قد بدأتا سيرهما في مفترقات التاريخ. لقد إلتقت مرات عديدة طرق شعبينا وتاريخهما ومصيرهما وثقافتهما. إن التاريخ قد أكد والمصير قد رغب، أما الثقافة فقد جمعت. ونتيجة كل ذلك هي الصداقة الأرمنية السورية المتينة وحيث أنا واثق في أنها ستستمر إلى الأبد بهذا الشكل.

نحن نتذكر بالعرفان بالجميل ذلك الدعم الثابت الذي قدمه الشعب السوري لنا في أصعب اللحظات التاريخية. ونتيجة الجريمة التي تم تنظيمهاعلى مستوى الدولة في القيصرية العثمانية تعرض الشعب الأرمني للإبادة، وحُرم الجزء الأكبر من ذلك الشعب من وطنه حيث كان يعيش ويبدع، ولقي بقايا الأرمن الذين نجوا بأعجوبة من تلك الإبادة الخلاص والملجأ في سورية. وبفضل هذا البلد المضياف تمكنوا من تعزيز أنفسهم والوقوف على الأرجل، واليوم بمحافظتهم على صورتهم القومية وإيمانهم يُعتبرون مواطنين سوريين مخلصين ونظاميين، وهم جسر آمن للصداقة بين بلدينا.

في عام 1991 وبعد إستقلال أرمينيا كانت سورية من بين الدول الأوائل التي إعترفت بأرمينيا وأقامت علاقات دبلوماسية معها. إن العلاقات الأرمنية السورية كانت وثيقة في فترة العهد السوفيتي أيضاً. إن أول موجة من العائدين إلى الوطن بدأت من هذا البلد بالذات في عام 1948. في أرمينيا يتذكرون اليوم أيضاً بحرارة زيارة رئيس سورية الراحل حافظ الأسد قبل 30 عاماً لأرمينيا السوفيتية، وزيارته لنصب شهداء المجزرة الأرمنية وإبداءه الإحترام تجاه ذكرى الضحايا. إنتعشت تلك الذكريات بواسطة قيام رئيس سورية بشار الأسد بزيارة أرمينيا في عام 2009 وزيارة رئيس أرمينيا سيرج سركسيان لسورية في عام 2010. أنا واثق في أنه بدون الأخذ بعين الاعتبار الأحداث الجارية في العالم تمكنا وسنتمكن في المستقبل أيضاً من المحافظة على علاقاتنا بدون أي خلل ونطورها ونعززها لأنه تتطلب ذلك مصالح بلدينا وشعبينا.

إن أرمينيا بعد إعلان إستقلالها فوراً إفتتحت في نيسان عام 1992 سفارتها في العاصمة السورية دمشق. خلال الأعوام المنصرمة تم وضع قاعدة قانونية واسعة للتعاون الثنائي. وتوجد الآن عشرات الاتفاقيات المعقودة بيننا وبرامج تنفيذية على مستوى الدول والحكومات والتي تشمل العديد من اتجاهات التعاون. إن مجموعات الصداقة البرلمانية العاملة في برلماني البلدين تقوم بدورها في عملية تعزيز العلاقات القائمة، ولكن أعتقد أنه توجد الضرورة لتنشيط العلاقات بين البرلمانين والتعاون البرلماني.

اليوم إن أرمينيا وسورية، بتعزيزهما العلاقات التي نشأت خلال القرون وصمدت لجميع إختبارات الزمن، تسعيان إلى تعميقها إلى درجة أكبر على أساس الإحترام المتبادل والثقة المتبادلة.

أيها الأصدقاء المحترمون،

إن أرمينيا وسورية موجودتان في مناطق حيث يتم ملاحظة التوتر بإستمرار. إن البلدين هما عاملان هامان حيث ليس من الممكن عدم أخذهما بعين الاعتبار. إن الشرق الأوسط هو أحد الاتجاهات الرئيسية لسياسة أرمينيا الخارجية. إن أية هزة أو توتر في هذه المنطقة يترك أثره المباشر أو غير المباشر على منطقتنا أيضاً. في حين أن كل دولة تسعى وترغب العيش مع جيرانها في وئام وسلام في منطقة  تبدي نزعة التطور.

وإنطلاقاً من النزعة المماثلة إن أرمينيا بواسطة الرئيس سيرج سركسيان أعربت عن الإستعداد لتطبيع العلاقات مع تركيا المجاورة. كما تعلمون تم في زيوريخ توقيع مذكرتين ترميان إلى تطبيع العلاقات الأرمنية التركية، واللتين نصتا على أن أرمينيا وتركيا قد إتفقتا على فتح الحدود بينهما وإقامة العلاقات الدبلوماسية. ولكن بعد توقيع الوثائق بفترة قصيرة بدأت سلطات تركيا وعلى مختلف المستويات، في البداية بصورة غير واضحة وفيما بعد بصورة علنية وضع الشروط أمام أرمينيا معرقلة بذلك تطبيع العلاقات. وبما أن المذكرات الأرمنية التركية تم توقيعها بوساطة رفيعة المستوى فإن تركيا بهذا الشكل أثارت الشروط ليس أمام أرمينيا فقط بل وأمام أولئك الذين حضروا مراسم توقيع الوثائق المذكورة، والذين كانوا قد صدقوا التأكيدات التي صدرت من أعلى المستويات في تركيا.

إن أرمينيا، وخلافاً للبلد المجاور الذي يغلي، مستعدة لتنفيذ التعهدات التي قدمتها. إذا نحن، رغم واقع المجزرة الأرمنية في القيصرية العثمانية في عام 1915 التي ليس من الممكن دحضها وبوجود ذلك الألم في أرواحنا، نوافق دون أية شروط مسبقة على إقامة العلاقات مع البلد الذي لايقبل ذنبه اليوم أيضاً كوريثة للقيصرية العثمانية، أما ذلك البلد فيضع الشروط، وفي هذه الحالة فإن قرار رئيس أرمينيا سيرج سركسيان كان مبرراً بصورة تامة حيث أوقف عملية التصديق على المذكرات الأرمنية التركية في الجمعية الوطنية لجمهورية أرمينيا. يجب على تركيا أن تبدي الإرادة السياسية والتواضع لمواصلة عملية تطبيع العلاقات والتخلي عن الشروط الأولية والتصديق على المذكرات في البرلمان. في هذه الحالة فقط إن أرمينيا مستعدة للعودة إلى التصديق على المذكرات وعلى أساس ذلك تطبيع العلاقات.

ولكن أشير إلى أن تلك العملية ولا إقامة العلاقات مع تركيا لاتعني أن أرمينيا تثير الشكوك حول واقع المجزرة الأرمنية. إن أرمينيا لم ولن تثير الشكوك حول المجزرة ولن تشارك في أية عملية سمسرة حولها. إضافة إلى ذلك ستواصل أرمينيا تتبع إعادة العدالة التاريخية وإستكمال عملية الاعتراف الدولي بالمجزرة الأرمنية والوصول إلى قيام المجتمع الدولي بإنتقادها، لأن إنتقاد الجرائم المماثلة يصبح قوة لتفادي تكرار الجرائم المماثلة في المستقبل.

تثير تركيا مسألة غاراباغ الجبلية كشرط ثاني لتطبيع العلاقات مع أرمينيا. ولكن ماهي الصلة بين هاتين المسألتين؟ وماهي صلة تركيا مع هذه المسألة؟ حيث أنها ولابأي وثيقة ليست لها صلة معها، ولا في أي بنية دولية كدولة محايدة لم يتم تخصيص أي دور لها. وفي نهاية الأمر لقد أعلنت مختلف البنيات الدولية أن تطبيع العلاقات الأرمنية التركية وتسوية نزاع غاراباغ الجبلية هما عمليتان مختلفتان ومنفصلتان. إن تركيا بخطواتها تحاول بصورة عامة دعم البيانات ذات النزعة العسكرية والخطوات غير البناءة التي تقوم بها أذربيجان وبذلك تعرقل تسوية المسألة.

إن أرمينيا تؤيد تسوية جميع الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية دون الأخذ بعين الاعتبار في أية منطقة هي في القوقاز أو الشرق الأوسط أو أي مكان آخر. وتعلن أرمينيا دائماً أن مسألة غاراباغ الجبلية يجب أن تُحل بالطرق السلمية فقط وفي إطار مجموعة مينسك المنبثقة عن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وهي مخلصة لكلامها، أما أذربيجان ببياناتها ذات النزعة العسكرية وخطواتها غير البناءة تفشل عملية التسوية وتخل بالإستقرار والسلام في المنطقة. يجب على أذربيجان أن تفهم بصورة كاملة أن جمهورية غاراباغ الجبلية التي تسبقها في مجال الديمقراطية لن تكون إطلاقاً في إطار أذربيجان وخاصة أنها لم تدخل في إطار أذربيجان أبداً. إن جمهورية غاراباغ الجبلية قد أصبحت دولة قائمة منذ فترة طويلة مع كل الهيئات والبنيات الخاصة بالدولة وعلى أساس التعبير عن إرادة الشعب، وقد أقتنع في وجود هذا الواقع المجتمع الدولي أيضاً. أعتقد أن الإنتقال من الواقع القائم إلى الواقع القانوني، رغم أنه صعب وطويل، ولكن سبيل يمكن إجتيازه.

أيها الأصدقاء المحترمون،

إن التاريخ يؤكد أن الحقد وسوء النية ليس باستطاعتها أن تأتي بأي مستقبل جيد وموثوق لأي بلد أو شعب، وليس باستطاعتها أن تضمن التقدم للبشرية. فهم هذا الواقع الرجال الحكماء لشعبينا في القرن العاشر، الشاعر والمفكر الكبير للشعب العربي بأكمله أبو العلاء المعري، والشاعر والمفكر الأرمني الكبير كريكور ناريكاتسي. وبعيشهما في نفس الفترة تقريباً هما تحدثا وكتبا بصورة عميقة عن العدالة وسمو روح الإنسان وعن التسامح. إن تلك الأفكار هي عصرية اليوم أيضاً عندما يوجد النقص في مجال التسامح في العالم وتعاني من ذلك الشعوب والبلدان. أما سورية فهي مثال رائع للصداقة والتسامح والحوار الديني وتناسق الحضارات، ولعبت في هذا المجال الدور الكبير سلطات البلاد وخاصة الرئيس الراحل حافظ الأسد ورئيس سورية الحالي فخامة الرئيس بشار الأسد.

أتمنى أن يكون سير شعبينا في التاريخ دائماً وارتقائياً. ليرافقنا دائماً السلام والعدالة والتفاؤل.

وشكراً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.